من أعلام الفكر الإسلامي في القرن العشرين

الأفكار المقدّسة والثّورية لمنظر النّهضة الإسلامية مالك بن نبي

بقلم الأستاذ: عبد القادر حمداوي باحث في التاريخ

من أعلام الجزائر، قام بإسهامات عديدة في العلم، وفي مختلف المجالات على فترات متعاقبة الزمن، كانت علمية تطبيقية أو دينية أو لغوية أوفلسفية أو تطبيقية أو اجتماعية، فقد قدّم كتبا كثيرة أضحت مرجعا أساسيا للبحوث في النهضة الفكرية، إنّه المفكّر الكبير مالك بن نبي، الذي نقف عند مساره وأفكاره الصّالحة لزماننا الراهن والمستقبل.
ولد مالك بن نبي في الفاتح جانفي سنة 1905، وترعرع في أسرة محافظة بمدينة قسنطينة، وكان والده موظفا في القضاء، حيث تحوّل إلى مدينة تبسة. التحق بتبسة بكتّاب تحفيظ القرآن الكريم لمدة أربع سنوات ثم الدراسة في المدرسة الفرنسية إلى أن تم تعليمه الابتدائي.
مكّنه تفوّقه الدراسي من الحصول على منحة لمواصلة الدراسة في مدينة قسنطينة، التي كانت معلما للثقافة العربية الإسلامية قبل الاحتلال، وهناك بدأ يتعرف على الثقافة الفرنسية، وما أن أنهى تعليمه الثانوي عام 1925م، سافر إلى فرنسا لكنه عاد إلى الجزائر لعدم حصوله على فرصة عمل، وفي عام 1930 سافر إلى فرنسا مرة أخرى لمواصلة الدراسة، غير أنه لم يستطع الانتساب إلى معهد الدراسات الشرقية، فتوجه إلى مدرسة اللاسلكي حيث حصل على شهادة مهندس كهربائي عام 1935م.
كانت جهود مالك بن نبي في بناء الفكر الإسلامي الحديث، وفي دراسة المشكلات الحضارية متميزة سواء من حيث المواضيع التي تناولها أو من حيث المناهج التي اعتمدها في ذلك. مفكر جزائري أحدث نقلة نوعية في الفكر الإسلامي الحديث، وأسّس مفاهيم فكرية وفلسفية غير مسبوقة، لقّب بألقاب عديدة منها فيلسوف العصر، وفقيه الحضارة ومنظر النهضة الإسلامية، وتعرّف خلال إقامته في باريس على فتاة فرنسية أسلمت على يديه وسمّت نفسها خديجة فتزوّجها، لكنها لم تنجب فتزوّج مرة ثانية في مصر عام 1956م.
وكان مالك بن نبي أول باحث حاول أن يجدّد أبعاد المشكلة، ويحدّد العناصر الأساسية في الإصلاح ويعيد في البحث عن العوارض، وكل ذلك أول من أبدع منهجا محددا في بحث مشكلة المسلمين على أسس من علم النفس والاجتماع والتاريخ.
مالك بن نبي، من أعلام الفكر الإسلامي في القرن العشرين، فهو يعد من روّاد النهضة الفكرية الإسلامية، ويمكن اعتباره امتدادا لابن خلدون، ويعد من أكثر المفكّرين المعاصرين الذين نبّهوا إلى ضرورة العناية بمشكلات الحضارة.
انغمس مالك بن نبي في الدراسة وفي الحياة الفكرية واختار الإقامة في فرنسا، شرع يؤلّف الكتب في قضايا العالم الإسلامي فأصدر كتابه «الظاهرة القرآنية»، في سنة 1946 ثم «شروط النهضة» في 1948 باللغة الفرنسية، وقد ترجم الكتاب إلى العربية عام 1960م،وقد أضاف فصلين إلى النسخة العربية الذي طرح فيه مفهوم القابلية للاستعمار ووجهة العالم الإسلامي 1954م.
أما كتابه «مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي»، فيعتبر من أهم ما كتب بالعربية في القرن العشرين، انتقل إلى القاهرة هاربا من فرنسا بعد إعلان الثورة الجزائرية سنة 1954 تاركا وراءه زوجته التي رفضت مرافقته للقاهرة، وأما فرنسا التي لم يعد إليها إلا في سنة 1971.
