لم نستكمل بعد تأريخ كل محطّات الثورة ، الأستاذ محمد خيشان لـ «الشعب»:

الباحث يبـدع في الكتابة التّاريخية إذا وجـد الدّعم والتّحفيز

أجرت الحوار : سهام بوعموشة

أبرز أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة بوزريعة محمد خيشان في حديث خاص لـ «الشعب»، مسؤولية الدولة والوزارات المعنية في حماية الأماكن التي كانت شاهدة على نضال الشخصيات الوطنية من التشويه وتحويلها لمتاحف، مؤكدا أننا لم نستكمل بعد تأريخ كل المحطات التاريخية، وحسب الأستاذ الجامعي فإنه لم يحن الوقت لفتح بعض الملفات التي كانت تصنف في خانة الطابوهات بسبب نقص الأرشيف المحلي وكذا أن المجتمع الجزائري غير مؤهل للتعاطي مع هاته القضايا.
^ الشعب: بعد 64 سنة من حرب التحرير الوطني، أين نحن من الكتابات التّاريخية ؟
^^ الأستاذ محمد خيشان: لا يمكن القول أنّنا أنجزنا كتابات بدءاً بما يسميه الأستاذ أبو القاسم سعد الله رحمة الله عليه بالمدرسة التقليدية، وهو من بين قامات هذه المدرسة على غرار كل من الدكتور نصر الدين سعيدوني، وجمال قنان أطال الله في عمرهما ويحيى بوعزيز رحمه الله وأستاذ آخر من جامعة وهران لا يحضرني إسمه الآن، هؤلاء أنجزوا دراسات تراوحت بين التراثية ولحد ما النقدية والعامة في تاريخ الجزائر، حتى هذه الدراسات تحتاج لإعادة قراءة، لأن الأستاذ سعد الله كان يقول لنا عندما كنا طلبة أنه لا يملك الوقت الكافي ليقوم بعملية نقد للوثائق وللمادة العلمية التاريخية حول الجزائر، قائلا:
«أنا ألملم المادة أين وجدتها في شكل كتب ومقالات، ويأتي الدور لآخرين جدد وهم أنتم، (كنا طلبة في مرحلة الليسانس) ستقومون بهذا الدور إذا كانت لديكم الإرادة الكافية، إذا توفرت الظروف والعوامل والحوافز تستكملون ما وفرته المدرسة التقليدية».
لتتهيكل مدرسة جديدة وهي المدرسة الراهنة المعاصرة، تتكيف مع ما يكتب في التاريخ بالجامعات الأوروبية والأمريكية وبعض الجامعات العربية، كجامعتي دمشق والأردن لمواصلة هذا الجهد للإحاطة بجميع مناحي الحياة والقضايا وتاريخ الجزائر، سواء كانت في تخصص الحديث أو المعاصر أو في المرحلة الراهنة التي نعيشها وتمر بها الدول العربية ومن بينها الجزائر بأصعب المراحل نظرا للصراعات الدولية حول المنطقة، وظروف جديدة إستجدت في إطار ما يسمى الأوحادية القطبية والزمن الأمريكي الراهن.
^  وقائع تاريخية ما تزال في خانة الطابوهات مثل حادثة ملوزة، متى يحين الوقت للإفراج عنها؟
^^ ليس من الممكن فتح هذا الملف المشكلة في
البداية هي الأرشيف لأنه عامل أساسي، هل نتوفر على أرشيف محلي لننطلق منه ونقارنه بالأرشيف الأجنبي؟ للأسف الكثير من القيادات كان لها علاقة بهذه القضية غيّبها الموت بدون أن تترك لنا أي أثر حول هذه القضايا، لسوء حظنا كباحثين مجبرين أن نتعامل مع مثل هذه القضايا من جهة بحثية واحدة وهي الجهة الفرنسية. صحيح أن المادة الوثائقية متوفرة وبغزارة في مراكز الأرشيف الفرنسية، ولكن تعبر عن الرأي الفرنسي.
