دور الجزائــر في نهضـة فلسطـــــــين المحتلــة

د.أحمد لطفي شاهين فلسطين المحتلة

يتزايد العداء الصهيوني لجمهورية الجزائر حيث يكرر الاحتلال الصهيوني   في اعلامه الرسمي وبشكل مستمر وشبه يومي ان “الجزائر عدو للأبد و ان الرئيس “ بوتفليقة “ مثله مثل بومدين لأن تاريخ الرئيس “ بوتفليقة “  ومواقفه تجبر الاحتلال على عدم الثقة به والخوف منه فهولا يقل خطورة عن الرئيس السابق بومدين ، وبالرغم من أن سياساته تؤكد رغبته في تعويض الجزائر ما فاتها ، ووضع الجزائريين في مكان لائق على خارطة الشعوب تحت مظلة سلمية آمنة ، إلا أن هذه السياسة لا تخفي طموح الرئيس “ بوتفليقة “ في إرجاع بلده بقوة إلى الواجهة والتأثير في القرار الإقليمي والدول”.والدليل ،  ان الرئيس “ بوتفليقة “يتعمد في غفلة من العالم كله إلى تطوير وتحديث جامعاته ومدارسه وجيشه بصورة مثيرة للقلق والى تطوير التعليم و التنمية في الجزائر وهذا الامر مقلق لدولة الاحتلال  .... وكلام الاعلام الصهيوني ضد الجزائر لم ولا ينتهي بل ان  الآلة الاعلامية الغربية كلها تأتمر بأوامر الصهاينة وتهاجم الجزائر بحجة رعايتها للإرهاب ....  ويعود سبب هذا العداء والكره الصهيوني للجزائر  الى المشاركة الجزائرية المميزة والقوية على الصعيد السياسي والدبلوماسي  في الشؤون العربية والفلسطينية ، بالإضافة الى المشاركة الجزائرية الفاعلة في الحروب العربية المتعلقة بنصرة القضية الفلسطينية  ضد الاحتلال  الصهيوني ، تحت شعار : الجزائر مع فلسطين ظالمة أو مظلومة .. رغم ابتعاد الجزائر عن المواجهة المباشرة مع الاحتلال الصهيوني.

