أستـاذ العلـوم السياسيـة بجامعة تبسـة، الدكتور أمـين البار لـ «الشعب»:

الاقتصاد الوطني سيعاني من ارتدادات كبيرة على مدار الخمـاسي القــادم

حوار : نور الدين لعراجي

 الأوليغارشية المالية تعتقد لديها نفس طويل، تراهن على الوقت والأبواق
 تفعيل دور الهيئات لمكافحة الفساد لأنها المداخل الجماعية الآمنة للمستقبل
 الميكانيزمات المنتهجة حاليا غير كفيلة ببناء اقتصاد فعّال

في تشخيصه للمشهد السياسي بالجزائر اليوم، إعتبر أستاذ العلوم السياسية  والعلاقات الدولية بجامعة تبسة، أن الوضع الذي يعيشه البلد بالاستثنائي، حينما اختار الشعب الجزائري الشارع الرحب، بديلا للتعبير عن الارادة التي تعيش مخاضا عسيرا، خصوصا وأن الإعلام الدولي اختزلنا في صورة سلبية ترتبط بالإرهاب والهجرة غير الشرعية والاضطرابات الاجتماعية، وقدمنا دائما على أننا شعب بعيد عن التحضر، عصبي ومتجهم وذو نزعة عنيفة، ليكون الرد مغايرا تماما
 فالجزائريون، يقول الدكتور البار في حوار مع «الشعب»، الذين نفيت عنهم صفة المرونة، وقيل أنهم لا يحبون الحياة تصالحوا بشكل مفاجئ مع الفضاء العمومي الذي أعادوا اكتشافه من جديد، الى جانب ذلك تطرق الى عدة قضايا أشار إليها المتحدث .

«الشعب «:  ذكر وزير العدل في آخر خرجة له، ان الجزائر تعيش مرحلة مسبوقة في تاريخها، أبهرت العالم من حيث سلمية الحراك الشعبي، ومن جهة أخرى ما تعلق بمخاطر الفساد. في رأيكم ما خطورة ذلك على الاقتصاد الوطني؟
الدكتور أمين البار:  الجزائر تعيش مرحلة مسبوقة في تاريخها لما تقدمه من دروس جمّة من حيث الدفاع على مقوّمات الأمة وثوابتها وهويتها ووحدتها حيث أصبحت النموذج الذي قدّمه الجزائريون والجزائريات عن أنفسهم منذ تاريخ 22 فيفري، وعلى مدار الأسابيع والشهور التي تلته، صدم العالم إن صحّ القول، لأنه جاء مغايرا تماما لما كان يعتقده الكثيرون، خصوصا وأن الإعلام الدولي اختزلنا في صورة سلبية ترتبط بالإرهاب والهجرة غير الشرعية والاضطرابات الاجتماعية، وقدمنا دائما على أننا شعب بعيد عن التحضر، عصبي ومتجهم و ذو نزعة عنيفة، ليكون الرد مغايرا تماما، فالجزائريون الذين نفيت عنهم صفة المرونة، وقيل أنهم لا يحبون الحياة تصالحوا بشكل مفاجئ مع الفضاء العمومي الذي أعادوا اكتشافه من جديد، واختاروا الشارع الرّحب للتعبير عن إرادتهم رغم أنهم يعيشون مرحلة مخاض عسير، وتعاملوا مع منطق اللّعب على عامل الوقت وعدم الاستجابة لمطالب الشعب هو المُهدِّد الخطير لمستقبل سلمية الحراك بحنكة عالية فتمسك الشعب بشرعيته وسلميته، وهذا هوا الرهان الحقيقي بين الشعب والنظام.
أما بخصوص مخاطر الفساد على الاقتصاد الوطني، أظن ان الفساد بعد الحراك أظهر تهلهلا كبيرا، على الصعيد الاقتصادي وأن البنية الاقتصاديه منعدمة بشكل كبير ولذا أعتقد ان محاربة الفساد أمر محتوم و مطالب به، لكن أرى ان الميكانيزمات المنتهجة حاليا غير كفيلة ببناء اقتصاد فعال مثلا هل تأميم المؤسسات التي آصحابها متوّرطون في قضايا فساد سيخدم الاقتصاد ؟ هل ارجاع الاموال المهربة من طرف هاته العصابه سيكون في مدى قصير بحيث تنعش رأسمال هاته المؤسسات إذا ما وجدنا ان معظم المؤسسات المحجوز عليها كانت في شبه افلاس تام وعليه أظن ان الاقتصاد الوطني سيعاني من ارتدادات كبيرة على مدار الخماسي القادم وفي هذا الشأن فإن جهود العدالة الجزائرية في مجال محاربة الفساد ودفع عملية التنمية قد تؤول إلى الفشل، إن لم تدعم آليات الحكم الراشد و محاربة الفساد.
 تحرّر العدالة والابتعاد عن الانتقائية والانتقامية في محاربة الفساد وإحداث القطيعة مع قاعدة الإفلات من العقاب

