تطور مسار الحركة الطلابية في الجزائر

من الفكــر الوطنـي إلى تبنـي الفكـر الثـوري

بقلم:  محمد بوعزارة الحلقة ٢ والأخيرة

و قد تعرض عدد من الطلبة للاعتقال و التعذيب و القتل مع اندلاع الثورة كما هو الحال مع الراحل محمد إبراهيم قاسم زدور الذي كان من بين أوائل طلبة المشرق العربي الذي انظم للثورة ،
تخرج من كلية الآداب بجامعة القاهرة عام 1953 و عاد للجزائر حيث كان يجيد عدة لغات، و يرجح أنه هو الذي كان وراء ترجمة النشيد الوطني قسما من الفرنسية إلى العربية.
 جرى اعتقاله يوم 6 نوفمبر و اغتيل تحت التعذيب،  و جرى إخفاء جثته من قبل سلطات الاحتلال إلى غاية يوم 30 نوفمبر1954 عندما وجدت مرمية في ضواحي العاصمة، فكان بذلك أول طالب شهيد.
 كانت الأفكار الثورية تختمر في نفوس مئات الطلبة الجزائريين الذين كانوا يزاولون دراستهم بالجامعة الجزائرية و بالعديد من الجامعات الفرنسية و بجامع الزيتونة في تونس و القرويين بالمغرب مثلما كان ذلك حال عدد من الطلبة الذين توجهوا للمشرق و خاصة للقاهرة يدرسون بجامع الأزهر و بعدد قليل من الجامعات المصرية ، قد التحق 12 طالبا منهم بصفوف الثورة على عدة دفعات بتأثير مباشر من طرف جبهة التحرير الوطني و توجيه من قبل الرئيس الراحل أحمد بن بلة  و محمد خيضر .
و أود أن أسجل هنا للتاريخ أن الطالب محمد بوخروبة الذي أصبح يحمل اسم هواري بومدين التحق بصفوف الثورة صحبة أربعة من رفاقه مع نهاية 1954 بعد تربصٍ سريع في معسكر يدعى أنشاص بمصر قبل أن يلتحق بالغرب الجزائري و يستخلف العقيد بوالصوف رحمه الله في قيادة الولاية التاريخية الخامسة ثم يصبح رئيسا لأركان جيش التحرير الوطني نهاية 1959 ، ثم يكون أول وزير للدفاع الوطني عقب استعادة الاستقلال في 1962، و قد تبعه عدد من زملائه الطلبة من أمثال سعد الدين نويوات و  المدني حواس و رشيد النجار و عثمان سعدي  و هذا قبل تأسيس الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين في صائفة 1955 ، مثلما كان عليه الحال مع الهادي حمدادو الذي قاد باخرة آتوس ، ثم الدكتور عميمور الذي التحق بصفوف الثورة في 1957 مع عدد من رفاقه بالحدود الجنوبية مع ليبيا الشقيقة .
و بخصوص المؤتمر التأسيسي للاتحاد العام للطلبة المسلمين  الجزائريين UGEMA المنعقد في الـ 14 جويلية 1955 بباريس يؤكد السيد محمد رزوق الذي كان أحد المؤسسين أن السيد بلعيد عبد السلام و الأمين خان قد لعبا دورا محوريا في التحضير لهذا المؤتمر ، و أن التنسيق كان يجري مع المرحوم عبان رمضان بهذا الشأن، و أن التنظيم كان بالرغم من ولاء معظم المشاركين فيه للخط الثوري لجبهة التحرير الوطني، إلا أنهم أرادوا الظهور بالاستقلالية عن أي توجه سياسي حتى لا يكون ذلك مبررا للسلطات الاستعمارية لحله و اعتقال الطلبة المؤسسين له .
و يتحدث الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي في كتابه «مذكرات جزائري» في الجزء الأول المعنون ب «أحلام و محن»، عن الظروف التي عقد فيها المؤتمر التأسيسي للاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين، و الذي كان أول رئيس للمؤتمر ، فيذكر أن النضال أصبح ابتداء من صيف ذلك العام فوق أي اعتبار .