 عندما نتحدث عن هذا البلد الغالي علينا أن نتوقف كثيرا أمام دروس تاريخية عظيمة رغم  البعد الجغرافي  الشاسع الذي يفصل فلسطين عن الجزائر ، فإن العلاقة التاريخية بين الشعبين ظلت متوهجة بالمواقف التي قدمتها الجزائر من أجل فلسطين ، فيما الفلسطينيون ينظرون إلى الجزائر كأخوة في العروبة والإسلام والوطن الكبير فالجزائريون من أكثر الشعوب العربية كرها لدولة الاحتلال ، وبالمقابل هم اكثر الشعوب العربية حبا وإخلاصا للشعب الفلسطيني والشعور بالحب للجزائر في فلسطين متبادل فالعلم الجزائري لا يخلو من أي مناسبة فلسطينية.  
يمتلك الشعب الجزائري تركيبة عقلية و نفسية وعقائدية تشبه تماما نفس التركيبة التي يمتلكها الشعب الفلسطيني لذلك يحصل انسجام تلقائي بين أي فلسطيني وأي جزائري وترحيب حار وكأنهم ابناء شعب واحد فالوفاء والصدق اللذان يتصف بهما شعب الجزائر ، والغيرة على العرض والمحافظة على الشرف والدم الحامي كما يقال عنه في الجزائر وفلسطين وغير ذلك من صفات شعبية جماهيرية مشتركة كانت ضامنا لبناء هذه العلاقة التاريخية واستمرارها بين الشعبين  ...
وترجع اصول هذه العلاقة التاريخية بين الشعبين الى ما قبل عام 1855 ، حينما تعرض رمز المقاومة الجزائرية الأمير عبد القادر للنفي إلى دمشق ، وبدأت عائلات المناضلين الجزائريين والفلسطينيين  بالهجرة معه إلى بلاد الشام  كنوع من التضامن معه ،   وفي عام النكبة 1948 هاجر عدد من الفلسطينيين الى دمشق ، حيث شكلوا حي المغاربة في مخيم اليرموك ، وحمل بعض الجزائريين وثائق فلسطينية سورية مثل الفلسطينيين المهجرين واختلطوا بالفلسطينيين وصاهروهم وعاشوا معهم معاناة الهجرة واللجوء والشتات وهم الاسبق في هذا الشعور القاسي. وهكذا تعمق الحب بين الشعبين اكثر وأكثر على مدى التاريخ ... وإنني اقول هذا الكلام التاريخي الجميل تمهيدا للحديث عن دور الجزائر الرائد في نهضة وتعليم الشعب الفلسطيني . حيث استقبلت الجامعات الجزائرية  آلاف الطلاب الفلسطينيين منذ عام النكبة ومن قبله كان هناك طلاب فلسطينيون ، وقدمت الجزائر المنح الدراسية لآلاف الطلبة الفلسطينيين وما زالت  بل ان غالبية دراسة الفلسطينيين في الجزائر عبارة عن منح  دراسية ومؤخرا حصلت الطالبة الفلسطينية “ملاك العاجز” على المرتبة الاولى في كلية الحقوق في الجزائر على دفعتها من الطلبة الاجانب ، وتفاجأت بفرحة الجزائريين بها وتكريمها من الجزائر بشكل متوقع وليس غريبا ان يفرح الجزائريون لنجاح طالبة اوطالب فلسطيني كما انتقل الى رحمة الله طالبان فلسطينيان متفوقان اختناقا بالغاز ،ولاحظنا تعاطف كل الطلاب الجزائريين معهما وحزنهم الشديد على وفاتهما... ولقد وصل عدد الطلاب الفلسطينيين في الجزائر الى حوالي ثلاثين الف طالب  منذ عام النكبة  غالبيتهم منح دراسية وهذا رقم غير عادي ابدا وهذا فضل لا يمكن نسيانه ابدا ونعتز بذلك والحمد لله ان طلابنا كانوا ولازالوا سفراء طيبين لفلسطين المحتلة ... وفي منتصف  الستينات بدأت أول مجموعات من الفلسطينيين حاملي شهادات الثانوية العامة بالتوافد الى الجزائر ، لغرض العمل أو لأجل الدراسة في الجامعات  الجزائرية ضمن إطار بعثة فلسطين ، حيث كانت الجزائر آنذاك بحاجة إلى كوادر تتقن اللغة العربية ، وتشرف شعبنا بأن الجزائر قامت ، بتوظيف كل من وفد اليها من أبناء شعبنا خاصة في سلك  التعليم بمراحله الثلاث { الإبتدائي ، الإعدادي والثانوي } بعقود حرة ، حيث  وصل عدد أبناء الجالية من الطلبة والمعلمين في الفترة الممتدة من عام 1965  الى نهاية الثمانينات حوالي 7000 معلم وهكذا حاول شعبنا ان يرد الجميل للأحبة في الجزائر من خلال العمل في تدريس ابناء الدولة التي تعلموا على ايدي ابنائها ..  كما سمحت وزارة الدفاع الجزائرية للطلاب الفلسطينيين بالتدريب العسكري في الكلية الحربية الجزائرية بـ  « شرشال» ، في جميع المستويات بكالوريوس وكتائب وأركان  حيث تخرج منها الكثير من قيادات العمل الوطني المقاوم الذين كان لهم بصمة واضحة في مسار الثورة الفلسطينية..  وفي عام 1982 استقبلت الجزائر 588 مقاتلاً فلسطينياً بعد حصار بيروت وصمود الثورة الفلسطينية هناك لأكثر من 80 يوم  وقام عدد كبير من هؤلاء المقاتلين بالدراسة والعمل في الجزائر هم وعائلاتهم وأولادهم الى ان عاد عدد كبير منهم الى اراضي فلسطين المحتلة مع عودة السلطة سنة 1994 م، وكانوا من ارقى القوات التي وصلت الى فلسطين واكثرهم علما وتأهيلا وخبرة وانعكس ذلك على رصيد المحبة والعرفان للجزائر  
