التاريخ الهجري ... بين التهميش والنسيان

بقلم / د . أسامة جعيل

احتفل المسلمون أمس برأس السنة الهجرية الموافقة ليوم الثلاثاء أول محرم 1440 هجري، في وقت هجرت أغلب الدول العربية والإسلامية التأريخ وتعليم الأبناء هذا الأمر حتى نسأل في بعض الأحيان: أي الأشهر الهجرية وأي عام هجري نحن فيه؟، وهذا من أحد العوامل الأساسية للاحتلال الصليبي المسيحي للبلدان الإسلامية وما تبعه من تجهيل وربط للأمة بكل ما يتعلّق بالغرب المسيحي حتى بعد فترة الاستقلال للكثير من الأمم، ويرتبط التاريخ الهجري بالعديد من الشعائر الدينية والأمور الفقهية مثل الصوم والزكاة والحج والعدة، وكل هاته الأمور تحسب بالأيام والأشهر الهجرية، وصدق القائل:
إذا قامت الدنيا تَعُدُّ مفَاخِرًا             فتاريخُنا الوضَّاءُ مِن الهجرةِ ابتدا

التأريخ عند البشرية

عرف الإنسان التأريخ للأحداث والأيام منذ الأزل، فأول تأريخ كان من أبناء آدم متخذين من هبوطه من الجنة حتى مبعث نوح عليه السلام ثم كان التاريخ الثاني من بعث نوح عليه السلام حتى الطوفان، ثم كان التاريخ من الطوفان إلى نار إبراهيم، فلما كثر بنو إبراهيم أرّخ بنو إسحاق من نار إبراهيم إلى مبعث يوسف، ومن مبعث يوسف إلى مبعث موسى، ومن مبعث موسى إلى مبعث مُلك سليمان، ومن مُلك سليمان إلى مبعث عيسى، ومن مبعث عيسى إلى مبعث محمد عليه الصلاة والسلام.
وأرخ بنو إسماعيل من نار إبراهيم ـ عليه السلام - إلى بنيان البيت الحرام، ثم إنهم أرّخوا من موت كعب بن لؤي فأرخوا من موته إلى عام الفيل، ثم من عام الفيل حتى أُرخ بهجرة الرسول “صلى الله عليه وسلم” سنة سبع عشرة من الهجرة.
وكانت العرب في الجاهلية يؤرخون بأيامهم، وحوادثهم، وكانت النصارى تؤرخ بعهد الإسكندر المقدوني ثم بمولد المسيح عيسى عليه السلام، وكانت الفرس تؤرخ بملوكهم.

التاريخ الهجري

من المتعارف عليه اليوم بين المسلمين أن التأريخ بالهجري كان في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إلا أنه ورد نص عند جلال الدين السيوطي في كتابه “الشماريخ في علم التاريخ” يقول: “إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أرّخ بالهجرة حين كتب الكتاب لنصارى نجران، وأمر عليا أن يكتب فيه حين كتب عنه أنه كُتب لخمس من الهجرة”، ويرى السخاوي أنه إذا ثبت هذا الأمر فإن عمر بن الخطاب متبع وليس بمبتدع للتاريخ الهجري فقد اقتدى بسيرة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
أما المُتفق عليه بين أغلب المؤرخين المسلمين أن التاريخ الهجري ابتدأ في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عام 16 أو17 للهجرة، قال الإمامُ ابن الأثير رحمه الله: “وسبب ذلك أن أبا موسى الأشعري كتب إلى عمر أنه يأتينا منك كتب ليس لها تأريخ، فجمَع عمرٌ رضي الله عنه الناسَ للمشورةِ، فقال بعضُهم: أرِّخْ بمبعثِ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وقال بعضُهم بمُهَاجرِه، فقال عمر رضي الله عنه: بل نُؤرِّخ بمهَاجَرِ رسولِ الله، فإنَّ مُهاجرَه فرَّق بين الحقِ والباطلِ”.
ونجد نصا عند الحافظ ابن كثير يقول فيه: “اتفق الصحابة رضي الله عنه في سنة ست عشرة - وقيل: سنة سبع عشرة أو ثماني عشرة - في الدولة العمرية على جعل ابتداء التاريخ الإسلامي من سنة الهجرة، وذلك أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، رفع إليه صك، أي حجة، لرجل على آخر، وفيه أنه يحل عليه في شعبان، فقال عمر: أي شعبان؟ أشعبان هذه السنة التي نحن فيها، أو السنة الماضية، أو الآتية؟ ثم جمع الصحابة فاستشارهم في وضع تأريخ يتعرفون به حلول الديون، وغير ذلك، فقال قائل: أرخوا كتاريخ الفرس. فكره ذلك، وكانت الفرس يؤرخون بملوكهم واحدا بعد واحد. وقال قائل: أرخوا بتاريخ الروم، فكره ذلك. وقال آخرون: أرخوا بمولد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ. وقال آخرون: بل بمبعثه. وقال آخرون: بل بهجرته. وقال آخرون: بل بوفاته عليه السلام. فمال عمر رضي الله عنه إلى التأريخ بالهجرة لظهوره واشتهاره واتفقوا معه على ذلك”.
وذكر ابن سيرين أن رجلا من المسلمين قدم من اليمن فقال لعمر: “رأيت باليمن شيئا يسمونه التاريخ؛ يكتبون من عام كذا وشهر كذا، فقال عمر: إن هذا لحسن، فأرخوا. فلما أجمع على أن يؤرخ شاور فقال قوم: بمولد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ. وقال قوم: بالمبعث. وقال قوم: حين خرج مهاجرا من مكة، وقال قائل: من الوفاة - حين توفى فقال عمر: أرخوا خروجه من مكة إلى المدينة، ثم قال: بأي شهر نبدأ فنصيره أول السنة؟ فقالوا: رجب فإن أهل الجاهلية كانوا يعظمونه، وقال آخرون: شهر رمضان، وقال بعضهم: ذوالحجة فيه الحج، وقال آخرون: الشهر الذي خرج فيه من مكة، وقال آخرون: الشهر الذي قدم فيه، فقال عثمان بن عفان: أرخوا من المحرم أول السنة وهو شهر حرام، وهو أول الشهور في العدة، وهو منصرف الناس عند الحج. فيصير أول السنة المحرم”.
ويقال سنة ست عشرة في نصف ربيع الأول وأول ما تمّ الاعتماد رسميا على التاريخ كان من أول محرم سنة 17 هجري.
فدل ذلك على أنهم اتفقوا أن يكون أول عام في التاريخ هو العام الذي كانت فيه الهجرة، وليس الشهر الذي هاجر فيه النبي  “صلى الله عليه وسلم”، ولكنهم أبدلوا به شهر المحرم؛ لأنه أول شهر في العام ولهذا السبب عدلوا عن التأريخ من شهر ربيع الأول الذي هاجر فيه الرسول 
«صلى الله عليه وسلم” إلى شهر المحرم.
وذكر البخاري في تاريخه أن  عبيد بن عمير قال: “المحرم شهر الله وهو رأس السنة، فيه يكسى البيت ويؤرخ التاريخ ويضرب فيه الورق”.
ويمكن الجمع بين اعتبار أن النبي “صلى الله عليه وسلم” هو أول من أرخ، وبين تأريخ عمر “رضي الله عنه”، فالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عرف التاريخ واستعمله، لكنه لم يعممه، بل استعمله فيما يمكن أن نسميه بالخطابات الرسمية.
ولو كان التاريخ مشتهرا في دولة الرسول  ـ صلى الله عليه وسلم ـ  لأرخ الصحابة له أقواله كلها، ولوجدنا تاريخ الأحاديث التي قالها، والأفعال التي أتاها، ولحل لنا كثيرا من الإشكالات في السنة النبوية، ولكن النبي  ـ صلى الله عليه وسلم ـ استعمل التاريخ، لكنه ليس على نطاق التعميم في الدولة.
أما عمر “رضي الله عنه” فقد اهتم بالتاريخ في الدولة، وجعله عاما، ولم يكن مقتصرا على الجوانب الرسمية فحسب، بل دخل أيضا المجال الاجتماعي وغيره من مجالات الحياة.

