عندما رفـض الرّئيس الجزائـري أداء العمـرة

الدكتور محيي الدين عميمور

 منذ عدّة أيام طلع علينا في فضائية جزائرية خاصّة بدرٌ مُعتم، تحت لافتة دكترة إسلامية صُنعت بين فرنسا والجزائر، ليتجشّأ مجموعة من الأفكار والآراء والمعلومات.

والدكتور، الذي قدّمته لنا الفضائية كداعية إسلامي، هو رجل جهوري الصوت طويل القامة، بدا وهو ملتفّ بعباءته في صورة ذكّرتني ببيت شعري طريف أطلقه الشيخ البشير الإبراهيمي على إمام اعتلى منبر الخطابة، يقول شطره الأول: كأنه حين بدا للناس...(كذا) لُفّ في قرطاس
ولا أستطيع أن أحاسب الرّجل على آرائه وأفكاره، فهي، كأيّ آراء وأفكار، لها ما لها وعليها ما عليها، لكنّني أتوقّف لحظات عند بعض المعلومات التي أفاد بها المشاهدين، والتي كانت تجسيدا لما يسميه رجال القانون: الكذب بالحذف.
والكذب بالحذف هو إخفاء معطيات معيّنة خلال الإدلاء بشهادة ما، والنتيجة هي صورة الحقيقة خدمة لهدف معين يرمي له الشّاهد، وهو تشويه صورة شخص أو حدث أو قضية.
والقضية التي أشار لها “الدكطور” لم تحدث أمس أو أول أمس، بحيث يمكن أن يكون بعض جوانبها سرّا لم يطّلع عليه أحد، ولكنّها حدثت منذ أكثر من ثلاثين سنة، وتناولتها شخصيا أكثر من مرة في بعض مداخلاتي وكتاباتي.
قال الدكتور في استعراضه لمسيرة الرئيس هواري بو مدين أنّ الرئيس رفض، خلال زيارة قام بها إلى المملكة العربية السعودية، أداء العمرة، وكانت هذه المعلومة أمرا صدم به شباب كثيرون كانوا يرون في الرئيس الجزائري الرّاحل صورة ابن الكتانية والأزهر، المتمسّك بتعاليم دينه الحريص على أداء فرائضه وسننه ونوافله.
ولقد حدث الأمر فعلا وكنت من شهوده، لكن الحقيقة هنا كانت مبتورة، وهو ما جعلني أخطّ هذه السّطور احتراما للأمانة التاريخية ووفاء لرجل كان غيابه ثلمة في صف الدعوة الإسلامية الواعية، خصوصا وقد كان له دوره الرّائع في فبراير 1974، عندما أقنع الملك فيصل بن عبد العزيز بدعم الرئيس على ذو الفقار بهوتو لبناء المشروع النووي الباكستاني.
جرت زيارة الوفد الجزائري للسعودية في صيف 1978، وكانت الجزائر تعاني من تذبذب أسعار النفط الذي تعتمد عليه في تمويل تنميتها الوطنية وضمان حد معقول من الرفاهية الاجتماعية للشعب الجزائري، وكان معروفا أنّ إغراق السوق العالمية بالنفط سيؤدي إلى انخفاض أسعاره، وبالتالي إلى نقص الدخل الجزائري بشكل محسوس، قد يؤدي إلى تعطل بعض المشاريع المخصّصة للنمو الاقتصادي.
وقرّر الرئيس يومها أن يلتقي بالقيادة السعودية ليحاول إقناع أكبر الدول العربية المصدرة للنفط بتفادي زيادة الإنتاج بما يؤثّر على الدول ذات الإنتاج المحدود.
وحطّت بنا الطائرة في جدة، وتفضّل الاخوة السعوديين مشكورين، وكعادتهم في استقبال الوفود الرئاسية، بإعداد أسطول من السيارات ليحمل الوفد من جدة إلى مكة، على بعد أقل من 90 كيلومترا.
كنت أتابع رتل السيارات التي تتجمع في ساحة القصر الملكي عندما لمحت مولود حمروش، وكان يومها مديرا للتشريفات الرئاسية، فسألته عن لحظة المغادرة نحو مكة، خصوصا ولم نكن قد أحرمنا بعد.

