الشاعر الكبير بلقاسم خمار في حوار صريح مع”الشعب”

محمد العيد تنبأ للثورة وكتب عن الأوراس والشلعلع بأنها ستؤجج لها

حوار: سميرة لخذاري/ نور الدين لعراجي

وأخيرا تمكنا من الجلوس ومحادثة مثقف  لا يعرف الصمت ولا يتنازل أمام أعاصير المحنة، أرضعته أمه حليب العزة والكبرياء، طالت مسيرتنا ونحن نبحث عن سبيل للوصول إلى «نفثات شاعر..يحترق» أحب وطنه إلى النخاع ، وتساءل عن حالة الشاعر الذي لا يكتب لأكثر من 30 مليون من أهله ثم قد لا يستمع لصوته أكثر من 13، كرقم مشؤوم من إفراد عائلته المجبرين على سماعه، أو من أصدقائه المجاملين ولو كانوا لا يتذوقون الشعر.هذا هو الشاعر الكبير بلقاسم خمار الذي جمعتنا به جلسة على مائدة شاي بسكري وحلويات عاصمية، وكلمات تزيدك عطشا كلما سمعت عددا منها، تزيدك شوقا للغوص في عالم شعري خدم ثورته التحريرية وأيقظ النفوس لتنتصر او تستشهد فداء لوطنها، كلمات انبعثت ابن بار لوطنه تجرع مرارة الغربة وهوية الاغتراب وبقي وفيا لرمضان بلده رغم التهديدات في العشرية السوداء.لا تسعنا الكلمات أن نوفي بلقاسم خمار حقه، إلا إن ندعوكم لقراءة الحديث فوق وبين السطور، هذا الحوار المنتقل إليكم من فم  إنسان أحب وطنه كثيرا، ويتحدث عن ثورتنا المجيدة بحماس كبير، إلا أن كبر سنه «82 سنة»ومرضه اضطرنا إلى توقيف التسجيل رأفة به، وهو الذي لم يرد التوقف عن الكلام عن بلده، وحسرته على ما آلت إليه الثقافة بكل ميادينها، لم يرد خروجنا من منزله ليطلب منا العودة إليه والإكثار من زيارة شاعر كبير قل من يلتفت إليه..

