«الشعـب» تنقل معاناة ضحـايا الألغام الصحـراويين والجـزائريين

جـرائـم الاحتـلال المغـربـي والفـرنسـي ما تــزال تحصـــد الكـثير من الأبـــــــريـــــاء

سهام بوعموشة

اختارت منظمة الأمم المتحدة هذه السنة شعار «مكافحة الألغام....فعل إنساني»، للاحتفال باليوم العالمي لمكافحة الألغام، مرتكزة على الجانب الإنساني، كون هذه القنابل القاتلة خلّفت ضحايا كثر بالصحراء الغربية نتيجة زرع الاحتلال المغربي لها على طول الحدود، مثلما تضرّرت منه الجزائر منذ الاستقلال لحد الآن، وحسب العقيد حسن غرابي مكلف بملف نزع الألغام على مستوى وزارة الدفاع الوطني، في تصريح لـ«الشعب»، فإن الجزائر إلتزمت مع هيئة الأمم المتحدة سنة 2011 على تدمير كل الألغام في آفاق 2017، أما الصحراء الغربية فاتفقت مع المنظمات الدولية لإتلافها في آفاق  2025.

يعد إقليم الصحراء الغربية المحتل من طرف المغرب، أحد أكثر المناطق الملوثة بالألغام في العالم، حيث زرعت القوات المغربية والموريتانية منذ 1975 الألغام الأرضية، الألغام المضادة للدبابات، القنابل العنقودية والقذائف غير المتفجرة على مساحة 266.000 كيلومتر من الإقليم.
وبالرغم من توقف الحرب والتوقيع على السلام، لا تزال القوات المغربية تزرع هذه الألغام خاصة على طول الجدار العازل الذي شيد سنة 1980، ويمتد على طول 2720 كيلومتر من الأراضي الصحراوية ، حيث زرع فيه أكثر من ثمانية ملايين لغم مبعثر.
وفي هذا الصدد، أوضح محمد أحمد أنبيريك محافظ سياسي لمركز الشهيد شريف لضحايا الحرب والألغام بمخيمات اللاجئين الصحراويين بتندوف، أن عدد الضحايا التي يحتضنها المركز هم 150 ضحية منهم مشلولين، مبتوري الأطراف، أنصاف مشلولين مكفوفين، مضيفا في تصريح لـ«الشعب» أن المركز يضم كل الفئات العمرية، وأكثر الضحايا رجال من المناطق الرعوية، منهم ضحايا الحرب وآخرون ضحايا ألغام، وهم رعاة وبدو تعرضوا للألغام التي جرفتها الأمطار في المناطق المحررة وأتلفت مواشيهم.
من جهتها، أبرزت تومانة عمر داحة ممثلة فرقة الحملة التحسيسية بخطورة الألغام بمخيمات اللاجئين الصحراويين، أهمية النشاط التوعوي الذي تقوم به على مستوى المخيمات للتحسيس بخطورة الألغام وعدم لمس الحديد أو الأشياء غير المألوفة أو رميها بالحجارة والابتعاد عن الألغام، عبر عرض برامج مستمرة حول أشكال مختلفة من الألغام متعلقة بالأفراد، وأنواع القنابل العنقودية والرصاص الصغير وكل الذخائر المستخدمة في الحرب التي لم تنفجر وذلك في كل الولايات والبوادي.
وأوضحت محدثتنا في هذا الإطار، أن عملية التوعية طيلة السنة وتستهدف كل الفئات من الأطفال إلى النساء، كونهم معرضون للإصابة بالألغام وبالأخص الأشخاص الذين يضطرون للانتقال إلى البوادي والسير نحو اتجاه الألغام للرعي، حيث تعمل خمس مجموعات وكل مجموعة تضم خمس أفراد، مشيرة إلى أن هناك مشكل في التمويل ووسائل الإيضاح التي تمنح للعائلات، بالرغم من وجود بعض المساعدات من طرف الأمم المتحدة، لكنها لا تكفي بالنظر لعدد الشعب الصحراوي المشتتين في الأراضي المحررة.
وفي هذا السياق، وجهت تومانة رسالة لكل الأفراد بالابتعاد عن الأماكن التي فيها خطورة الألغام والقنابل، وعدم الاقتراب من أي شيء غير مألوف، أملة في أن يتم الوصول إلى تنظيف أماكن الألغام آفاق 2025.

