الفدائية

احمد لطفي شاهين

في حالات كثيرة يقف الانسان عاجزا عن الكلام والتعبير ويبقى صامتا ومن اصعب تلك الحالات حالة اختطاف الموت لإنسان عزيز تحترمه وتقدره وتتابعه حتى لو لم تراه، لكنه يحمل مكانة عالية في قلبك وأنت لم تكن تتوقع أبدا ان يموت وتكاد لا تصدق الخبر وتحاول ان لا تنقل الخبر لغيرك لأنك ترفض من داخلك ان تصدق الفاجعة التي اصابتك أنت اولا بفقدانه وأصابت المتوفي ثانيا بموته وغيابه فجأة ... فالموت له هيبة لا يمكن ان ننكرها ابدا وأعظم كلمة ممكن ان تقال في هذه المصيبة ... انا لله وإنا اليه راجعون.
لقد اختطف الموت وبدون مقدمات وبشكل مفاجئ كاتبة ثورية وفدائية حقيقية في جرأتها وكلامها الوطني الذي يلامس القلوب والأرواح دائما لأنها تكتب بإحساس وطني عميق لابد ان يصل الى قلوب كل الوطنيين الشرفاء في هذا العالم ... اسمحولي ان اقول استشهدت  الصحفية العربية الوطنية ( الجزائرية الاصل – الفلسطينية الانتماء) الاخت “أمال مرابطي” عن عمر 33 عاما على إثر حادث سير مؤسف أودى بحياتها وبربيع شبابها واختطف قلمها الصحفي الثوري المتألق نحو العشق الأبدي لفلسطين ولقضايا الأمة العربية الوطنية، كانت الصحفية الراحلة الفدائية “آمال مرابطي” نموذجا شبابيا قوميا ليس للعاملين في مهنة الصحافة والإعلام اتجاه القضايا القومية العربية فقط، بل هي وبكل موضوعية نموذج مشرف وراقي بمعنى الكلمة لكل شباب العروبة الذين يقفون اتجاه قضايا أشقائهم في أحزانهم وأفراحهم وهمومهم. تعلمنا منها الكثير الكثير واكثر قيمة تعلمناها هي كيف ننتمي للوطن العربي بكل احساسنا وكيف نحمل هموم اشقائنا العرب في كل مكان
نحن في فلسطين نعتز بالزميلة الراحلة الإعلامية (الشهيدة) “امال مرابطي” لأنها كانت من المدافعين الأشداء عن القضية الفلسطينية، فسطرت بقلمها الثائر بطولات المعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال الصهيوني الجبان، و كان لها دور مميز في إبراز دور المعتقلين الفلسطينيين النضالي نحو الحرية والاستقلال، وكتبت بصدق واحساس عن معاناتهم وأمالهم وأحلامهم وجوعهم واضراباتهم من أجل أن يبقوا صامدين خلف القضبان والأسلاك الشائكة والحواجز وأقبية التعذيب والزنازين التي تتكاتف في ظلامها مع ظلم السجان وعتمة المكان وتمعن في ايذاء ابطال الحرية الذين لابد ان يخرجوا منها يوما الى النور طالما كان هناك كتابات مثل كتابات الفدائية “آمال مرابطي” رحمها الله.
الراحلة العزيزة “امال مرابطي” حملت في قلبها وعقلها صورة جميلة عن عاصمة فلسطين القدس المحتلة وبرغم أن العاصمة الأبدية لفلسطين لم تتشرف باللقاء معها على أرض الواقع، ولم تتعطر “امال مرابطي” بعبير أروقة القدس وشوارعها العتيقة وساحات المسجد الأقصى الذي كتبت عنه وعن مدينته الخالدة الفلسطينية أروع حكايات العشق للوطن المحتل البعيد، إلا أن القارئ كان يشمّ بين سطور كلماتها رائحة القدس الوطنية والإنسانية والاسلامية وكانت دوما تسطر بقلمها حروف الحنين والشوق لفلسطين والقدس وتتمنى زيارتها محرّرة وكانت كتاباتها موجهة ليس للفلسطينيين فقط، وإنما لكل الأحرار في هذا العالم خصوصا الجزائريين الأشقاء ورثة النضال الوطني، الذين حفظوا الأمانة وتناقلوها جيلا بعد جيل، بأن يبقوا على العهد للقدس والقضية الفلسطينية في كل المواقع والميادين.
انني اعتقد ان الأخت الشهيدة “آمال مرابطي” هي من أحفاد المناضلة جميلة بوحيرد الثائرة الشهيرة التي عشقت فلسطين وترابها ودافعت عن قضاياها في كل المحافل.. والتي تعجز الكلمات أيضا عن وصف تاريخها المشرف نحو المجد والحرية والدفاع عن الشعوب المقهورة من ظلم الطغاة والاحتلال. وكما كانت المناضلة جميلة بوحيرد اسم على مسمى في جمال صمودها وبطولتها فإن “آمال” اسم على مسمى في بعثها للآمال في قلوب كل الوطنيين الاحرار والمعتقلين بأن شمس الحرية لابد ان تشرق يوما مهما طال ظلام الاحتلال.
لقد عزمت الفدائية “آمال مرابطي” عن اصدار كتاب يخاطب الانسانية وضمير العالم ويتكلّم عن المعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال الصهيوني، ولكن الموت اختطفها قبل ان تكمل حلمها وأتمنى ان نستطيع نحن الإعلاميين والكتاب الجزائريين والفلسطينيين ان نكمّل مشوارها ونصدر كتابها تقديرا وعرفانا منا بجهوها الرائعة واحتراما لقلمها الثائر

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17797

العدد 17797

الجمعة 16 نوفمبر 2018
العدد 17796

العدد 17796

الأربعاء 14 نوفمبر 2018
العدد 17795

العدد 17795

الثلاثاء 13 نوفمبر 2018
العدد 17794

العدد 17794

الإثنين 12 نوفمبر 2018