نحن كمؤرّخين في بداية الطريق لم نعاصر هذه الأحداث، لم نسمع عنها ولم نقرأ عنها آنذاك، ولم تصلنا معلومات عن طريق التناقل في تلك الفترة، وبالتالي يصعب أن نتناولها في الوقت الراهن بسبب أن المجتمع الجزائري كمجتمع يبدو في تقديري إلى يومنا هذا ما يزال غير مؤهل لكي يتعاطى مع هاته القضايا، ومثل هاته القضايا إذا فتحناها قد تتولد عنها مشاكل، أزمات أو ربما صراعات في المحاكم، وقد يكون أول ضحية لهذه القضية هو المؤرخ أو الباحث ولذلك يبدو لي أنه لم يحن الوقت للإفراج عنها.
من الناحية الزمنية من المفروض أن هذه القضايا ضروري فتحها كملفات كي نستفيد منها في الوقت الراهن، لأنه حاليا الدول المتقدمة عندما تتعقد الأمور أمامها تعود إلى تاريخها، ونحن من بين هذه الدول لما لا يمكن أن نعود إلى قضايا حتى وإن كانت سوداء مخجلة، لكن يبقى تاريخنا نتحمل ما به من قضايا، يبدو لي في تقديري أن الجهات الوصية غير متحمّسة لفتح مثل هاته الملفات، لذلك نحن لا يمكن أن نغامر لفتح هاته الملفات لأننا نعمل تحت إطار الدولة الجزائرية، إذا وجدنا بصيص أمل أو إشارة لفتح هذه الملفات فنحن سنصر على فتح مثل هذه الملفات.
- في اعتقادك هل تمّ إنصاف كل الشّخصيات الوطنية التي خونت في الماضي مثل مصالي الحاج؟
 مسألة التخوين هي من بين الصور السلبية في تاريخنا الراهن، والمصيبة هي أن الذين خونوا هم قامات نضالية من نوع خاص لا نجدها في تاريخ دول أخرى، وهذه الشخصيات استهلكت كل عمرها من أجل القضية الوطنية، هل عندما يختلف شخص مع جماعة أو شخص آخر في موعد إندلاع العمل المسلح يعتبر خائنا؟ هذا غير معقول إذا افترضنا أن ما قيل عن مصالي الحاج صحيح كيف نفسّر أن عشية إندلاع الثورة قدم مبلغ معتبر من المال لكريم بلقاسم في المنطقة الثالثة التاريخية؟ وكيف نفسر بقاء قيادة المنطقة الأولى في إتصال مستمر ودائم مع مصالي؟
 وأيضا كيف نفسر إرسال مصالي الحاج رسالة واضحة سنة 1955 لهيئة الأمم المتحدة يطلب فيها إنصاف الجزائر في موضوع الإستقلال وتدويل القضية الجزائرية، وكذلك فك الحصار الذي ضربته فرنسا على المنطقة الأولى بموجب أحداث 1955؟ ورسالة أخرى يطلب فيها الأمم المتحدة وأمريكا بشكل واضح التدخل لدى فرنسا لإطلاق سراح القادة الخمسة الذين أوقفتهم فرنسا بموجب عملية القرصنة الجوية  بتاريخ 20 أكتوبر 1956، أيعقل أن نخون رجل من هذا النوع؟
مثل هاته القضايا تحتاج لموائد مستديرة وكتابات ومخابر بحث متخصصة، وأن نميز بين التاريخ الرسمي في فترة من الفترات أي بداية تأسيس الدولة الوطنية المستقلة، وبعد أن تشكل لدينا تقليد في الكتابات التاريخية على خلفية ما كتبه الأستاذين أبو القاسم سعد الله وجمال قنان وغيرهم، يمكن أن ننقي تاريخنا من هذه الأوصاف الشنيعة وللدوائر الفرنسية طبعا دور في هذا التخوين.