شهادات ضحايا الألغام بالأراضي الصحراوية

يعد عوالة لحبيب الأمين العام للجمعية الصحراوية لضحايا الألغام، أحد الضحايا الذي أصيبوا بانفجار لغم بالأراضي الصحراوية سنة 1990، وهو مبتور الساق الأيمن، حيث كان راعي غنم، يروي لنا عوالة معاناته بعد إصابته بالألغام بجانب الربط، قائلا: «قصتي مؤلمة ومتعبة، مدة ثلاثة أيام والسيارة رباعية الدفع  ضعيفة السرعة تسير متوجهة نحو مستشفى الشهيد شريف، وأنا جريح على مسافة 200 كلم بحكم غياب مستشفيات ومدن بجانب مناطق الألغام، بل نقاط عسكرية أحيانا بعيدة».
ويضيف الضحية، أنه بقي في مستشفى الشهيد شريف حيث بتر ساقه الأيمن مدة ثلاثة أشهر، بعدها بقي يسير بدون رجل اصطناعية مدة سنة، وخلفت هذه الحادثة لديه أزمة نفسية صعبة كونه بين ليلية وضحاها أصبح بدون ساق ويعيش بعقدة النقص، لكنه حين شاهد أشخاص آخرين لديهم أيدي وأرجل اصطناعية ارتفعت معنوياته وعادت له الحياة من جديد، مطالبا الحكومات بتقديم الدعم النفسي والمعنوي لضحايا الألغام من ناحية الإدماج بمشاريع والتشغيل ويطمح الأمين العام للجمعية الصحراوية لضحايا الألغام، لعالم خالي من آفة الألغام وضحاياها وحياة جديدة مليئة بالأمل في المستقبل، بناء مجتمع بنظرة واحدة نحو التنمية.
ضحية أخرى بسبب جريمة الاحتلال المغربي، هي مريم التي أصيبت سنة 1976 حين خرجت في مسيرة صحراوية أثناء الاحتلال المغربي لمنطقة تيفارتي، وكان عمرها آنذاك سبع سنوات، مما أدى بها إلى شلل نصفي بعد عام من الإصابة، وحاليا تبلغ 49 سنة، حيث نقلت إلى مستشفى تقصراين بالجزائر، حيث تمّ التكفل بها وبالرغم من هذه الإصابة التي جعلتها تسير على كرسي متحرك واصلت حياتها بشكل عادي.
أحمد خطري، ضحية حرب الاحتلال المغربي مع جبهة البوليساريو، حيث أصيب سنة 1980 في معركة وكان سنه آنذاك 28 سنة تقريبا، مما أدى إلى بتر ساقه وجعله مقعد على كرسي متحرك مثل مريم، بعدها نقل إلى مركز شريف برابوني للتكفل به، ليتم إرساله فيما بعد إلى المستشفى العسكري بعين النعجة بالجزائر.

جوادي: عملية ضبط الإحصائيات تستكمل خلال شهرين

لم تسلم الجزائر من الألغام، ويقول محمد جوادي رئيس الجمعية الوطنية للدفاع عن ضحايا الألغام ببسكرة، أنها زرعت عشوائيا في القرى والمداشر، حيث كانت مخيمات الجيش الفرنسي منصبة لزرعها، هي التي تشكل خطورة أكبر وتبقى مجهولة، مضيفا أنه لحسن حظنا أن هذه  القنابل لم تزرع في المناطق رعوية بل على الحدود الغربية بتلمسان والنعامة إلى الحدود الشرقية بتبسة، سوق أهراس، والطارف، وقد بذل الجيش الوطني الشعبي مجهودات لتطهير الأماكن التي انتشرت فيها الألغام.
وقال جوادي في هذا الإطار، أنه في 7 مارس المنصرم بولاية الأغواط  توفي طفلين وأمهما في المستشفى نتيجة انفجار لغم، كاشفا عن عمل مشترك بين الجمعية الوطنية للدفاع عن ضحايا الألغام ببسكرة للتحضير مع وزارتي المجاهدين والتضامن  الوطني لتوفير المعلومات لإحصاء كل الضحايا.
وأوضح، رئيس الجمعية الوطنية للدفاع عن ضحايا الألغام أن الجمعية تنتقل من ولاية لأخرى وتعمل على المرحلة الأولى من الثورة إلى الاستقلال، والمرحلة الثانية من الاستقلال إلى 2016، محاولا ضبط الإحصائيات أكثر ـ وحسبه ـ فإن العملية ستستكمل خلال شهرين.
وأشار محدثنا إلى أن فرنسا، حين غادرت الجزائر لم تكن لديها نوايا حسنة لمنح الخرائط، وتركتنا بعد الاستقلال نتخبط، مطالبا بضرورة اعتراف فرنسا بجرائمها في الجزائر، قائلا: «حقنا في التعويض لن نتخلى عنه، ونحن دائما في معركة قانونية دوليا كي نتحصل على نتيجة».