 وعندما بدأت الأزمة الإقتصادية في الجزائر في منتصف الثمانينات وما تلاها من أزمة  سياسية وأمنية والتي نتج عنها  في بداية التسعينات إنفلات في الأوضاع الأمنية ومخاطرها والتي انعكست على  كل مؤسسات الدولة في الجزائر خصوصا بعد التحول من النظام الإقتصادي  الإشتراكي الى النظام الإقتصادي الحر ، كل ذلك عكس نفسه على وضع الجالية  الفلسطينية وخاصة المعلمين ، مما  أدى الى مغادرة العدد الأكبر منهم وبقي البعض منهم وبقي معظم الطلاب واستكملوا دراساتهم ورغم صعوبة الوضع الا ان غالية المنح الدراسية استمرت فالجزائر في اقسى الظروف تمسكت بدورها الطليعي في تعليم وتطوير ابناء الشعب الفلسطيني.
 ان العلاقة بين الجزائر وفلسطين ليست سياسية فقط وانما علمية وادبية ايضا حيث واكب الأدب الجزائري قضية فلسطين منذ البدايات ، حيث خصص الدكتور عبد الله ركيبي فصلا من كتابه ‘فلسطين في الشعر الجزائري الحديث ‘ لقضية النكبة ،  والنكسة 1967 ، والانتفاضات المتتالية للشعب الفلسطيني واستغل الشعراء الجزائريين كل مناسبة لتأييد فلسطين. وكتبوا قصائدهم في مجلة «الشهاب »، أمثال : محمد العيد ، ومحمد جريدي ، ومفدي زكريا ، وصالح خرفي، ومحمد الأخضر السائحي، وأحمد سحنون، والربيع بوشامة، وموسى الأحمدي، ومحمد بوزيدي، وكاتب ياسين وغيرهم الكثير ، وفي آخر زيارة للشاعر محمود درويش إلى الجزائر في عام 2005،  نظم أمسية في قاعة ابن خلدون وامتلأت القاعة عن آخرها وأغلقت شوارع العاصمة بالازدحام وألقى الشاعر أجمل قصائده وأهدى قصيدة للجزائر ((على هذه الأرض ما يستحق الحياة ))، و، وبكى الحضور الجزائريين وبكت الجالية الفلسطينية بالجزائر ، ، و أثبت درويش ان التاريخ لا ينسى فضل الجزائر في تعليم وتطوير شعبنا في كل المستويات وعلى رأسها المستوى الأدبي
 أما الروائيون  ، فكانت القضية  الفلسطينية حاضرة في رواياتهم مثل أحلام مستغانمي و واسيني الأعرج ، والطاهر وطّار ((ومنع الاحتلال  روايته اللاز من التداول في فلسطين وكان يتم نقاشها وتداولها سرا))،،  ، وفي المقابل قام شعراء وأدباء فلسطين بالكتابة عن الجزائر ، فكتب الشاعر الفلسطيني سليم النفار قصيدة جميلة ورد فيها: غداً .. سيجيءُ من رحم السماء ، فلنا خيولٌ .. ها هنا .. فرسانها جيشُ الإباء .. شعبُ الجزائر .. لو تنادي : كلّهُ الشهداء. فيما كتب الشاعر المقدسي نجوان درويش : جزائر.. لو كان لي ابنة، سأَحتارُ في اسمها.. وفي الآخر، سأَجعل الجزائر .. في المدرسة ستهتف حولها البناتُ : جزائر... جزائر. وفي الحقول.. ستتبَعُها الفَراشات وتَلْهَجُ باسمها العصافير. وفي طريق العودة من المدرسة ستمشي مَخفورةً باسمها.
وهذه العلاقة الجميلة ، تكاملت وامتدت إلى الرياضة  حيث يرتفع العلم الفلسطيني في ملاعب كرة القدم الجزائرية ويحمل الجزائريون علم فلسطين في الملاعب العالمية ، وبالمقابل تجد علم الجزائر حاضرا في كل المباريات داخل فلسطين المحتلة دون ان يكون للجزائريين حضور بأنفسهم  لكنهم غائبين عن ارضنا جسديا بينما ارواحهم وملائكتهم حاضرة دائما ..  ولا يمكن ان تجد جمهور يتمنى ان ينهزم امام خصمه الا الجماهير الفلسطينية والجزائرية .. حيث يحذر الجمهور الجزائري لاعبيه من هزيمة الفلسطينيين وكذلك يحذر الجمهور الفلسطيني لاعبيه من هزيمة الجزائريين .. ذلك لان فوز الجزائر هو فوز لفلسطين وفوز فلسطين هو فوز للجزائر .. وغالبا تنتهي المباريات بتعادل جميل بين ابناء الشعبين ومهما كانت النتيجة يبقى الحب قائما بين التوأمين وهذه التوأمة بين فلسطين والجزائر ، ستقود حتماً إلى تحرير الأرض والإنسان ، وإعلاء راية الأمة لتأخذ دورها الريادي في قيادة البشرية جمعاء من خلال الدعم المستمر من الجزائر لشعبنا في جميع المجالات وعلى رأسها التعليم وانني افتخر ان يكون لي دور في رد الجميل للجزائر من خلال تقديمي المستمر شبه الاسبوعي للمحاضرات في التنمية البشرية والتنمية المستدامة عبر الانترنت للإخوة الاحبة في الجزائر.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17796

العدد 17796

الأربعاء 14 نوفمبر 2018
العدد 17795

العدد 17795

الثلاثاء 13 نوفمبر 2018
العدد 17794

العدد 17794

الإثنين 12 نوفمبر 2018
العدد 17793

العدد 17793

الأحد 11 نوفمبر 2018