د. سليمان أعراج، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية لـ “الشعب”:

على الفواعل الدولية إدارة عمليات حفظ وصيانة السلام والأمن العالميين

أجرى الحوار: نور الدين لعراجي

هناك تحالف وظيفي وميداني بين الجريمة المنظمة والارهاب لضرب استقرار الدول
ما يحــــــدث في قضيــــــة الشـــــــرق الاوســـــط متعلـــــــق برهانــــــات مـــــا بعــــــد 2023
تعود هجمات الثلاثاء  11 من سبتمبر 2001 الى واجهة المشهد العالمي، لتخيم بظلالها على الاجندات الغربية في مكافحة الارهاب والتصدي للجريمة بمختلف اشكالها، إلا ان الامور بقيت على حالها، ولم نجن من عقبات تلك الهجمات سوى الخراب والدمار وتفتيت الدول، ولم تكن الاستراتيجية العالمية في التصدي للظاهرة الارهابية، إلا ذرعا للتوسع في المنطقة العربية وإفريقيا، حيث اخذت الظاهرة بعدا أخر وتشكل من تنظيم القاعدة الذي تبنى العملية، تنظيمات اكثر دموية وأكثر انتشارا، أبرزها داعش الارهابي،  وقد تم تحويل اتجاه أربع طائرات تابعة للنقل المدني ذات الطابع التجاري، وتوجيهها نحو أهداف محددة نجحت ثلاث منها، اصطدمت ببرجي مركز التجارة الدولية بمنهاتن ومقر وزارة الدفاع الأمريكية البنتاغون، وسقط خلالها حوالي 2973 ضحية.
في هذا الحوار، نحاول مع الدكتور سليمان اعراج، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، بجامعة الجزائر 3، تسليط الضوء على نتائج هذه الهجمات، أين تبنت الو. م. أ  مكافحة الإرهاب والى أين وصلت ؟ ماهي الاخفاقات ؟ هل تحققت محاربة واجتثاث الظاهرة الارهابية ؟ كل ذلك تتابعونه في هذا الحوار.

”الشعب”: 17 سنة تمّر على هجمات 11 سبتمبر 2001، أعلنت خلالها أمريكا عن بداية استراتيجية جديدة في مواجهة الارهاب واجتثاث جذوره، لكن الواقع أثبت عكس ذلك، فازداد العالم سوداوية، وتطرفا، ماهي قراءتكم للمشهد الامني، اليوم؟

 د. سليمان أعراج: تطرح الذكرى 17 للهجمات الارهابية على الولايات المتحدة الامريكية في 11 سبتمبر 2001 والتي استهدفت برجي التجارة في نيويورك ومبنى البنتاغون في واشنطن، الكثير من الاسئلة قبل ان نقبل على تشخيص هذا الواقع لأنه ما تغير في الواقع، وماهي انعكاسات هذه الاحداث على واقع المجتمعات، على سياسات الدول، على كيفية ادارة المسائل الامنية على صعيد دولي، وهل ساهمت هذه الاحداث في جعل الهاجس الامني اولوية مقارنة بالتنمية، باعتبار انهما  متغيران مترابطان، الأمني يساهم في التنمية ، والتنمية لا يمكنها ان تتحقق بعيدا على الامن.
الملاحظ انه منذ احداث  11 سبتمبر، انخرطت المجتمعات في التطرف انخراطا جماعيا، اليوم نرى ان موجات التطرف داخل هذه المجتمعات سواء العربية منها أو الغربية أو حتى في الدول النامية، ان مسار التطرف أخذ منحى تصاعديا من خلال نتائج الانتخابات المسجلة في الدول الاوروبية، انتشار الاسلاموفوبيا، استمرارية اللامن في الدول النامية، وخصوصا الدول العربية أو الساحل الافريقي، باعتبار انهما يملكان خصوصيات، تجعلهما محل اهتمام وأطماع القوى الغربية، لأن هذه المناطق تتشابك فيها الجغرافيا مع الاقتصاد مع السياسة وبنية المجتمعات، هذه كلها عبارة عن متغيرات زادت من أهمية  المنطقة، لكنها  في نفس الوقت جعلتها تخضع لأجندات قوى تسعى دائما الى السيطرة على مواردها.
هجمات  11 سبتمبر كانت ربما اشارة الى انتشار موجة التطرف وتصاعد مختلف اشكال العنف واللامن، وبدلا  من ان تكون محطة للتوقف وإعادة  النظر،  في آليات العمل الدولية لصيانة قاعدة السلام العالمي، لاحظنا بأنه توالت المحطات لزعزعة استقرار العالم على افغانستان، العراق، وعلى الدول التي تعيش ما سمي بالربيع العربي، سوريا، ليبيا، اليمن، تونس، أصبح ناقوس الخطر في ظل  توسع دائرة انتشار اللامن أكثر حضورا ، وهو ما يستوجب على الفواعل الدولية اليوم، ان تعيد التفكير في أهم الميكانيزمات التي يمكن عبرها ادارة عمليات حفظ وصيانة السلام و الامن العالميين.
 