الشعب: نبدأ معكم الحديث بدور النخبة والمثقفين في الثورة التحريرية التي نعيش ذكراها ال 59 ، فكل الثورات قادتها النخبة، هى كانت هذه الصفة متوفرة في الجزائر؟ وأين موقع الكتاب منها؟
بلقاسم خمار: كل الشعراء الذين شاركوا وكتبوا عن الثورة التحريرية هم كانوا مبشرين  بها، الشيخ محمد العيد يقولون انه تنبأ بالثورة، لأنه ذكر جبال الشلعلع وجبال الاوراس في شعره، وذكرها على أساس أنها ستؤجج للثورة، فالقارئ لشعره يلمح تنبؤه لقيام ثورة في جبال الاوراس، كذلك مفدي زكريا فشعره كله وطني وثوري، وتبقى قائمة الشعراء الجزائريين الذين كتبوا في هذا المجال طويلة.
ولهذا فالشعر الجزائري سبق الثورة وازدهر خلالها، بالأخص خارج الجزائر، وقتها انا كنت طالب بسوريا، وعشت شوق الشعب العربي الذي كانا شغوفين لسماع الشعر الجزائري، ويطوقون لحضور مهرجانات بلدنا في هذا المجال، وهنا لا ننسى الشاعر السوري الكبير سليمان العيسى، فقد كتب قصائد رائعة عن الثورة الجزائرية وظل يكتب لمدة 30 سنة، اغلب الشعراء العرب منهم الدكتور سعدي، وأسماء كثيرة في كامل القطر العربي شاركت في ثورتنا المجيدة بالكتابة عنها حيث يمكن ان تحصى هذه الكتابات في جزئي أو ثلاث أجزاء ممن كتبوا عن ثورة نوفمبر.
الشعر كان ممهدا للثورة، مبشرا بها وداعيا لها، فقد كان وسيلة لتحريض الناس ضد الاستعمار، يكشف لهم مساوئ هذا العدو ومصائبه جرائمه ومجازره فوق ارض الجزائر، وكان في نفس الوقت يوجه الشعب للاتحاد والنضال حتى النصر او الاستشهاد، هذه العبارة التي كنت شطر من بيت شعري.
وقد كتبت في هذا الصدد مسرحية في الثورة عن النصر والاستشهاد، وقد مثلت في سوريا ونيران الثورة مشتعلة بالجزائر، في منطقة المتواجدة شمال سوريا وهي اليوم تشهد صراعات عنيفة، ألقى محمد العيد شعرا جزائريا في أمسية حضرها كبار الشعراء والمثقفين ، إضافة إلى الفقيه والمثقف الكبير بن غسيلة، دون نسيان احمد معاشي، وهو من ذات منطقة بن غسيلة، الشعر رافق الثورة وظل ينشط بعدها لكن بوتيرة ناقصة الا في المناسبات
قلتم ان الشعر مهد للثورة ورافقها، وهل أرخ لها بعد الاستقلال؟
الشعر في الحقيقة لا يؤرخ، فمهمته الاساسية ليست التأريخ، حيث ينظر الى الشعراء ومضمون قصائدهم بالمراحل او الاوضاع التي يكتبون فيها وبالتالي يصبح هنا تأريخ، الشعر أرخ للثورة في علاقته مع المجتمع كان يحرض الشعب الجزائري على الوحدة، على الاجتهاد، على التمسك بالقيم الوطنية، على ضرورة الاستمرار في الكفاح من اجل جزائر مستقلة، ولكن جيل الشعراء الذين أتوا بعد الاستقلال لم ينخرطوا في الشعر الثوري كما انخرط فيه الجيل الذي عايش الثورة التحريرية، فحتى في المدارس الشعرية الجيل الذي اتى بعدها بدأ يدخل في افاق جديدة افاق الحداثة والشعر المفتوح والمنثور، فانا مثلا في شعري اكتب العمودي والقصيدة الحرة، ولا اكتب الشعر المنثور الذي يعتمد
على جمال الجمل والصورة والخيال وغيرها، وانما اكتب الشعر القائم على التفعيلة وغير المقيد بالشعر الخليلي المعروف، فلم ادرس علم العروض لأطلع على الوزن وعدد البحور وكيف توزن القصيدة، وانما هذا الشيئ كان موهبة استطيع ان اقول عنها انها ربانية، وفي الحقيقة هي موهبة عائلية فوالدي (وأشار الى صورته المعلقة في بيته)، شبه اديب كان يحفظ الاف الابيات وهو إمام الى غاية ان توفي، في مسجد جدي محمد خمار، وهو كان يقرأ سيدي لعروسي ، وهذا كله قصائد في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم
منذ صغري وانا اسمع لتلك المدائح وهي كلها موزونه ورائعة لا خلل فيها، فصراحة هي التي جعلتني استوعب الوزن، والدي لم يشجعني على كتابة الشعر ولم يكن ضده، ولم اقل له انني اكتب الشعر، فكنت استحي منه باعتباره إماما وصارما، رغم انه كان يحب الشعر ويحفظه، فحتى حديثه مع الناس كان اغلبه أدلة شعرية، حكم وغيرها فهي لم تكن من الشعر الحديث
قلتم أنكم لم تتلقوا تكوينا ولم تدرسوا علم العروض، ورغم هذا كان الشعر في تلك السنوات في عصره الذهبي، اما اليوم كثيرون من يبكون على عالم القافية ويرثونه؟ حسب رأيكم أين يكمن الخلل؟
