أستاذة الاقتصاد السياسي بالمدرسة العليا للعلوم السياسية، أ - سهيلة برحو:

الأموال المهرّبة حوّلت بحماية أطراف خارجية لا تتحرّى عن مصادرها

حاورها: نور الدين لعراجي

  الإطار الدّستــوري الأضمن لسلامـة البــلاد والمــــواطنين من كل خطر
  مطالب الحراك واكبتها وعود المؤسّسة العسكرية بصفة تدريجية وممنهجة
  إطالــة عمر الحـراك للرّفع من سقف المطالب والابتـزاز السيـــاسـي

صرّحت الباحثة سهيلة برحو، أستاذة العلوم السياسية بالمدرسة العليا للعلوم السياسية والعلاقات الدولية، جامعة الجزائر، بأنه من باب التعود على احترام القانون لتحقيق أحد المطالب الرئيسية للحراك، والمتمثلة في بناء دولة الحق التي لا يجب أن تخرج عن هذا الاطار وهو الدستور، وهو الامر الذي تحرص عليه من جهة اخرى مؤسسة الجيش بوصفها حامية الدستور، وحريصة على احترامه، وتضيف في هذا الحديث الذي أجرته مع «الشعب»، الى ان هناك من يريد أن يطيل عمر الحراك من خلال زيادة حجم المطالب لممارسة شيء من الابتزاز السياسي، وهناك من يريد أن يربح الوقت للتموقع السياسي خصوصا بعض الأحزاب الفاقدة للمصداقية، وهناك من يريد أن تمر البلاد الى مرحلة جديدة عن طريق الانتخابات، كما تطرقت الاستاذة برحو الى العديد من القضايا في هذا الحوار.

 
^ الشعب: التّمسّك بالإطار الدستوري هو الضمان الأساس للحفاظ على كيان الدولة ومؤسساتها، كيف تقرأون هذا التّمسّك؟
^^ الأستاذة برحو سهيلة: منذ بداية الحراك، أوضحت المؤسسة العسكرية مساندة المطالب الشعب مع احترام معيار قار، كان ومازال الاطار الدستوري، كونه الأضمن لسلامة البلاد والمواطنين، وهو ايضا من باب التعود على احترام القانون لتحقيق أحد المطالب الرئيسية للحراك، والمتمثلة في بناء دولة الحق التي لا يجب أن تخرج عن هذا الاطار وهو الدستور، أقل شيء يجب الاعتراف به، أن هذا التمسك الذي تخوف منه الكثير وشكك فيه أيضا، واكب تحقيق كل وعود المؤسسة العسكرية بصفة تدريجية وممنهجة.

- لماذا تدعو القيادة العليا للجيش إلى تنظيم الانتخابات الرئاسية، كأولوية قصوى في مسار الحوار الوطني، فيما ترفع بعض الاصوات شعارات المجلس الانتقالي أو التأسيسي على حد قولهم؟
 إن تعدد زوايا الرؤى يؤدي الى اختلاف المطالب، ومع التمعن في المشهد نرى أن لكل طرف دور وغاية، هناك من يريد أن يطيل عمر الحراك من خلال زيادة حجم المطالب لممارسة شيء من الابتزاز السياسي، وهناك من يريد أن يربح الوقت للتموقع السياسي خصوصا بعض الأحزاب الفاقدة للمصداقية، وهناك من يريد أن تمر البلاد الى مرحلة جديدة عن طريق الانتخابات، لأن الديمقراطية المنشودة في الحراك معبرها الصندوق.
إن الهيئة العليا لمراقبة وتنظيم الانتخابات كما طرحت، ستكون من اختيار الشعب وستكون لها مسؤولية ادارة العملية برمّتها دون تدخل أي جهة من الادارة الحالية، وهي استجابة أخرى لمطالب كل جمعة، لذا مشاركة المواطنين في اختيار عناصر هذه الهيئة يضعهم أمام مسؤولية تاريخية  لضمان الشفافية ومشاركتهم الحقيقية في بناء دولة الديمقراطية.

