انطباعات

عيوننا على السّودان وقلوبنا معه

دكتور محيي الدين عميمور

كان ما سمعناه «دوشا» باردا ألقته العجوز على رؤوسنا، وتغير الموقف 180 درجة، وأعترفُ أنني شعرت إزاء تلك المرأة البسيطة بمزيج من الخجل والاعتزاز، وكان الخجل لأنني انسقت في البداية لما أحسست به من طرافة في الموقف، وكان الاعتزاز لأنني اكتشفت روعة شعبنا في التمسك بمكارم الأخلاق واحترام قدسية الحرم وحرمة الشعائر، وهوما عبّرتْ عنه مضيفتنا شبه الأمية، بحيث أحسست فعلا أن جماهير شعبنا البسيط تتقدمنا جميعا، مثقفين وسياسيين وأنصاف هؤلاء وأولئك.
 وعندما كنت أخطّ هذه السطور تذكّرت بأنني لم أقرأ ولم أسمع تعليقا واحدا غاضبا مماثلا من الذين يوصوننا ليلا ونهارا بتقوى الله وبالخشوع في مواقع العبادة، ويذكروننا بقوله عليه الصلاة والسلام: إنما بُعثت لأتمّم مكارم الأخلاق.

تتابع مشاعرنا باهتمام النّكسة التي تعرفها الهبة الثّورية في السودان، أكبر بلد في إفريقيا سابقا قبل أن يقسمه التآمر الدولي والتناحر الداخلي والتشتت السياسي.
الذي حدث هو أن فريقا من الشارع هناك حاول أيضا، بمنطق استئصالي كريه، احتكار التوجه العام لحسابه وعلى حساب فريق آخر، وهكذا أتيحت الفرصة للقيادة الجديدة الثانية التي انقلبت على القيادة الجديدة الأولى والمدعومة من أموال النفط ومن دعم الثورة المضادة في الوطن العربي، وبدأ الجنرالات عملية تصفية لكل العناصر الوطنية والرافضة لليد الأجنبية، وكانت النتيجة المؤلمة سقوط ضحايا أبرياء، أفقدت الثورة الشعبية صفتها البيضاء السلمية.
والخطأ الأساسي في كل ما حدث هو التحرك بمنطق الانقلاب العسكري وعدم احترام القواعد الدستورية في نقل السلطة من عمر البشير إلى الهيئة التي يحددها الدستور أو يتفق عليها ممثلو الأمة الحقيقيون، وليس الأعلى أصواتا والأكثر جلبة، ومن هنا فإن عيوننا على السودان وقلوبنا معه لكن أفكارنا مركزة على ما يحدث عندنا، لأن ما حدث هناك هو درس لنا يؤكد بأنه، إذا كانت العاصمة هي واجهة الوطن فإنها ليست كل الوطن، وأن محاولة أي شريحة مجتمعية، وتحت أي عنوان كان، احتكار الإرادة الجماهيرية للأمة هي محاولة مجرمة لا يمكن أن تفسّر أوتبرر أوتعلل إلا بأنها تعبير عن طموحات مريضة فاتها أن شعبا كشعبنا لم ينسَ سنوات العشرية الدموية، عندما اختُطفت السلطة بمبررات اختلطت فيها النوايا المتناقضة بالأطماع الخبيثة، حتى وصلنا إلى مرحلة كان التساؤل اليوميّ فيها: من يقتل من؟.
وبدا الأمر اليوم في غاية الوضوح عندما تفجرت حالة الهيستريا عند فريق تصور بأن الأمور دانت له بفضل «تجميع» (وليس تجمّع) عشرات من الهتافين المنادين بصيحات حق نسْبيٍّ أريدَ بها باطل مؤكد، منادين بدولة مدنيةِ، ولكنها مدنيةُ الزيِّ عسكريةِ المضمون.
وراحت الجماعة تحرض القوات المسلحة، بغباء وبلادة متناهية، ضد رئيس المؤسسة العسكرية، وهي تنتظر أن تدفع تلك الهتافات المُلحّنة المتعالية الجمهور إلى الرقص على إيقاعها، وخصوصا أمام كاميرات تلفزةٍ مُحفزة ومتحفزة، لكنها ضبابية العدسات محدودة الرؤية.
غير أنّ ردود الفعل الفاترة على ذلك التجنيد المحموم كانت صدمة غير متوقعة برغم كل الجهود التي «أنفقت» في سبيل ذلك، وكانت قيادة المؤسسة العسكرية من الذكاء بحيث تعاملت مع الصخب بهدوء زاد من إثارة أعصاب البعض، خصوصا عندما انتهى أمر الانتخابات الرئاسية المقررة في 4 يوليو إلى ما كان يجب أن ينتهي إليه، ودائما في إطار تطبيق الدستور، وهو ما أثار عاصفة جديدة من الفتاوى من قبل نفس الذين كانوا ينادون بقراءة سياسية للنصوص الدستورية.
وبعد تكرار لمحاولة قديمة عرفتها مرحلة نهاية الخلافة الإسلامية، عندما خُدع أبوموسى الأشعري، وكُلّف بما يخرج عن كفاءته الفقهية المرموقة، قام المهماز مرة أخرى بنفس الدور، وظهر بيان جديد لا يخرج في مضمونه عن نفس بيان بعض رجال الدين، وهذا في انتظار بيان آخر ربما يصدر عن بعض عناصر المسرح الوطني أو عن الفرقة السيمفونية للموسيقى الكلاسيكية.
ومع تواصل بعض أعمال البلطجة، مألوفة المظهر ومعروفة التوجيه والمصدر، والتي وصلت خلال إحدى التظاهرات إلى حدّ اختطاف العلم الفلسطيني من زهراتٍ كنّ يرفعنه برمزية نبيلة، افتُعلت تظاهرة حملت راية بيضاء خُطّتْ عليها الشهادة لكي تثار حولها ضجة بليدة متعمدة تدعي بأن «القاعدة» أصبحت تتظاهر في الجزائر.
وقبل ذلك جرت ردود فعل، من الصعب أن تعتبر كلها «عفوية»، ضد بعض الوزراء الذين حاولوا القيام ببعض التزاماتهم الوظيفية في عدد من الأحياء، وتمسّك رجال الأمن بضبط الأعصاب وبعدم الانجراف وراء استفزازات كان منها بلطجة واضحة وعبارات تثير غضب الحليم، ولا أعرف مدى دقة ذلك، لكنني أورده كما سمعته.