- هل تعتبر محاربة الفساد مسؤولية العدالة وحدها؟
 أعتقد أن مسؤولية محاربة ومكافحة الفساد على عاتق الجميع ولا تقتصر على العدالة وحدها فهي مسؤولية أخلاقية بدرجة أولى، حيث ترتبط التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبشرية لأي مجتمع ودولة بتوفر مناخ يخلو من الفساد والمفسدين، ولترسيخ قيم العدالة وثقافة المسؤولية الجنائية والمساءلة والمحاسبة ودولة القانون  لابد من ارساء دعائم وآليات قوية لمحاربة الفساد، أهمها تحرر العدالة والابتعاد عن الانتقائية والانتقامية في محاربة الفساد وإحداث القطيعة مع قاعدة الإفلات من العقاب، وطيّ مرحلة الماضي بكلّ انتهاكاتها بربط المسؤولية بالمساءلة والمحاسبة، فيتوزّع الخوفُ على الجميع، ويجب تفعيل دور الهيئات الوطنية لمكافحة الفساد، وهي من المداخل الجماعية الآمنة للمستقبل.
- يشكك كثير في عدم إمكانية العدالة من استرجاع الأموال المنهوبة من الخزينة العمومية والبنوك، سواء التحويلات أو العقارات المنقولة التي أسست بها العصابة أوليغارشية مالية؟
ان الملاحظ لحجم الاموال المنهوبة في كل صيغها المتعددة من التحويلات والعقارات المنقولة يجد أن العصابة أسست لنفسها مناخ فساد من درجة أولى وتحت حماية عالية وبتخطيط ممنهج يبعدهم عن المحاسبة والمساءلة، وذلك بكبح جهاز العدالة وتعطيله وإلحاقه بأحد المؤسسات الشكلية في الفترة السابقة، لأن الأصوات التي تعالت حول ملفات الفساد وتنادي بتطبيق العدالة الانتقالية، عندما يتحرّك القضاء تحت ضغط الحراك الشّعبي وفي ظلّ المرحلة الانتقالية، التي تخضع إلى ميزان القوّة الجديد، بين قوّة صاعدةٍ ولكنها غير متمكّنة، وقوّة راحلةٍ ولكنّها غير مستسلِمة فالعصابة الأوليغارشية تعتقد أن مازال لديها نفس طويل وتراهن على الوقت وعلى بعض أبواقها وفلولها في الدولة العميقة لأن الاموال المنهوبة من الخزينة هائلة وعظيمة ومن الصعب جدا استرجاعها في الوقت القريب وأعتقد أن الدولة ستواصل مسار مكافحة الفساد بكل صرامة، ونجاعة المتابعات القضائية تكمن في استرجاع الأموال المنهوبة.
- دعت منظمة الأمم المتحدة الى مكافحة ظاهرة الفساد، باعتبارها ليست محصورة داخل الدولة ككيان، بل لها امتدادات عابرة للحدود، هل يمكن في رأيكم كأستاذ في العلاقات الدولية تفعيل الاتفاقيات الدولية فيما يتعلق بتجميد الأرصدة وحجز الأملاك واسترجاع الأموال المنهوبة؟
 يشكل الفساد عقبة خطيرة لسيادة القانون والتنمية المستدامة، وفي إعلان الاجتماع الرفيع المستوى المعني بسيادة القانون، أقرّت الدول الأعضاء بأن للفساد أثرا سلبيا يعوق النمو والتنمية في المجال الاقتصادي، ويزعزع ثقة المجتمع ويقوّض الشرعية والشفافية ويحول دون سن قوانين عادلة وفعّالة، فضلا عن إدارتها وإنفاذها والاستناد إليها في إصدار الأحكام القضائية (الفقرة 25). وأكدت أيضا أهمية سيادة القانون باعتبارها  أساسيا في التصّدي للفساد ومنعه.
 اعتمدت الجمعية العامة اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد بالقرار 58/4 في عام 2003 ودخلت حيز النفاذ في كانون الأول/ ديسمبر 2005. وتمثل اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد أول صّك ملزم قانونا لمكافحة الفساد. وتقدم الاتفاقية مجموعة شاملة من المعايير، والتدابير والقواعد التي ينبغي أن تطبقها جميع الدول الأطراف في الاتفاقية لتعزيز نظمها القانونية والتنظيمية لمكافحة الفساد. وتقدم الأمم المتحدة المساعدة للدول الأعضاء في تنفيذ الاتفاقية وأيضا في تعزيز القدرات لمنع الفساد، واكتشافه والتحقيق فيه، ولتنفيذ برامج لتعزيز الشفافية، والنزاهة والمساءلة في مؤسسات العدالة الجنائية وسيادة القانون. وأعتقد أن