حقائق يكشفها الكاتب الأمريكي كليمون مور هنري

لقد دار جدل كبير بشأن ما اصطلح عليه بحرف الميم m   أي عبارة الطلبة المسلمين الجزائريين ، ويبدو مما استقيته من ألسنة بعض من شاركوا في التحضير و في وضع وثيقة المؤتمر أن ذلك كان يهدف إلى تحقيق غايتين أولاهما تكتيكية و الثانية هي إبراز هوية الانتماء لحضارة و تاريخ الشعب الجزائري في ظل وجود تنظيمات كانت تحمل رؤى و إيديولوجيات بعيدة عن قيم الشعب الجزائري .
و الملاحظ أنه بالرغم من أن الدكتور طالب كان ينتمي إلى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لكونه نجل الشيخ الإبراهيمي ، إذ أن هذا الأخير بالرغم من أنه كان يؤيد الثورة إلا أنه لم يكن منسجما و لا متعاطفا مع جبهة التحرير الوطني ، و لذلك فبالرغم من هذه الخلفية فإن الدكتور طالب وجد نفسه ينساق مع التيار العام للطلبة و مع الخط الثوري الذي تبنته جبهة التحرير الوطني .
و لابد هنا أن أسجل كما ورد ذلك في الوثيقة الهامة التي تضمنها الكتاب الضخم الذي وضعه الكاتب الأمريكي كليمون مور هنري بعنوان : الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين UGEMA و كذا بعض شهادات بعض من حضروا ذلك المؤتمر أن مؤسسي هذا التنظيم هم :
محمد فرادي، الأمين خان، عبد السلام بلعيد، رضا مالك، أحمد طالب الإبراهيمي، مولود بلوان، الأخضر براهيمي،  الطاهر حمدي، الطاهر فايدي ، محمد بغلي، محمد رزوق ،عبد المالك بن حبيلس ،محمد بن يحي، حسين بوزاهر ،الهاشمي بونجار.
وقد ذكر الدكتور عمار بوحوش في كتابه: «شاهد عيان على مشاركة الطلبة في ثورة التحرير الجزائرية 1954 ــ 1962 أن قيادة الاتحاد ضمت كلا من :
ــ أحمد طالب الإبراهيمي رئيسا.
ــ العياشي ياكر نائبا للرئيس.
ــ مولود بلوان كاتبا عاما .
ــ عبد الرحمن شريط نائبا له.
محمد منصور أمين المال.
و إذا كانت كل الأسماء التي ضمتها تلك الهيئة تولت عقب استعادة الاستقلال مسؤوليات عديدة ، فإن الدكتور محمد منصور المنحدر أصلا من تلمسان تفرغ لمهنة الطب و ترك العمل السياسي حسبما أكده لي الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي بنفسه.
وحسب بعض الشهادات التي سجلتُها لبعض أعضاء ugma فإن طلبة جامعة تولوز كانوا هم الوحيدين الذين قاطعوا المؤتمر بسبب تأثيرات الحزب الشيوعي الجزائري و الحزب الشيوعي الفرنسي و كذا بعض العناصر التابعة ل udma الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري لفرحات عباس التي لم تكن متحمسة لذلك المؤتمر، والتي كانت ترى أنه لابد من أن ينصرف اهتمام الطلبة للدراسة بدلا من ممارسة النضال السياسي .
و حسب السيد محمد رزوق المدير العام الأسبق للإذاعة و التلفزيون فإن عددا من الطلبة الجزائريين الذين لم يؤيدوا الإضراب في بداية الأمر سرعان ما انخرطوا في العمل النضالي و خاصة بعد الجهد الذي قام به السيد بلعيد عبد السلام لإقناعهم ، و من بين هؤلاء عبد الله خوجة الذي أصبح وزيرا للتخطيط و عبد العزيز معاوي الذي تولى حقيبة السياحة عقب استعادة الاستقلال .
و قد خاطب رئيس المؤتمر الدكتور طالب المندوبين بقوله : «إنْ كانت عبارةُ الخارجون عن القانون والمتمردون و العصاة يُقصد بها مَنْ يُطالبون بحقهم في الحرية ، و الذين يكافحون من أجل سيادتهم ، فالجزائريون كلهم خارجون عن القانون و عصاةٌ بما فيهم الطلبة «.
و عقد المؤتمر الثاني للاتحاد في الفترة الممتدة من 24 إلى 30 مارس 1956، و انتخب قيادة جديدة برئاسة مولود بلوان «الهلال الأحمر الجزائري « ، و تولى الأخضر الإبراهيمي منصب نائب رئيس الاتحاد .

التحول الثوري ..