الخلل ان التكوين غير مربوط بتوجيه فكري ولا النظرة المستقبلية للادب الجزائري، وغير مربوط باختيار المواهب، فمثلا المدارس حتى في الجامعة الملقن لعلم العروض لا يكلف نفسه لمحاولة اكتشاف من يكتب الشعر فعلا في طلبته، وربما حتى التمارين لا تكون في الشعر او التقطيع وغيرها، وهنا الخلل في النظام التعليمي فهو غير مقترن بالواقع، ومع الأسف في الجزائر اغلب الحركات النهضوية التي تقوم بها الاجيال ليس لها تطبيقات واسقاطات على الواقع، اما تسمدها من التاريخ او من بعض الخطباء، او حتى من التاثراث بالبعض، اما ان نعمل منهجا للجزائر في الشعر ونتبع المدارس المتقدمة الموجودة في الجامعات المشرقية لم نفعل ذلك.
قصائد في مدح الرسول كانت منتشرة كثيرا في الزوايا والقرى، وهي رائعة جدا، ولكن الشعر المعبر عن حالة الشعب وجمال الطبيعة، عن التطلعات للمستقبل، الشعر التحريضي للاسف لم نهتم به في مدارسنا، فاولئك الذين يحبون ويكتبون الشعر كانت لديهم ميول دينية، الأوضاع اليوم يمكن ان نقول تغيرت، والمأساة ان هناك من يعتبر الشعر حراما، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم كان ذواقا للشعر، وكان لديه شاعره حسان بن ثابت رحمه الله، حيث كان يقول له عليه السلام اهجوهم يا حسان، ولما يهجون الرسول يقول له رد عليهم، فخير الامة كان يتخذ من الشعر عملاق الأسلحة، ومازال الى اليوم وعلى وجه الخصوص الجمالية، ضد البشاعة ، ضد الذوق الفاسد، فالشعر يربي الذوق، وللاسف فمنذ الاستقلال توقفت الثقافة الجزائرية والذوق الفني نهائيا، فالثقافة لو وزعنا ميادينها كثيرة فهي تضم القيم، الكتابات، المؤسسات التي تهتم بالنواحي الجمالية لدى الشعب مثلا البناء كان يعتمد على الطوب وهنا أعطيكم مثالا منزلنا الكائن بقرية قداشة ببسكرة الى اليوم يسكنها أناس وعمرها اكثر من 200 سنة واليوم البناء بالاسمنت المسلح الذي ينهار مع اول امطار.
نعود بك خمار الى القصيدة والثورة، حيث كانت تحمس جيش التحرير وتزرع في نفسه روح المقاومة والتصدي للعدو، فعلى سبيل المثال نذكر الشيخ شبوكي رحمه الله في قصيدته جزائر يا بلاد الجدود وقصيدته حول مجازر 8 ماي كانت تغنى وما نزال نتذكرها منذ الصغر، هل في رايكم ان القصيدة لما تحول الى منحنى الغناء تلقى روح القبول اما انها تقف عند المهرجانات والمناسبات؟
القصيدة في الحقيقة حسب موضوعها، فالشعر عموما يغنى، اما بالشكل العاطفي واما بشكل حماسي اذا كانت ثورية تكون نشيدا، واغلب قصائد شعرائنا حول الثورة غناها فنانون رغم ان ثقافتهم لم تكن عالية، فمثلا اغاني كثيرة احبها المواطن أدها فنانون كبار امثال رابح درياسة، خليفي احمد، عبد الرحمن عزيز، وغيرهم ، فالقصيدة اضافت الكثير للتراث الجزائري وأيقظت النفوس للاهتمام به، شجعت الشباب وحتى الكتاب، وهنا اذكر سليمان جوادي وميهوبي حقيقة لديهم قصائد جميلة،
القصيدة من المفروض ان تكون ليست اضافة فقط بل ان تكون مجددة ، لدينا عديد الشعراء الذين بدؤوا كتابة الشعر بطريقة نوعا ما ساذجة ومع اطلاعهم على اشعار غيرهم ويشاركون في مهرجانات تتغير لهجتهم وكتاباته، وهنا يتجلى دور الشعر في التجديد، فكلما ازدادوا في السن ازداوا في الجودة، وهناك وللاسف وان كانت القلة يكتبون في البداية ثم يتركونها نهائيا، شعراء لم يهتموا بالشعر وإلا تفرغوا لاشياء اخرى وطلقوا عالم القافية، مثلا عبد العالي رزاقي كان شعره جيدا واذا به تقريبا شبه متوقف وانما تفرغ لكتابة المقالات، ولا ننكر فمقالاته جدية لكن حتى شعره كان جيد، فالمانع ان يجمع بين هذا وذاك
وهل ما يزال خمار يكتب؟
أنا تقريبا لدي سبع سنوات لم اكتب ولا بيت
نتطفل عليكم قليلا لنعرف الأسباب؟
والله نوع من الاحباط النفسي، وقت الثورة كنت اكتب للثورة، وبعد الاستقلال كان لدينا جيل ونشاط مكثف ونوعي في اتحاد الكتاب ولدينا علاقات ونشاطات عبر كامل القطر الوطني، فصراحة بشعري طفت بلديات مختلفة من ولايات الوطن، وبعد سنوات انحصر وغاب النشاط الثقافي واختلف حتى المشرفين عليه، لا يعرفون حتى شعراء بلدهم، في الماضي كانت تصلني دعوات لدرجة اعتذر بسبب تضاربها في الموعد مع بعضها البعض، اما اليوم لو تسألين شابا من هو بقاسم خمار يقول لك لا اعرفه، وهذه هي المأساة
