كلمة لابد منها

وظّف التّعليم فدية مقابل إطلاق سراح أسرى بدر

بقلم: الطاهر عرفة مفتّش التّربية سابقا / قسنطينة

إلى كل الذين يتنكّرون لمهنة التّربية


  إنّ التربية، بمفهومها الحضاري، مهنة شريفة، مهنة الرسل، رسل الحضارة. فقد صنّفت الكنيسة ممتهنيها في منزلة القديسين،  وصنّف الإسلام ممارسيها مع رجال الدين أيضا، وقد كانت، ولا تزال، تمارس في المساجد والكتاتيب. وقد وظّف التعليم كفدية مقابل إطلاق سراح بعض أسرى بدر، فقد جعل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فداء بعض الفقراء من أسرى بدر الذين تعذّر عليهم دفع الفدية، وكان بعضهم يعرفون القراءة والكتابة والأمة الإسلامية، آنذاك، لم تكن تعلّمت بعد ومن يقرأ ويكتب إنما هم قليل، فكان يفتدي هؤلاء المشركين بأن يعلم كل منهم عشرة من غلمان المدينة المنورة مقابل إطلاق سراحه.
إنّ التربية أمانة وأن الطفل أمانة، وأن الأمة أمانة، وأن رجال التّربية مطالبون ـ دينيا ودنيويا ـ بأداء الأمانات إلى أهلها.
إنّ الذي أساء لهذه المهنة هو ربطها بأغراض مادية ذاتية محضة والنظر إليها، حاليا، على أنها وظيفة وليست رسالة، بحكم طغيان المادة ـ ومن ثم أصبح معظم ممتهنيها ينظرون نظرة قصيرة جدا لا تتجاوز أنوفهم، ودخل بينهم صراع من أجل غرس لا جني منه إلا النتائج السلبية التي عادت على أفراد المجتمع بالسوء والانحراف.
لقد انتقلت هذه العدوى إلى العلاقة بين أفراد الأسرة الجزائرية، التي فقدت فيها الزعامة الأبوية، كما شملت المجتمع أيضا، فلم يعد أحد يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر، إلا ما رحم ربي، حتى ولو حاول ذلك فسيجد نفسه في وضع لا يحسد عليه أو قل هو شاذ. وهذا تحت لواء الديمقراطية وحقوق الإنسان التي غزت العالم المعاصر كغزو «الحضارة» لشعوب العالم الثالث في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حيث تمّ تصدير «الحضارة» إلى الشعوب على أفواه مدافع  105 ملم وفي طرود مقنبلات      .
فمن الحياء والحرمة أن كان أفراد الأسرة يستحون من مشاهدة الأفلام التلفزيونية مجتمعين، حياءً واستحياءً إلى أن أصبح كل فرد في الأسرة يشاهد فلمه على تلفازه الخاص به، ليس حياء من بعضنا البعض ولكن للخلاف والاختلاف والتصادم والتصارع حول نوعية ووضعية ما نشاهد.
لا يمكن الاعتقاد أو الظن بأنّ أن هذه التصرفات هي انعكاس للديمقراطية وحرية الفرد داخل الأسرة أو المجتمع بقدر ما تعبر عن تباعد وتنافر بين أفراد أسرة يأويهم سقف واحد وتجمعهم مائدة واحدة وقد يشربون في إناء واحد.
إنّه الاختلال في التوازن بين التعليم والتربية، فحين كانت نسبة التعليم في الجزائر في بداية الاستقلال لا تتجاوز 10 % كانت نسبة التربية والحياء تتجاوز 90 % سواء على مستوى الأسرة أو المدرسة  أو المجتمع بشكل عام. أما الآن وقد بلغت نسبة التعليم في الجزائر أكثر من80 %، فإن نسبة التربية والحياء تدنت إلى ما دون10 %. إنّها الكارثة، إنّها النظرية العكسية، ما الحــل؟
إنّ الحل الوحيد، في نظرنا، هو العودة إلى مشتلة المجتمع، إلى المدرسة ــ مع إخراجها من بالوعة السياسة ــ وإعطائها، مع طاقمها التربوي، فرصة قيادة التربية في المجتمع، على أن يمنح هذا الطاقم تكوينا في الوطنية ـ كما يمنح  الجندي في الثكنة ـ مع تكوين في مادة الضمير المهني التي ظلت في مناهج  تكوين المعلمين حتى أواخر الثمانينات حيث حذفت مع الأسف.
إنّ الفسيلة التي تهملها منذ غرسها ولا تتعهّدها طيلة مراحل نموها بالعناية الضرورية لضمان نمو سليم لها لا شك ستنضج مشوهة عرجاء، فلا تنتظر منها خيرا ولا تنتظر منها أن تستقيم، لا تعتقد مغترّا أنك تستطيع إصلاح اعوجاجها بالإكثار من مؤسسات الضبط المختلفة وحدها.
إنّ الأمّة التي لا تنطلق من العناية المطلقة بهذه المشتلة أو التي تنظر إليها على أنها قطاع غير منتج، لا يجوز لها أن تنتظرا خيرا من المدرسة، وعليها أن تستحي من محاسبتها على نتائجها مهما كانت سلبية، وأن ما ستنتجه سيعود عليها وبالا ودمارا لا علاج له إلا الانهيار الحضاري.
 نأمل أن تعطى التربية، مع رجالها، ما يمكنها من أداء رسالتها الحقيقية وقيادة المجتمع بعيدا عن الأهوال التي تعصف بها اليوم نتيجة تسييسها.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18104

العدد18104

الأربعاء 20 نوفمبر 2019
العدد18103

العدد18103

الثلاثاء 19 نوفمبر 2019
العدد18102

العدد18102

الإثنين 18 نوفمبر 2019
العدد18101

العدد18101

الأحد 17 نوفمبر 2019