الأستاذ مالك بن نبي هو من الأبطال الذين قاموا بأدوارهم من أجل الطموح واكتساب المجد وإرضاء العقيدة، فهو العالم المفكّر الرّصين المرشد المطلع الجامع لأشتات العلوم.
وقد ألقى محاضرة مشهورة في نادي قدماء الصادقية في موضوع شروط النهضة، فبهر الناس بأفكاره بحيث جعلت المؤرخ التونسي الوزير المرحوم الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب يعلّق على المحاضرة بالثناء الجسيم على المحاضر، معلنا أنه يشهد أن المسلمين لم يعرفوا أفكارا مثل هذه الأفكار التي قدّمها مالك بن نبي، منذ الفيلسوف الاجتماعي ابن خلدون، فالمفكر الكبير الجزائري الذي يعلو إلى الأفق بالحياة العلمية التي تواكب الحضارة الإنسانية.
ذلك هو مالك بن نبي المثقّف الذي تعدّدت مواهبه وتلوّنت معارفه، كان مفكّرا عالما متواضعا ورعا رغم المحن التي اعترضته بكثرة اطلاعه وإتقانه في تأليف الكتب لم تشغله الأزمات عن التأليف فقد خلف كتبا عديدة.
وحينما يقول: أنّ الانحراف عن الطريق الصحيح للنهضة إنما تمّ حينما غيّبت الفكرة ليحل محلها الشخصي.
ويؤكّد أن النهضة لا تتحقق إلا بإيجادهم منهجا قادرا على إحداث تركيب تفاعلي بين شروط النهضة المتمثلة في الإنسان والتراب والوقت.
والمتتبّع لمسيرة حياة مالك بن نبي يدرك أن هذه الحقيقة التي كتب عنها بدراسة مستفيضة وصحيحة لهذه اللغة العربية الفلاذية رغم صعوبة الطريق لكن ما يملكه من الإيمان وجهد متوال تخطى كل العقبات التي اعترضته.
كانت وظيفته المبنية على أساس من العلم والخبرة اختيرت اختيارا مناسبا حسب مجال العمل الخاص، وهي تتطلب مهارات وتخصصات معينة ويحكمها قوانين وآداب لتنظيم العمل به، كما يمكن تعريفها بأنها الحرفة التي بواسطتها تعرف إمكانية تطبيق المعرفة والخبرة.
واليوم في ماليزيا تطبّق مناهج الحضارة عند مالك بن نبي، وبعد 33 عاما من الهجرة يعود مالك بن نبي إلى وطنه الجزائر بعد الاستقلال، حيث تقلّد مناصب عديدة منها مستشار التعليم العالي، مدير جامعة الجزائر.
وفي سنة متأخّرة صمّم بن نبي على تعلم اللغة العربية، ونجح في ذلك وأول كتاب ألّفه باللغة العربية «الصراع الفكري في البلد المستعمر»، وواظب على عمله الفكري، إلا أن الإجهاد أخذ منه مأخذا.
وتوفي في 31 أكتوبر 1973م، كانت حياته مليئة بالنهضة الفكرية القوية من المحيط إلى الخليج، وبهذه الإلمامة المقتضة والتي ينبغي أن تكون أحكام محل اهتمام.
مالك بن نبي من علماء المسلمين قام بإسهامات عديدة في العلم، وفي مختلف المجالات على فترات متعاقبة الزمن، كانت علمية تطبيقية أو دينية أو لغوية أوفلسفية أو تطبيقية أو اجتماعية، فقد قدّم كتبا كثيرة أضحت مرجعا أساسيا للبحوث في النهضة الفكرية.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18223

العدد18223

الأربعاء 08 أفريل 2020
العدد18222

العدد18222

الثلاثاء 07 أفريل 2020
العدد18221

العدد18221

الإثنين 06 أفريل 2020
العدد18220

العدد18220

الأحد 05 أفريل 2020