ويحدث أمر نظرت له في البداية من منظور الطرافة، ثم تأكدت لي حقيقة شعبنا الرائع بردود فعله العفوية، التي لا تعترف بأي مهماز.
ففي الأسبوع الأخير من رمضان كان الوزير الأول نور الدين بدوي قد شارك، باسم الجزائر، في القمم التي عقدت في المملكة العربية السعودية، وبدا له، قبل أن يعود إلى الجزائر، أن يؤدي شعائر العمرة، ربما للتكفير عن الجهود الضائعة والأموال التي أهدرت بدون مردود حقيقي، سياسيا ودينيا.
وحدث خلال طواف الوزير الأول أن لاحظ وجوده شباب لم يكن من المؤكد أنهم كانوا من التيار اللائكي، راح أحدهم، كما نُقل لي، يهتف ضده بصرخات ساخرة من نوع :فلترحلوا جميعا.
وواصل بدوي طوافه بكل هدوء، وقيل لي أنه منع حراسه السعوديين من التعرض للشاب بأي حال من الأحوال،  برغم إصرار قائدهم على التدخل لحماية الزائر الجزائري بمنطق الاهتمام السعودي المعروف برعاية الضيوف.
كنت أسمع الرواية وأعترف أنني ضحكت مع الآخرين، لكن عجوزا من الحضور صرخت في وجهنا قائلة: هاذي سقاطة، قلة حيا، كيف يسمح مسلم لنفسه بارتكاب أمر كهذا وهُوأمام الكعبة ؟ إن المسلم لا يسبّ قاتل أبيه لوالتقاه في الحرم المكي، أنه في بلاد الناس، فكيف يتوجه بالإهانة لمن يمثل بلاده في بلاد غريبة، لعل فيها من ينتظرون أي فرصة للتشفي في حال البلاد؟.
كان ما سمعناه «دوشا» باردا ألقته العجوز على رؤوسنا، وتغير الموقف 180 درجة، وأعترفُ أنني شعرت إزاء تلك المرأة البسيطة بمزيج من الخجل والاعتزاز، وكان الخجل لأنني انسقت في البداية لما أحسست به من طرافة في الموقف، وكان الاعتزاز لأنني اكتشفت روعة شعبنا في التمسك بمكارم الأخلاق واحترام قدسية الحرم وحرمة الشعائر، وهوما عبّرتْ عنه مضيفتنا شبه الأمية، بحيث أحسست فعلا أن جماهير شعبنا البسيط تتقدمنا جميعا، مثقفين وسياسيين وأنصاف هؤلاء وأولئك.
 وعندما كنت أخطّ هذه السطور تذكّرت بأنني لم أقرأ ولم أسمع تعليقا واحدا غاضبا مماثلا من الذين يوصوننا ليلا ونهارا بتقوى الله وبالخشوع في مواقع العبادة، ويذكروننا بقوله عليه الصلاة والسلام: إنما بُعثت لأتمّم مكارم الأخلاق.
ولم يخرج علينا أحدهم ليندّد بتصرف سمج لشاب أرعن يعتقد، كالعادة، أنه أكثر إسلاما من الآخرين، ويأثم حيث لا مجال إلا للدعاء والخشوع، ولكن سبقتنا إلى التنديد به سيدة شبه أميّة.
ولن أذكر بالفتاوى المملة عن وجوب احترام الحاكم، لأن لي رأيا خاصا في هذا الأمر على وجه التحديد.
هذا جعل التفكير ينتقل بي إلى جهة أخرى كنت تناولتها في وقفة عاجلة منذ أيام، وتتعلق بالموقف من حكومة بدوي نفسها.
كنت، كما يتذكّر القرّاء، قد طالبت بالاستقالة الجماعية للحكومة، التي كان تشكيلها، توقيتا ومضمونا، قنبلة موقوتة أساءت للجميع بمن فيهم أعضاؤها ووزيرها الأول، وكان ما أهدف له تسهيل القراءة السياسية للمادة (104) من الدستور، فيمكن تكوين حكومة وفاق وطني تقلل من حدة التنافر الموجود على الساحة السياسية وفي الشارع الغاضب، وكنت ذكّرت بأنه ليست لدي أي مشكلة من أي نوع مع الحكومة، بل ولا أعرف الأغلبية الساحقة من أعضائها.
وكنت أريد أن يُحسّ الحراك الشعبي بأن في قمة السلطة من يُصغي لزفراته ويستجيب لمطالبه، ثم وجدتُ نفسي أكتشف كم كنت مخطئا وذلك عندما ارتفع صوت منكر يقول بصفاقة ووقاحة، وتعبيرا عن جماعته، إنه يرفض الانتخابات حتى ولوذهبت كل الباءات.
وتوقّفت لحظات عند تعبير «الباءات» ليتملكني إحساس غريب بأنه كانت هناك نية خبيثة لتشويه هذا التعبير في أذهان الشباب، على حساب التعبير الذي ارتبط تاريخيا بثلاثة من قادة الثورة، هم بلقاسم كريم وبن طوبال وبوصوف، وبتصفية شخصية قيادية أخرى هي عبان رمضان، رحم الله الجميع.
وأخذت أراجع نفسي لألاحظ أن الوزارة الحالية تستحق في واقع الأمر الكثير من التقدير والاحترام، فهي تتمسك بالمنصب الذي تعرف أن الناس جميعا يهاجمونها من أجله، وهي تواجه من السخط والإنكار ما لم تعرفه أي حكومة في العالم، ولكنها تدرك أن الاستقالة الجماعية، ما لم تكن عملية مرتبة منظمة متفق عليها مُعدّا لنتائجها ستكون أسوا من ألغام الاستقالة المتعجلة التي كنتُ نددت بها، وقد تكون طريقا نحو الفتنة.
وهذا الموقف في حد ذاته، والذي أتصور أن الوزير الأول ليس بعيدا عنه، هو دليل رجولة وتمسك باحترام منطق الدولة، وهو ما أقوله اليوم بيقين وإيمان وأنا أعرف أن هناك من سينتهز الفرصة للمزايدة ولاجترار البلاغيات والتقيئ اللغوي، كما فعل سفيهُ عاصمة الضباب.
لكن الحق أحق أن يتبع، ولا خير فينا إذا لم نقلها، كما قال السّابقون الأوّلون.