ألا ترى ان تحوّل المنطقة العربية والإفريقية إلى سوق مربحة لتجارة الاسلحة وهي الخاسر الاكبر من خلال ارتفاع قيمة الصفقات وزيادة نفقات الشعوب، بالإضافة الى تهديم البنية التحتية منذ حادثتي واشنطن ونيويورك، الى اليوم، ألا يمكن القول ان الهجمات تخرج من دائرة الارهاب نحو خطة استباقية ظاهرها اقتصادي وباطنها عسكري، في ظل البحث عن مصادر الطاقات البديلة والماء ؟

 عندما نتحدث عن دائرة اللااستقرار واللامن، في العالم خصوصا في المنطقتين العربية والساحل الافريقي، لخصوصية هاتين المنطقتين وما تزخران به من امكانيات و موارد معطلة غير مستغلة ، لذلك تسعى هذه القوى لإنتاج هذه الموارد وإعادة استغلالها، لأن المستفيد الاكبر من حالتي اللااستقرار واللاامن  هما تجار السلاح والشركات الامنية  الخاصة بالإضافة الى تجار المخدرات.
اليوم، اصبح فيه فعليا تحالف وظيفي وميداني بين جماعات الجريمة المنظمة والجماعات الارهابية على اعتبار انهم يعملون من منطق واحد وهو ضرب استقرار الدول لكسب نوافع مادية ومالية، فدور الشركات الامنية الخاصة اصبح يطرح اكثر من سؤال، الحديث عن الجنود المرتزقة، الذين تستغلهم بعض الدول الغربية، وحتى التنظيمات الارهابية  لضرب زعزعة استقرار الدول، هذا يعتبر أداة من الادوات التي تقودنا الى الحديث حول كل ما يحدث انه عبارة عن سيناريو ، برنامج من اجل الهيمنة، يضاف الى البرامج الاقتصادية، المشروطية، الى مجموع البرامج الليبرالية المسطرة من أجل بسط الهيمنة ومن اجل سيطرة المنظور الليبرالي القائم على الفروقات والملكية الفردية  في السيطرة على العالم، كل ما يمكن ان نسميه قوة صاعدة ، أو كل ما يمكن ان يساهم في قدرات الدول، من اجل الانخراط أو الانضمام الى دائرة الانتاج العالمية التي لا تريد القوى المهيمنة والعالمية ان توسع من دائرتها، بل حصرها في ثلة معينة  تعود فائدتها عليها .
إذا تحدثنا مثلا عن سوريا  كانت مرتاحة جدا  اقتصاديا، مثل صناعة النسيج، فهناك الكثير من الايجابيات في الاقتصاد السوري، دون ان ننسى ان ما يحدث في قضية الشرق الاوسط، فهو قضية متعلقة  برهانات مابعد 2023 متعلقة  بمسألة التنقيب عن موارد الطاقة، المحروقات، ومصادر الطاقة وتعتبر اسرائيل هي الراكب المجاني والمستفيد الاكبر، مما يحصل في المنطقة والدليل على ذلك، رأينا كيف تبنت الادارة الامريكية الجديدة  توجهات داعمة لإسرائيل، اللوبي اليهودي الذي يتحكم في مفاصل التجارة والمال  في الاسواق العالمية.

لا يمكن ان تخضع السياسة في دولة المؤسسات كأمريكا إلى منطق العرض والطلب
اتضح للعالم اليوم من خلال السياسة الخارجية للرئيس الامريكي ترامب تحمل الكثير من المتناقضات بالنسبة للقضايا المصيرية في المنطقة العربية، من بينها رفع الدعم عن الانروا، اقامة السفارة الامريكية في القدس، ففي عملية سبر اراء اجريت مؤخرا  بالولايات المتحدة اثبتت ان ما فوق 60 بالمائة من المواطنين الامريكيين غير راضون عن ما يقوم به ترامب؟

 المسألة مهمة جدا في الوقت الحاضر وذلك لسبب افتقاد ترامب التقاليد السياسية والديبلوماسية، لأن الرجل لم يأت من حقل السياسة بل جاء من حقل التجارة فعقده يحكمه المنطق التجاري، البيع والشراء والتبادل التجاري، فلا يمكن ان تخضع السياسة في دولة المؤسسات، واتحدث عن الدولة الامريكية لمنطق العرض والطلب، فالتناقضات التي تظهر اليوم في سلوكيات الرئيس الامريكي ترامب، راجعة الى قوة عمل المؤسسات في المجتمع الامريكي وهو ما يتوضح في تناقض الخطابات بينه وبين وزير الدفاع، وتحدي القضاء له في اصدار بعض القرارات الارتجالية غير مدروسة وليس لها اساس، خاصة في الدستور الذي يحكم المجتمع الامريكي، لا شك ان خرجة محاميه الاخيرة لها اكثر من تفسير ، مستشاريه المقربين الذين قدموا استقالاتهم، وكشفوا تهوره في الانفراد بالسلطة ، هذه التراكمات كلها تحسب ضد ترامب وتضعه في موقف محرج ومأزق كبير.
الحديث اليوم يتجه الى عزل ترامب عن ممارسة السياسة، هو الذي جعله يتجه الى رفع الدعم عن الاونروا، ففي كل مرة  يجد نفسه محاصرا يتجه نحو مغازلة اللوبي اليهودي في امريكا  من اجل فك الخناق عنه،وهذا ما يفسر  افتقاد الرجل الى الحنكة والخبرة السياسية ولا يعرف الكثير من التقاليد والبروتوكولات التي يستوجبها منصب رئيس الولايات المتحدة الامريكية .
تبعا لهجمات 11سبتمبر مرورا بالعراق وسوريا، وصولا الى ليبيا في رأيكم، ماهي حلول الازمة الليبية في ظل الصراع القائم بين حكومة السراج والفريق خفتر، وتفرد منطق القوة بالسلاح في الميدان، عكس ماهو موجود في سوريا فلم يتبق سوى محافظة ادلب وهي اخر نقطة لقلاع الارهابيين، في انتظار الحسم فيها، ماهي قراءتكم لارضيتين متباينتين في الصراع؟