و قد صرح محمد خميستي الذي ترأس أشغال المؤتمر الثاني للاتحاد الذي جرت فعالياته من 24 إلى 30 مارس 1956 و الذي أصبح أول وزير لخارجية الجزائر عقب استعادة الاستقلال بأنه لا يمكن لنا مواصلة الدراسة و قيود العبودية الاستعمارية تقيد أرجلنا.
 و في واقع الأمر فإن قيادة جبهة التحرير الوطني لم تكن غائبة عن متابعة مسار  تنظيم طلابي يتبنى فكرها الثوري ، إذ كانت بصماتها واضحة في تركيبته البشرية و في توجهاته الثوري.
و قد ألقى محمد الصديق بن يحي الذي أوفدته جبهة التحرير الوطني الذي قاد وفد الطلبة الجزائريين بمدينة الجزائر خطابا ثوريا مدويا دعا فيه المؤتمرين خلال جلسة مغلقة إلى الإفصاح صراحة عن مساندتهم للثورة الجزائرية علانية و تأييدهم الكامل لاستعادة استقلال بلادهم و دعوة الطرف الفرنسي للشروع في إجراء مفاوضات مع قيادة جبهة التحرير الوطني.
و قام بن يحي في نهاية أشغال المؤتمر يتقديم أعضاء القيادة الجديدة إلى المرحوم صالح الوانشي المسؤول الأول عن فدرالية جبهة التحرير الوطني بفرنسا، و أكد لهم بأنه هو المنسق الوحيد المكلف من قبل الجبهة بالتنسيق مع مختلف فروع الطلبة بفرنسا.
و مع تزايد القمع أصدر الاتحاد في الـ جانفي 1956 بيانا شديد اللهجة أكد فيه أن الاستعمار هو مصدر التعاسة و الأمية ، و كان من بين أهم مطالب ذلك البيان :
1 ــ إعلان استقلال الجزائر.
2 ــ إطلاق سراح جميع المعتقلين و المسجونين الوطنيين.
 ٣ ـ الشروع في مفاوضات مع ممثلي «ج ت و.»
وقد أدت الأعمال الدامية التي تسبب فيها بعض الطلبة الأوروبيين المتطرفين المساندين للطروحات الاستعمارية إلى حدوث تحولٍ جذري في صفوف الطلبة الجزائريين ، حيث أصدر الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين يوم الـ 18 ماي 1956 بيانا تاريخيا يتضمن نداء ثوريا يدعو فيه الطلبة الجزائريين إلى شن إضراب عام و مقاطعة الدراسة و الامتحانات و الالتحاق بصفوف جيش التحرر الوطني.
و مما جاء في البيان : «إن الشهادات التي ننالها لن تفيدنا في شيء ، و لن تجعلنا بأي حال من الأحوال جثثا ذات مستوى راق» .
و قد أحدث هذا القرار الثوري الذي التحق بموجبه مئات الطلبة بصفوف الثورة ابتداء من الـ 19 ماي 1956 زلزالا في صفوف السلطات الاستعمارية ، إذ تحول هذا التنظيم الطلابي بذلك إلى قوة إسناد داعمة للثورة سواء من حيث التأطير أو التنظيم أو الدعاية .
و إذا كان التحاق الطلبة بالثورة قد أحدث قلقا بل وهلعا كبيرا في صفوف سلطات الاحتلال، فإنه لقي ارتياحا كبيرا لدى جبهة التحرير الوطني التي التأمت قيادتها في مؤتمر الصومام في 20 أوت 1956 وتضمن بيانها بهذا الشأن ما يلي:
إن التفاف المثقفين الجزائريين حول الثورة لا يمكن أن تكون له تفسيرات أخرى سوى أن الفرنسة لم تؤثر عليهم و لم تستطع أن تقتل لديهم الروح الوطنية التي يتمتعون بها فطريا ، و على الجبهة أن تحدد للطلاب و الطالبات مهام تتماشى مع تكوينهم الثقافي و العلمي : سياسية و إدارية و ثقافية و صحية واقتصادية و غير ذلك .
وقد كانت دعوة مؤتمر الصومام إلى الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين  للقيام بدور محوري في تجنيد الطلبة ضمن المهام التي تتطلبها منهم الثورة فرصة لهذه الحركة الطلابية لتتبنى بوضوح خط الجبهة ومن ثمة تيار الثورة .
و هكذا فإن تبني الاتحاد لخطه الثوري الجديد بشكل علني واضح شكل أكبر الإسهامات لصالح ثورة أول نوفمبر في مختلف الميادين ، كما كان انضمام هذه الشريحة المتعلمة أحد العناصر التي أفسدت خطط المحتل وعجلت بنهاية الليل الاستعماري البغيض من فوق أرضنا و أعطت للثورة ولجبهة التحرير الوطني بذلك قوةً و مناعةً فكرية ومعنوية ومادية رغم جميع المحاولات و المؤامرات و الدسائس التي قام بها الاستعمار و أعوانه و أدواته الجهنمية لإدخال الشك والريبة بشأن انضمام هذه الشريحة الواعية و المثقفة ضمن التيار الثوري الشعبي الشامل لمواجهة المحتل.
صحيح أن السلطات الاستعمارية حاولت شل الحركة الطلابية من خلال الإقدام على حل التنظيم الطلابي في شهر جانفي 1958 و توجيه تهمة الإخلال بالأمن العام لمسيريه و من ثمة الزج بهم جميعا في السجن بعد إحالتهم على المحكمة في جويلية 1959،  و لكن كل ذلك لم يثن الطلبة على أن يصبحوا في طليعة كفاح الشعب الجزائري الذي توجت ثورته بالانتصار و استعادة الاستقلال في جويلية 1962.  
*كان من المفترض أن ألقي نص هذه المحاضرة في الأغواط، و لكن شاءت الأقدار تأجيلها بسبب جائحة الكورونا، ولذلك فضلت  أن أنشرها تعميما للفائدة بمناسبة ذكرى احتفال الطلبة الجزائريين بذكرى التحاقهم بثورة أول نوفمبر في الـ 19 ماي 1956.
                                           ( انتهى )

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18299

العدد18299

الأربعاء 08 جويلية 2020
العدد18298

العدد18298

الثلاثاء 07 جويلية 2020
العدد18297

العدد18297

الإثنين 06 جويلية 2020
العدد18296

العدد18296

الأحد 05 جويلية 2020