تحملون المسؤولية للميدان التعليمي التربوي؟
الجانب التربوي وحتى الثقافي، فالثقافة هي المحرك الاساسي للعبقريات وللابداع، النهضة ، ولترابط الشعب، اما الجزائر اليوم فهي تفتقر للنوادي، ولنتكلم مثلا على العاصمة اكبر مدينة في القطر الجزائري تقريبا، هل لك أن تسمي لي بعض النوادي، للأسف وان كانت فهي تنشط في المناسبات : النادي الاذاعي عيسى مسعودي او الجاحظية، لما تذهب الى سوريا او مصر او تونس بجنبنا تلقى نوادي مدن، فيها مكاتب ضخمة منشات رياضية و»كافيتيريات» حتى لا يتعب الزائر حتى في الحصول على قارورة ماء، اضافة الى النشاط الثقافي والصناعات التقليدية، ونحن للاسف حتى صناعتنا التقليدية ضيعناها (اشار الى فراش في بيته الفخم وهو صحراوي تقليدي)، كان لا يخلو ولا بيت من زرابينا التقليدية اما اليوم فللاسف تلفاز بلازما وماذا نتفرج فيه برامج من فضائيات أجنبية.
الا ترى هنا ان هناك قطيعة وهوة كبيرة بين جيل الامس وجيل اليوم، شعراء الامس لا يعرفون الشباب والعكس؟
اقول لك يعرفون بعضهم لكن باحتشام، فصراحة وبعيدا عن لغة المجاملات ما تزال الصحافة في بعض الاحيان تخصص لنا ملحقات، فمثلا انتم كاعلاميين مثقفين لما تتعبون تريدون التوجه الى نادي معين للارتياح والالتقاء بالاصدقاء واهل الميدان، فهل تجدون مثل هذه الفضاءات؟ اجزم على انها لا توجد
وهل سيعود خمار لكتابة الشعر؟
كلما كبرت الشقة بينه وبيني ابتعدت عنه اكثر، اتركيني أعطي قيمة لنفسي فاليوم لو اكتب الشعر أحس أني عين تسيل فوق جبل مهجور
اكبر مؤسسة لنا والتي على اكبر قدر من الثقافة هي الجامعة وللاسف فهي بحد ذاتها ليس لها تواصل مع الادباء والشعراء
هل يحتفظ خمار بقصائد تغنت عن الثورة ولم تنشر؟
، كانت لدي الا قصيدة واحدة لمحمد العيد لم تنشر ، واحتفاظي بها لعلاقتي الكبيرة مع هذا الشاعر، اما الارشيف فلا واذا نظرنا الى تخصصي فانا مبدع ولست اكاديميا.
هل فكرتم في كتابة سيرتكم الذاتية؟
*هذا حلم يراودني لكن لم اتجرأ في الاخذ في هذا الموضوع، رغم انه لدي ما اكتب فحياتي فيها كثير من المغامرات، ولما كنت في سوريا كان سفيرنا هناك الركيبي رحمه الله، وعدت الى الجزائر الا انني هددت بالقتل في العشرية السوداء فذهبت الى سوريا في 2005 وبعد خمس سنوات عدت، الا انه ورغم اقامتي في سوريا هذه االسنوات الا انني كنت لا اصبر على رمضان في بلادي اصومه هنا في الجزائر، حيث يلتقيني ابنائي في المطار وأصل الى بيتي لألتف معهم على مائدة افطار جزائرية.
غنى تقريبا كل الفنانين الجزائريين وحتى العرب قصائدك، هل لنا ان نعرف اياها بقيت واثرت فيكم خمار؟
ام المعجزات، غناها سمير حلمي سوري عاش في الجزائر، وهي الى اليوم موجودة في ارشيف الاذاعة، ورغم انها وطنية وثورية الا ان الغريب انهم لا يسمعوننا اياها بتاتا وهنا السؤال، فمن المفروض يكون هناك اعادة بعث ثراث الجزائر المتعلق بكتابها وشعرائها وفنانيها.
انتم تتحدثون بنبرة حسرة كبيرة على شعرنا، وانا انظر بنظرة معجبة الى بيت مفعم بالحس الفني وكانني بمتحف، جدرانه تكاد تنطق بريشات مبدع؟ هل لنا ان نعرف خمار الوجه الفني الاخر؟
صراحة هذه لمسات زوجتي الرسامة، وقد شاركت في عديد المعارض التشكيلية في الجزائر وخارجها، ومن جانب آخر فأنا اقول ان المثقف لا ينحصر حسه في ميدان واحد، وانما هي بحر من المجالات، فالثقافة ليست شعرا فقط ولا فيزياء وكيمياء، هي كل الحياة ،والرسم مظهر من مظاهرها، فلننظر الى الدول المتقدمة تفتخر ببكاسو وغيرهم من ابنائها، فهم رفعوا راية بلادهم بلوحات بالملايير، وهنا أشير الى نقطة كثيرون من دخلوا منزلي وحرموا ما فيه، لكن انا لوحات جدراني توحي الى الجمال والذوق الفني فحسب، وهنا اقولها هذا هو الجهل الثقافي في حقيقة الامر.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17753

العدد 17753

الإثنين 24 سبتمبر 2018
العدد 17752

العدد 17752

الأحد 23 سبتمبر 2018
العدد 17751

العدد 17751

السبت 22 سبتمبر 2018
العدد 17750

العدد 17750

الجمعة 21 سبتمبر 2018