أكثر من 50 شخصا ضحية ألغام بسيدي بلعباس

عبد القادر إدريسي، طالب في شهادة في الدكتوراه ورئيس المكتب الولائي للجمعية الوطنية  للدفاع عن ضحايا الألغام بسيدي بلعباس، أصيب بلغم بمنطقة رأس الماء بالولاية، حيث كانت  تستعمل إبان الحقبة الاستعمارية كمكان للرماية ثم ألقى الاستعمار بكل مخلفاته وسمومه، التي اخترقت التربة وبقيت لمدة أكثر من ستين سنة، بفعل العوامل الطبيعية كالانجراف والتصحر، مما صعّب التعرف عليها فبدت بأشكال مختلفة.
وكغيره من الأطفال، كان عبد القادر يقوم باستكشاف المناطق نظرا لغياب أماكن للأنشطة الثقافية والرياضية في المنطقة، حيث عثر سنة 2006 على جسم غريب ووضعه على أحد الأسلاك فأنفجر في وجهه ونقل إلى مستشفى ولاية سيدي بلعباس، حيث تلقى العلاج لمدة تقارب سنة، وكان عمره آنذاك 13 سنة ليعود  للدراسة ويتحصل على شهادة البكالوريا في 2005، وتخرج في 2011 تحصلت على ليسانس في علوم سياسية وعلاقات دولية ثم ماستر في 2014.
وفي حديث لـ «الشعب: يقول عبد القادر أنه تخصص في مذكرة الدكتوراه في  اتفاقية أوتاوا التي يشرف عليها العقيد حسن غرابي، الذي يتكفل بملف نزع الألغام على مستوى اللجنة الوزارية المشتركة بوزارة الدفاع الوطني لتطبيق اتفاقية أوتاوا، حيث ساعده في المذكرة بما في ذلك الجمعية الوطنية للدفاع عن ضحايا الألغام، التي فتحت له الأبواب للتعرف على ضحايا الألغام، وتقديم تجربته في التوعية وزيارة الضحايا، وإعلامهم بحقّهم في المنحة التي تقدمها وزارة المجاهدين.
وأشار رئيس المكتب الولائي للجمعية الوطنية للدفاع عن ضحايا الألغام بسيدي بلعباس، إلى أنه  لحد الآن توجد إشكالية النسبة في المنحة، حيث أن أكثر من 20 بالمائة يتحصل على المنحة بنسبة 100 بالمائة في حين أقل من هذه النسبة لا يتحصل على أي شيء، حيث يقدر مبلغ المنحة بـ 18 ألف دينار جزائري وهو لا يكفي حسب محدثنا، خاصة وأن هذا الشخص يكون مبتور الأرجل أو الأيدي أو فاقد البصر، في ظلّ غلاء المعيشة.
وأضاف في هذا الإطار، أن  الجزائر هي الدولة الوحيدة التي تقدم المنحة وأنه لابد من  مطالبة السلطات الجزائرية بالتعويض من المتسبب الحقيقي وهو الاستدمار الفرنسي، مما سيؤدي للاعتراف الكامل بجرائمه ضد الشعب الجزائري، مشيرا إلى أن أكثر من 50 شخصا ضحية ألغام بسيدي بلعباس، وفئة الأطفال هي الأكثر تضررا.
علما أن عبد القادر شارك في عدة مؤتمرات دولية ووطنية، وزيارته لمخيمات اللاجئين  الصحراويين هو لمناصرة ضحايا الألغام التي زرعها الاحتلال المغربي، مع الاطلاع على العمل الميداني في مجال تطهير الأراضي الملغمة، حيث لاحظ مدى جاهزية الفرق الصحراوية وتحسيسها بالألغام، وكذا معاناة الضحايا، حيث تناول في دراسته واقع اتفاقية أوتاوا.
ودعا المنظمات الدولية للوقوف إلى جانب الشعب الصحراوي وكل الشعوب المتضررة ، كي يتخلصوا من هذه الآفة، كما طالب بأن المجتمع الدولي بمحاسبة وإلزامها بتطهير الأماكن التي زرعت فيها الألغام مع تعويض الضحايا المدنيين، وضرورة انضمام باقي الدول إلى اتفاقية أوتاوا، كاشفا عن أنه سيقدم شكوى دولية فردية للحصول على التعويض من طرف فرنسا.
وتطرّق محدثنا إلى مشكل في قانون ضحايا الألغام، الذي  يقدم المنحة للضحايا ولا يمنحها للأصول في حالة وفاة الضحية، قائلا: «توفيالأب والأم اللذين كانا ضحية ألغام، وبقي الأبناء الذين لم يتم تعويضهم، تحدثنا كجمعية عن الموضوع في لقاء مع وزير المجاهدين بوهران في 2015، من أجل استفادة هؤلاء الأطفال من المنحة».

 

 

 

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18216

العدد18216

الثلاثاء 31 مارس 2020
العدد18215

العدد18215

الإثنين 30 مارس 2020
العدد18214

العدد18214

الأحد 29 مارس 2020
العدد18213

العدد18213

السبت 28 مارس 2020