- دعت القيادة العليا للجيش وسائل الإعلام الوطنية إلى عدم الوقوع في مغالطات أعداء الوطن، إلى أي مدى يمكن أن تؤثّر هذه الوسائل في تغيير مسار العمل بالإطار الدستوري؟
 المواطن الجزائري كأي شخص آخر من العالم، دخل العولمة عبر منابر التواصل التي تستعمل المعلومة لمعرفة الحقيقة، لكن مصداقيتها هي الاشكال، وذلك حسب المصدر و الهدف من تمرير المعلومة و من الجهة التي تقف وراء المصدر (خارجية ام داخلية)، لذا يجب أن تحاصر هذه المصادر لأن تأثيرها سريع وخطير على استقرار البلاد. وهناك مشكل جدية آخر، هو جهل عامة الناس بالشؤون القانونية التي تنظم حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والمدنية، وذلك ما يسهل على آخرين زرع أفكار التخوين وأبطال المبادرات الايجابية التي تطمح لصياغة مشروع مجتمع.

- بعض الأطراف يزعجها أمن الجزائر وحتى استقرارها، ما يجعلها عرضة للطّامعين والمغامرين، وتملك القيادة العليا للجيش معلومات مؤكّدة حول مخطّطات معادية، سبق وأن حذّرت منها ومن مخاطرها وتهديداتها، ما هي الطريقة التي ترينها كفيلة بفضح هذه السيناريوهات وكشف أصحابها؟ وهل الظرف الراهن مناسب لذلك؟
 بالفعل تنزعج بعض الأطراف من أمن الجزائر واستقرارها في منطقة تعج بشتى التهديدات، ونرى ذلك جليا من خلال بعض وسائل الاعلام  الأجنبية، ومرد الانزعاج أو بالأحرى التخوف أن تصبح الجزائر نموذجا لادارة أزمة من هذا الحجم والعمق، وبهذه الطريقة السلمية في المنطقة العربية التي عرفت بعض دولها تحولات بطرق عنيفة ولم تجد مخرجا رغم مختلف المساعي لحل أزماتها، ويعكس نجاح مرافقة الحراك الشعبي إلمام المؤسسة العسكرية بتفاصيل دقيقة ومعلومات عن تركيبة الحراك وزوايا اختراقه منذ بدايته. ولقد مكّن التواصل المنتظم للمؤسسة العسكرية عبر خطابات قائد الأركان من فضح أخطر المكائد للبلاد، وجاء ذلك تدريجيا حتى تمكن المواطن من فهم ما كان يحاك ضد مصلحة الجزائريين في الخفاء ومع أطراف خارجية. إن هذا التواصل يجب يستمر حتى يطمئن الجزائريون خصوصا وأن فكرة التكتم المطلق لمؤسسة العسكرية انزاحت من ذهن المواطن، وفهم أن الجيش مع الشعب وليس ضد الشعب كما يريد كثيرون الترويج له.  

- تبنّي الحوار يعد السّبيل الأمثل لتقريب وجهات النظر والوصول بالبلاد إلى بـرّ الأمان، ما هي وسائل نجاحه في نظركم؟
 كان وسيظل الحوار وسيلة حل لأي أزمة عميقة وذلك عبر اختيار عناصر مؤهلة، مقبولة وموثوق منها، لأن العكس يطيل من عمر الأزمة  وسيؤول لتحقيق مطالب الأطراف التي لا تهمها مصلحة الجزائر. ان الحوار يبنى على أساس استماع وجهات النظر ومحاولة تقريبها بحكمة وسلاسة لا على الغوغاء والانتهازية أو الانفراد بالرأي أو الحل. يستوجب الحوار بعض من التنازلات، لأن اعادة البناء لن يتحقق في اشهر حتى اذا كان مشروعا فهو يتطلب وقتا وصبرا وتضامنا.

- الأقليات الرافضة للمبادرات المقدمة يصفها الجيش على انها مرتبطة بالعصابة، من خلال رفعها لشعارات مغرضة ونداءات مشبوهة تقلل من اهمية ما تحقق من إنجازات سواء على المستويين القضائي او السياسي، ما هي غايات هذه الأطراف؟
 لقد رأينا في وقت قصير بروز عناصر شابة لها رؤى تنبئ بالخير للبلاد، ومبادرات جادة اخرى لحل الأزمة الحالية، وفي المقابل رأينا ترسخا لعناصر موالية لرموز الفساد من خلال محاولة احباط المبادرات الايجابية  ومحاربتها بشتى الوسائل خاصة الالكترونية منها، وكذا اثناء الحراك عن طريق شعارات استفزازية منها ما يتنافى حتى مع قيم الشعب الجزائري، ومنهم من تمادى في التشكيك في كل ما قامت به العدالة في وقت قليل  للتقليل من حجم تجاوب السلطة مع مطالب الحراك، وأطرافا أخرى نفت وجود الدولة من الأساس. لكن الحقيقة أن هذه الأطراف هي من تريد زوال الدولة لصالح أجندات أجنبية تسببت سابقا في خراب دول منذ فترة قريبة.