معاني أسماء الأشهر القمرية

يقول الله تعالى في محكم التنزيل: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36)}، التوبة 36.

محرم: سُمِّيَ بذلك لأنَّ العرب قبل الإسلام حرَّموا القتال فيه.
صفر: سُمِّي بذلك لأنَّ ديار العرب كانتْ تَصْفَر؛ أي: تخلو من أهلها؛ لخروجهم فيه ليقتاتوا، ويبحَثُوا عن الطعام، ويُسافِروا هربًا من حرِّ الصيف.
 ربيع الأول: سُمِّي بذلك لأنَّ تسميته جاءَتْ في الربيع فلزمه ذلك الاسم.
ربيع الآخِر: سمي بذلك لأنَّ تسميته جاءَتْ في الربيع أيضًا، فلزمه ذلك الاسم، ويُقال فيه: “ربيع الآخِر” ولا يُقال: “ربيع الثاني”؛ لأن الثاني تُوحي بوجود ثالث.
جُمادَى الأولى: سُمِّي بذلك لأنَّ تسميته جاءَتْ في الشتاء، حيث يتجمَّد الماء.
جمادى الآخِرة: سُمِّي بذلك لأنَّ تسميته جاءَتْ في الشتاء أيضًا.
رجب: سُمِّي بذلك لأنَّ العرب كانوا يُعظِّمونه بترك القِتال فيه، يُقال: رجب الشيءَ؛ أي: هابَه وعظَّمَه.
شعبان: سُمِّي بذلك لأنَّ العرب كانت تتشعَّب فيه - أي: تتفرَّق - للحرب والإغارة، بعد قعودهم في شهر رجب.
رمضان: سُمِّي بذلك اشتقاقًا من الرمضاء؛ حيث كانت الفترة التي سُمِّي فيها شديدة الحر.
شوال: سُمِّي بذلك لأنَّه تسمَّى في فترة تشوَّلت فيها ألبانُ الإبل، والشَّول من الإبل: التي قد ارتَفعَتْ ألبانها، الواحدة شائل، واللواتي لقِحَتْ فرفعَتْ أذنابَها، والواحدة شائلة.
ذوالقعدة: ذوالقعدة بالفتح والكسر سُمِّي بذلك لأنَّ العرب قعدت فيه عن القِتال تعظيمًا له، وقيل: لقعودهم فيه عن رحالهم وأوطانهم.
ذوالحجة: سُمِّي بذلك لأنَّ العرب عرَفَت الحجَّ في هذا الشهر.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17798

العدد 17798

السبت 17 نوفمبر 2018
العدد 17797

العدد 17797

الجمعة 16 نوفمبر 2018
العدد 17796

العدد 17796

الأربعاء 14 نوفمبر 2018
العدد 17795

العدد 17795

الثلاثاء 13 نوفمبر 2018