وأجابني مولود بأنّ زيارة مكة غير مطروحة، وأضاف قائلا في نرفزة لم أعهدها منه: «أمامك الرئيس فناقشه في الأمر».
وبالفعل دخلت على الرئيس الذي كان يقرأ تقريرا من عدة صفحات، ووقفت أمامه حتى رفع رأسه ليسألني بهدوئه المعتاد: «ماذا وراءك ؟»،
وقلت له ما سمعته من مولود، فوضع الأوراق جانبا وأجابني بغضب: «أنا جئتُ هنا لأطرح أمرا سياسيا ولم آت حاجّا ولا معتمرا، جئت لأعمل سياسة، ولو كان الأمر غير ذلك، كما تعرف، لأحرمنا في الطائرة».
ويواصل الرئيس غضبه قائلا، وكأنّه أراد أن أبلّغ بقية الوفد بردّة فعله: «من يريد الحج أو العمرة يقوم بها من ماله الخاص ولا يستجديها من أحد، أو ينتظر أن يتكرّم بها عليه أحد أيّا كان».
وتخيّلتُ أنّ الرئيس أحسّ بأنّ قبوله أداء العمرة سوف يكون إضعافا لموقفه أمام السّلطات السعودية التي جاء يطالبها بما قد لا ترضى عنه، وتأكّد لي هذا عندما استقبلنا العاهل السعودي الملك خالد بن عبد العزيز في اليوم التالي.
جلس الرئيس على يمين الملك في قاعة الاستقبال الكبرى بقصر السلام في جدة، وجلسنا نحن حولهما، وأدار الرئيس بصره في أعضاء الوفد السعودي الموجود في القاعة، ووقعت عيناه على الشيخ زكي اليماني وزير البترول السعودي.
كنتُ أتابع نظرات الرئيس، وعادت بي الذاكرة فورا إلى منتصف السبعينيات، عندما اختطف كارلوس وزراء النفط من اجتماعهم في فيينا، وقيل يومها أنّ هدفه الرئيسي كان اغتيال الشيخ اليماني وربما آخرين من وزراء البترول.
وتدخّلت الجزائر يومها، وعرض عبد السلام بلعيد على كارلوس أن يحتفظ به كرهينة بدلا من بقية الوزراء وفي مقدمتهم اليماني، وطالت المفاوضات على متن الطائرة التي كانت قد حطّت في مطار الجزائر الدولي، وأدار المفاوضات من الجانب الجزائري آنذاك وزير الخارجية عبد العزيز بو تفليقة، وانتهت الأمور بفدية مالية لا أذكر قدرها، دفعتها السعودية.
تعلّقتْ عينا الملك خالد وبقية الحاضرين بشفتي  الرئيس بو مدين، الذي حدّق للحظات في وجه الشيخ اليماني ثم قال وعلى شفته ابتسامة حارَ كثيرون في فهم معناها: «يا شيخ زكي، ألم يكن أحسن لنا أن نترك كارلوس يريحنا منك؟»،
ويجيب الشيخ اليماني على الفور: «ما كان يفرق يا فخامة الرئيس».
وفهمنا جميعا، والرئيس في المقدمة طبعا، ما أراد وزير البترول السعودي قوله.
وحقيقي أنّنا غادرنا المملكة العربية السعودية وكلّنا أسى لأنّنا لم نتمتّع بالعمرة، لكنّني أستطيع القول بأنّ أكثرنا شعورا بالأسى كان الرئيس بومدين نفسه، والذي حرمه التمسك بمنطق الدولة من القيام بأمر كان دائما يحلم به، ومات بدون أن يظفر به.
ولعل هذا هو ما جعلني أشعر بالغضب بل وبالقرف ممّن يعطي لنفسه لقب الداعية الإسلامي، ويتقوّل على رجال ضحّوا بكل ما يحبّون خدمة لوطنهم ولأمّتهم، في حين لم يعرف للدّاعية أنّه قام بعمل واحد يمكن أن يسجّل في قائمة حسناته الوطنية.