- قدّم زغماتي عرضا بالنسبة لاسترجاع الأموال عن طريق تعميق التحقيقات الاولية من أجل كشف الجناة وحصر عائداتهم الاجرامية،  وتحديد أماكن تواجدها وإحصائها، وذلك قصد حجزها أو تجميدها ريثما تعرض على الجهات القضائية، ما تعليقكم؟
يأتي هذا التصريح ليجيب عن تساؤلات ومطالب مشروعة من جهة، وردة فعل لجهات تشكك في امكانية استرداد الاموال المحولة الى البنوك الأجنبية من جهة اخرى، هذه الجهات التي شككت في عمل جهاز القضاء و التي لم تثمن عمله حتى من باب الموضوعية، أما عن عملية استرجاع الأموال المحولة الى الخارج، فالأمر يتطلب وقتا وذلك لاختلاف القوانين والاتفاقيات واستعداد هذه الدول، وحتى الظروف الاقتصادية لبعضها ومستوى الحكامة فيها.

- ذكر وزير العدل حافظ الأختام، زغماتي، بأنّ استرجاع العائدات الاجرامية من الاموال المنهوبة، يشكّل حجرة الزاوية في الوقت الراهن على المستوى الوطني والدولي، ما هي القراءة الاستشرافية على المدى القصير لذلك؟
 إنّ علّة اقتصاد الجزائر منذ فترات سابقة هو الفساد السياسي والمالي المهيكلين، ولقد أثبت التحقيقات الأخيرة أن معظم الأموال الخيالية المنهوبة تحولت الى الخارج بحماية أطراف خارجية لا تتحرى عن مصادرها، وإلا كيف نجح هؤلاء في استثمارها في الخارج بهذه السهولة، اقتصادنا في أمس الحاجة لموارد مالية في الوقت الراهن، لذا يجب الاسراع في استرجاع ما يمكن استرجاعه قانونيا، ومن جهة أخرى على الأطراف  الخارجية المتورطة في تحويل الأموال أن تجد سبيلا لتجسيد برامج استثمارية سريعة كتعويض مسبق غاية يتم استرجاع الأموال الأخرى.

- يعتقد البعض أنّه لا جدوى من سجن رموز الفساد من العصابة، وكان على العدالة استرجاع الاموال بالطرق السلسة التوافقية، مقدّمين ما حدث في السعودية وتركيا كنموذج، هل يمكن للتجربة ذاتها ان تكون في الجزائر؟
 لكل أزمة أسبابها وخصوصيتها، أزمة الفساد في الجزائر موروث استعماري، ولقد لازم بعض رموز الفساد علاقتهم مع أطراف أجنبية  ضمنت مصالحهم لفترة طويلة، وضربت مصالح البلاد من خلال افشال عدة مشاريع تنموية وتسويق نظريات خاطئة ضد مصلحة الاقتصاد الوطني.
ويعتبر ايداع بعض رموز الفساد الحبس خطوة جبارة نحو ارساء دولة القانون، والذي يعد من مطالب الحراك الأولى.
إن أزمة الجزائر متعدّدة الجوانب ومتشعّبة المخاطر، من المؤكد أن انعكاسات كل الأزمات متشابهة، لكن الحلول مختلفة لاختلاف الفواعل والرهانات والمخاطر والمصالح، والتنظير وإسقاط تجارب الدول الأخرى يأتي في نفس سياق التطبيل للمراحل الانتقالية الطويلة والمجهولة العواقب. 

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18121

العدد18121

الثلاثاء 10 ديسمبر 2019
العدد18120

العدد18120

الإثنين 09 ديسمبر 2019
العدد18119

العدد18119

الأحد 08 ديسمبر 2019
العدد18118

العدد18118

السبت 07 ديسمبر 2019