- مؤخّرا لاحظنا حملة تشويه للأماكن التّاريخية التي أقام بها الأمير عبد القادر خلال نضاله، وتحويلها إلى مقهى أين دور المؤرّخين في الدفاع عن ذلك؟
 هذه مسؤولية النظام السياسي والوزارات الوصية كوزارة الثقافة والتعليم العالي وكذا وزارة المجاهدين وليست مهمة المؤرخ، في إعتقادي أن المؤرخ يبكي دما حين يشاهد أو يسمع أو يقرأ أن مكان إقامة أو قصر لقامة جزائرية سواء كانت نضالية أو فكرية تهدم أو تحول إلى متجر أو مقهى أو مرأب، حتى في السنوات الماضية لاحظنا منزل  المفكر الكبير مالك بن نبي بتبسة كانت تمارس فيه الرذيلة، ولحسن الحظ أن وزارة الثقافة أسرعت وأنقذت الموقف وإتخذت قرار لتحويله إلى متحف بمدينة تبسة.
- مذكرات صدرت خلال السنوات الأخيرة لمجاهدين وشخصيات وطنية، هل يمكن اعتبارها مصادر بحث يعتمد عليها؟
 للأسف الكثير من المذكرات يغلب عليها الطابع الذاتي، إستثناء للبعض قياسا على ما نعرفه من وقائع وأحداث في الفترة التي كتبت فيها المذكرة كمصالي الحاج، أما باقي المجاهدين مذكراتهم عبارة عن إبراز دورهم الأساسي في الجهة التي ناضلوا فيها أو في الجماعة التي كانون يترأسونها أو غيرها، مهما كانت فيها من عيوب هي مهمة بالنسبة لنا للعودة إليها، لكن في أغلب الأحيان لا نعتمد عليها كلية لتناول قضية معينة في تاريخ الجزائر.
- وبالنسبة للمذكرات الفرنسية، هل ينبغي التعامل معها بحذر؟
 بطبيعة الحال الكتابات الفرنسية ينبغي التعامل معها بحذر، لا ننسى أن الكثير من الملفات طي السرية لا يسمح لنا كجزائريين ولا حتى الفرنسيين الإطلاع عليها، هناك كتابات لبعض القادة الفرنسيين الذين كانوا في الجزائر مثال كتابات الجنرال شارل ديغول كنموذج، موريس فيافر كان ضابط المخابرات الفرنسية في الجزائر، كان عن قرب من الأحداث واطلع كثيرا على التقارير ولديه كتاب مهم يتناول فيه كيف كانت مصالح الإستخبارية الفرنسية تلتقط وتمارس التنصت على المكالمات.
 وكتابات أخرى لملنيك الذي كان مستشار لدى الوزير الأول الفرنسي ميشال دوبري، وهي مهمة جدا يعطي صور مهمة خدمتنا، هو عندما يقول: «كنا نعلم أن هناك مكالمات هاتفية تتم بين قيادة الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية وبورقيبة فقمنا بإلحاق المجمع الهاتفي لبورقيبة إلى السفارة الفرنسية»، بمعنى كان هناك تخوف وملاحقة أن الحكومة المؤقتة قد تعرف أدوارا غير الأدوار التي تحددت لها.
بشكل عام ما كتبه الفرنسيون وبعض القادة مهم مثلا ضابط الطيران الفرنسي ميشال فورجي له كتاب «الحرب الباردة وحرب الجزائر»، كان يتناول كيف يطلق القذائف على المنطقة الأولى خاصة في معركة الجرف الأولى والثانية كتابات حتما نتحفظ منها، لكن تارة يصعب علينا التحفظ لأنه عندما نرى كتاب من الكتابات الفرنسية مذيل من خلال أرشيفهم، ننجح في التحفظ عندما نتوفر على أرشيف مضاد مناقض أي أرشيف محلي ونبين بعض السموم.