 ان اجراء مقارنة بسيطة بين المشهدين السوري والليبي، يمكن في هذا الصدد قراءة لأول وهلة ان سوريا متجهة نحو انفراج مقارنة بالوضع في ليبيا الذي يزداد سوءا، رغم ارتفاع الاصوات المنادية بالحل السياسي، تأزم الوضع لا يزال يخيم على مشاهد المشهد في ليبيا، ويمكن تلخيص الوضع والإجابة عليه  في نقطة واحدة موحدة وهي الانقسام الدولي هو من اثر على القضيتين، لكن ما هو مختلف ان روسيا تدخلت في الملف السوري، وحسمت الموضوع لصالح حكومة الاسد، ووضعت حدا لسياسة التردد والنوايا الغربية داخل سوريا، على عكس الوضع في ليبيا الذي لا يزال  يتخبط في حاله، لا يزال الاتفاق الدولي حول ليبيا قائما، لا تزال هناك اطراف تريد تغذية الصراع لطرف ضد الاخر، وهو ما يفسر استمرارية هذه الازمة والحديث مؤخرا عن قيام اشتباكات في جنوب طرابلس ومواجهات عسكرية تحت اللواء  70 التابع لحفتر وقوى اخرى .
 مازال في ليبيا من يعمل على إطالة عمر الأزمة، اين توظف اطراف في الداخل الليبي من قبل فواعل خارجية وعلى رأسها فرنسا من خلال دعم طرف على حساب الاخر، وهو ما يحدث مع حفتر الذي تحاول المساعي الفرنسية منحه الشرعية سواء من خلال اللقاء الذي استضافته فيه مع السراج بفرنسا، أو يمكن أن نستشفه حتى من خلال التصريحات التي أطلقها حول الجزائر، وإن كانت تمثل اللاحدث بالنسبة للجزائر لأن حفتر يبحث عن من يمنحه شرعية الحديث باسم ليبيا، وهو الأمر الذي يبقى بعيد المنال خصوصا في ظل تطور الأوضاع في طرابلس وتحرك مجموعات عسكرية والتي أوضحت أن حفتر لا يمتلك زمام الأمور وغير متحكم في الميدان كما يروج له.
أما بخصوص الجزائر فقد أثبت موقفها انها صوت الحكمة المنادي دائما بتمكين العقل وتغليب منطق الحوار وضرورة الحل السلمي ، خصوصا وأن الجزائر كانت واضحة منذ بداية الأزمة في ليبيا بأنها تتعامل بمنطق الدولة ومؤسساتها ولا تتعامل مع الأشخاص أو المليشيات، اعتقد ان هذا التأزم جاء نتيجة بعض الدول التي تدعم مسعى طرف ضد الاخر وعلى رأسها فرنسا، ايطاليا ايضا مؤخرا اخبرت فرنسا، انه لا يمكنها الانفراد وحدها بالوضع في ليبيا، لكن فرنسا موجودة ميدانيا من خلال الجنود المرتزقة الذين يشكلون فصيلا متخندقا داخل الجيش الفرنسي، موجودة داخل المخابرات، داخل الشركات الاجنبية، التي يتم عبرها دعم المجموعات المسلحة ودعم الفصيل العسكري ضد الفصيل السياسي.
وتبقى مبادرة دول الجوار التي تقودها الجزائر، تونس، ومصر باعتبارها مهمة، لكنها تحتاج الى دعم اكثر والتفاف من قبل الامم المتحدة والولايات الامريكية لوضع حد بخصوص المسألة وإنهاء حالة الانقسام الداخلي، لأنه لا يمكن ان ينتهي بعيدا عن المصالحة المجتمعية، هذه أهم نقطة يمكنها ان تصنع الفارق وتعيد بوصلة الوضع في ليبيا نحو الانفراج والحل السلمي.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17798

العدد 17798

السبت 17 نوفمبر 2018
العدد 17797

العدد 17797

الجمعة 16 نوفمبر 2018
العدد 17796

العدد 17796

الأربعاء 14 نوفمبر 2018
العدد 17795

العدد 17795

الثلاثاء 13 نوفمبر 2018