آخر الكلام
الأقاويل والتقوّلات التي حاولت أن تنال من الرّئيس الراحل كثيرة، ومعظمها خرج إلى الوجود بعد أن انتقل الرئيس إلى دار البقاء وأصبحت عظامه مكاحل، كما يقول إخواننا المشارقة.
والغريب أنّ معظم ما يقال لا يصمد أمام تفكير سريع لا يحتاج عمقا ولا تقليبا للأمر على جوانبه، لأنّ الحقيقة يمكن أن تبرز من النّظرة الخاطفة.
ولعلّ من بين الادّعاءات التي حاولت النيل من الرئيس بو مدين تلك التي اتّهمته بالمسؤولية عن اغتيال القائد الجزائري المتميز كريم بلقاسم.
كان كريم، أو أسد الجبال كما كان يُسمّى، في طليعة القيادات الجزائرية التي رفعت السّلاح ضد المحتل الفرنسي، وتعود بداية كفاحه إلى الأربعينيات، أي قبل انطلاق ثورة نوفمبر، عندما أصبحت صورة كريم ضمن الوجوه القيادية الستة رمزا من رموز ثورتنا التحريرية.
وكانت مسيرته الجهادية في الولاية الثالثة أولا ثم في إطار لجنة التنسيق والتنفيذ، وأخيرا من خلال ثلاثي الباء (Les 3 B) أسطورة خالدة من أساطير الكفاح المسلح، اختتمها بدوره المحوري في محادثات إيفيان إلى جانب سعد دحلب وبقية أعضاء الوفد المفاوض، الذي لم يصافح أعضاء الوفد الفرنسي إلا بعد أن تمّ الاتفاق على كل شيء، وكان بذلك قدوة لوفود مفاوضة كثيرة، في ظروف متعددة ومتباينة.
ولن أدخل في تفاصيل الاختلاف بين كريم ونظام الحكم الذي ترأّسه الرئيس أحمد بن بلة بعد استرجاع الاستقلال، والذي يرتبط بالمشاكل التي عرفها مؤتمر طرابلس والصراع بين الحكومة المؤقتة وقيادة أركان جيش التحرير الوطني، فالمجال لا يتّسع هنا لكل ذلك.
أكتفي بالتذكير أنّ الأسد الجزائري لقي مصرعه في ألمانيا خنقا يوم 18 أكتوبر 1970، ولم تتمكّن السلطات الألمانية من تحديد الفاعل، وكان ذلك فرصة لمعارضي نظام الحكم في الجزائر لاتّهام النظام بالجريمة، وتمّ توزيع المسؤولية بكرم زائد بين الرئيس بو مدين والعقيد قاصدي مرباح.
وأنا ممّن يرون أنّ تحديد المسؤول عن الجريمة هو أمر ضروري بعد اختفاء الجيل الذي ارتبط بالحدث بشكل مباشر أو غير مباشر، وهو ما لم يكن أمرا متاحا ولا ممكنا، والقضية ما زالت حيّة في الوجدان ودماء الضحايا لم تكن جفّت بعد، وهو نفس ما يجب أن يتم بالنسبة لمصرع محمد خيضر قبل ذلك في 4 يناير 1967، بل وكل الحالات التي لقي فيها مجاهدون جزائريون المنية بغير سلاح العدو.
لكن استغلال الأمر كورقة في يد من يقدّمون أنفسهم كمعارضين للنظام، أو من يريدون لها أن تكون تجارة (fond de commerce) بدون رأسمال في جرائم القتل تبدو ضرورة قاعدتها وضع كل الاحتمالات على مائدة البحث، ويجب أن تتطرّق إلى علاقات الضحية عبر تاريخه الطويل، وتحديد المستفيد من الجريمة، وهو أمر أساسي في حالة كريم على وجه التحديد.
واتّهام نظام الحكم واحد من الاحتمالات، ولكنه، في تصورّي، ليس أولها، خصوصا وأنّ اغتيال الزعيم الراحل خنقا، وليس بالرصاص أو السم أو افتعال حوادث المرور، ممّا يعود بالذاكرة إلى إعدام عبان رمضان أيضا بطريقة الخنق، وهو ما يطرح احتمال الانتقام العائلي.
وهذا أمر في حدّ ذاته يطرح احتمالا مماثلا عندما نتذكّر أنّ كريم هو الذي أنقذ الثورة في منطقة القبائل عندما قامّ بإعدام بناي والي، زعيم المصاليّين.
وفي كل هذا يجب أن نتّقي الله في زعمائنا وشخصياتنا الوطنية.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17797

العدد 17797

الجمعة 16 نوفمبر 2018
العدد 17796

العدد 17796

الأربعاء 14 نوفمبر 2018
العدد 17795

العدد 17795

الثلاثاء 13 نوفمبر 2018
العدد 17794

العدد 17794

الإثنين 12 نوفمبر 2018