الكتابات الفرنسية معروفة وأهم ما تكتبه بإستثناء بعض الكتابات الموضوعية، هو تحميل المسؤولية دائما لجيش التحرير الوطني في قضية التعذيب واللاجئين في تونس والمغرب، كما أننا لا نتوفر على أرشيف محلي لنرد على الآخر. المطلوب من السلطات الرسمية الآن توفير الأرشيف سواء المتواجد ببئر خادم أو وزارة الدفاع الوطني أو متحف المجاهد حتى ولو تقوم بتصفيته وإنتقاء الوثائق التي يمكن أن تحول إلى الباحثين.
إذا كانت هناك وثائق مازالت مهمة وتحتاج لتبقى طي السرية مقبول، نحاول أن نفتح أرشيفا خاصا بنا وكيفية النظر لأحداثنا ووقائعنا من ذاتنا، للأسف نحن مجبرين لأن نرى تاريخنا وأنفسنا من ذاتية الأخر وبذلك تكون فيه الكتابة التاريخية منقوصة ومستمدة من توجه وتيار واحد.
- لم نستطع ضبط المصطلحات التّاريخية لثورتنا لماذا؟
 العيب فينا وليس الفرنسيين هم الذين أرّخوا أن ما كان في الجزائر هو حرب، نحن لم نجلس لنحدد هل هي ثورة أم حرب؟ الواقع يقول أنها ثورة مسلحة لكن لم نكتب ونعرف ونحيط بهذا الموضوع، هي بالفعل ثورة مسلحة فكيف تمكن جيش التحرير من إضعاف فرنسا خاصة ما بعد 1957 إلى غاية 1962، ثورة تحريرية كان لديها مشروع للأسف لم يكتمل.
- أصبحنا ندرس التاريخ بطريقة منفرة تجتر الأحداث، في نظركم ما هي الطّريقة المثلى لتلقينه؟
 نحتاج لجهد جماعي، المؤرخ لا يستطيع لوحده أن يكسب رهان معركة الكتابة التاريخية، يجب أن يشترك الكثير من الهيئات من بينها وزارة الثقافة، التعليم العالي، مديرية الأرشيف المركزية والجهوية، وأن يكون توجه عام تتبناه الدولة، المؤرخ لا يجب أن يغرد خارج السرب بل ينبغي التغريد داخل السرب الذي هو التوجه العام للدولة، لأن المؤرخ في نهاية المطاف هو واحد من جنود الدولة الوطنية، نكتب لكي نبرز هذه الدولة ومآثر نضالاتها وقاماتها الفكرية والنضالية، وهذا هو دورنا.
والطريقة المثلى هي فتح نقاش موسع بين جميع الهيئات القريبة والبعيدة من موضوع التاريخ والتراث، وأن ننتقي خيرة أبناء الجامعة الجزائرية (ليس كل من في الجامعة قادر على الكتابة التاريخية)، نوفر لهم الحوافز المادية لأن هذا هو الذي ينقص الباحث الجزائري والباحث يبدع عندما تتوفر الحوافز وينتكس عندما يحرم منها، المؤرخ الجزائري تقريبا الوحيد في العالم الذي يفتقد لأدنى الحوافز.
عندما تتوفر هذه الأمور يستطيع أن يمضي خطوات مهمة في الكتابة التاريخية البناءة التي تثمر في بناء الدولة الوطنية التي تتأسس على العلم والمعرفة والبحث مثلما تقوم به الدول الكبرى، هذه الأخيرة من بين ما أهلها لتكون في واجهة الساحة الدولية أنها تستمع لمخابر البحث والمؤسسات البحثية، ونحن في العالم الثالث نفتقد لمثل هاته الهيئات، وإن وجدت فهي مغيبة وغير مفعلة ولا يعطى لها الدور كما أنها لا تستشار. 

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18188

العدد18188

الجمعة 28 فيفري 2020
العدد18187

العدد18187

الأربعاء 26 فيفري 2020
العدد18186

العدد18186

الثلاثاء 25 فيفري 2020
العدد18185

العدد18185

الإثنين 24 فيفري 2020