الجزائر كعضو في المنظمة وباعتبارها أشهرت سيف محاربة ومكافحة الفساد وماضية قدما نحو استرجاع الاموال المنهوبة وكذا تجميد الأرصدة وحجز الاملاك، مستندة في ذلك على عودة العدالة الجزائرية كجهاز قوي بعد تحرره من القوى الظلامية وغير الدستورية بفضل الحراك الشعبي، وستسعى الجزائر بكل قوة لتحقيق ذلك، ومانراه من اعتقالات لأبرز رؤوس النظام السياسي السابق، وكذا مسؤولين ورجال أعمال وكذا شخصيات عسكرية تسببوا في ملفات فساد ثقيلة خير مثال، هذا على مستوى الداخل أما خارجيا يمكن للجزائر أن تقوم بتجميد الأرصدة وحجز الاملاك واسترجاع الاموال المنهوبة، وذلك بتفعيل الاتفاقيات الدولية وكذا من خلال برنامج الامم المتحدة الانمائي (مكافحة الفساد)، رغم أن الاجراءات التي تمكننا من ذلك معقدة للغاية وتتطلب وقتا كبيرا، لكن أظن إن الحل ليس بيد العدالة، بل بيد الارادة السياسية للدولة التي يجب أن تمثلها شخصيات نافذة ولها علاقات على المستوى الدولي، ولحد الساعة الدولة الوحيدة التي أبدت نيتها في ارجاع تلك الأموال هي كندا.
- تبّني الحوار يعدّ السبيل الأمثل لتقريب وجهات النظر والوصول بالبلاد إلى بـرّ الأمان، ماهي وسائل نجاحه؟
 لابد من وضع أرضية وخارطة طريق للحوار المؤسّس والبنّاء لتقريب وجهات النظر والرؤى المختلفة من أجل مصلحة الوطن وجعل مصلحة البلاد واستقرارها فوق كل اعتبار ولنجاح هذا الحوار وتثمينه وتفعيله لابد من تدعيمه بآليات ووسائل أهمها:
-  وجود تصور واضح لحل الأزمة.
- تجاوب من قبل كل أطراف الحوار بما فيها السلطة التي يجب عليها اتخاذ إجراءات تهدئة
- عدم الانتقائية في العدالة
- توحيد الصفوف لإيجاد حلول للمرحلة القادمة
- انتهاج سياسة التنازلات في سبيل بناء حقيقي لمسار ديمقراطي.
- اشراك جميع أطياف المجتمع دون استثناء لبناء خارطة طريق تكون الأولوية فيها لإقامة انتخابات رئاسية
- ربط الجسور بين كل المساعي والمبادرات والمقترحات للخروج بالبلاد إلى بر الأمان.
- وصفت القيادة العليا للجيش الأقليات الرافضة للمبادرات المقدمة على أنها مرتبطة بالعصابة، من خلال رفعها لشعارات مغرضة ونداءات مشبوهة تقلل من أهمية ما تحقق من انجازات سواء على المستويين القضائي أو السياسي، ماهي غايات هذه الأطراف؟
 لابد من الفصل بين الأقليات الرافضة للمبادرات المقدمة وبين سقف طموحات الاغلبية أعتقد أن غايات بعض الاطراف أو الثلة واضحة فهي مدفوعة من جهات مغرضة ولها مخطط تسعى لتطبيقه تدافع عن مسألة وجودها فهي امتداد للعصابة وتضييق الخناق عنها من خلال تورط ابرز المسؤولين في قضايا تمس أمن الدولة واقتصادها وبالتالي نهايتها محتومة وخروجها من معادلة مستقبل الجزائر أي مرحلة بناء الجزائر الديمقراطية الجديدة لا دور لها ولا وجود أساسا.
أما الاطراف الاخرى التي ترى وترفض المبادرات المقدمة وتنظر في الانجازات المحققة سواء على المستويين القضائي أو السياسي غير كافية ولا ترتقي لطموحات وآمال كل الشعب، حيث يرون لا يمكن استكمال الانتقال الديمقراطي وترسيخ قيم الديمقراطية إلا بتفعيل القاعدة الاساسية في الحكم وهي الشعب مصدر السلطة ولا يتجسد ذلك إلا برحيل كل الرموز التي تحسب على النظام السابق حيث يعتقد هذا الطرف أن المؤسسة العسكرية مقيّدة بحكم الدستور بمهام أمنية لذا وجب عليها عدم التدخل في الشؤون السياسية وأن التجارب أثبتت لنا أن حكم العسكر لم يبن ديمقراطيات ومصر خير دليل .

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18121

العدد18121

الثلاثاء 10 ديسمبر 2019
العدد18120

العدد18120

الإثنين 09 ديسمبر 2019
العدد18119

العدد18119

الأحد 08 ديسمبر 2019
العدد18118

العدد18118

السبت 07 ديسمبر 2019