آخر الكلام

- هيبة الدولة هي القوة الحقيقية لأي دولة قبل الصواريخ والقاذفات والمدمرات، ولقد سقطت هيبة الاتحاد السوفيتي يوما برغم القنابل النووية التي كان يملكها.
ومن متطلبات تلك الهيبة احترام مجموع المواطنين على اختلاف مستوياتهم منطق الدولة، باحترام كل رموزها، لأن هذا من علامات هيبة الدولة داخليا وخارجيا، والخروج عنه في أي تصرف كان، حتى في تصرف بروتوكولي عابر، هو إساءة لهيبة الدولة.
والذين يعجبون بهيبة بريطانيا العظمى كما تسمّى يعرفون التزام الجميع هناك بمنطق الدولة الملكية وباحترام المقام الرفيع للملك أوالملكة، وبغض النظر عن الحب أو الكره، وذلك هو الذي أعطاها تلك الهيبة التاريخية، ويتذكّر المعجبون ببلاد صاحبة الجلالة أن «أوليفر كرمويل»، الذي أسقط الملكية وأعدم الملك شارل الأول، لقي عقابا لم يُعرف في التاريخ، فهومات طبيعيا في سبتمبر 1658 لكن البريطانيين، وبعد استعادة الملكية بعد عدة سنوات، استخرجوا رفاته من القبر ليعلقوها في مشنقة الإعدام.
ترى، لو طبّق هذا في بلد نعرفه جميعا، كم رفاتا سنراها على المشانق؟.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 18051

العدد 18051

الأربعاء 18 سبتمبر 2019
العدد 18050

العدد 18050

الثلاثاء 17 سبتمبر 2019
العدد 18049

العدد 18049

الإثنين 16 سبتمبر 2019
العدد 18048

العدد 18048

الأحد 15 سبتمبر 2019