الحـراك الشعبي وملامح المستقبل

بقلم: د. محمد العربي ولد خليفة

الحراك الشعبي: التوقيت والخصوصية

شهدت نهاية العقد الماضي صحوة شعبية واسعة النطاق، لم تتنبأ الأغلبية من الطبقة السياسية بمختلف فصائلها، ومخابر الرصد المهتمة بشؤون الجزائر بتوقيتها وحجمها وأطياف المجتمع المشاركة فيها، مشاركة تجاوزت كل التوقّعات.

لقد تجنّدت في صفوفها جحافل من الشباب والأقلّ شبابا من النساء والرجال والعديد من فعاليات المجتمع المدني المعروفة بنشاطها الميداني، وجدت صداها في بعض وسائل الإعلام والاتصال الاجتماعي الواسعة الانتشار التي تابعتها أو ساهمت فيهاـ

أخذ ذلك التجنيد اٌسم حراك وهو مصطلح شاع اٌستعماله في المنطقة وخارجها وبنفس حروفه في كثير من اللغات، إنه عنوان انطلاقة من صنع جزائري محض في صيرورته وفي أشكال تنظيمه وما تميّز به من حسّ مدني واٌنضباط أخلاقي أثار اٌهتمام المتابعين، وخاصة عند مقارنته بما حدث ويحدث إلى الآن في بلاد أخرى ليست بعيدة جغرافيا وأخرى تراقب من وراء البحر.

لقد خرج الحراك من صلب الشعب ولم يدفع إليه أي طرف من الخارج، أو يتمكّن من التأثير على مساره السلمي، على الرغم من محاولة أطراف التلويح باٌنهيار الدولة الوطنيّة وجمهوريتها البنت البكر لثورة أول نوفمبر 1954 والتخويف ببداية حرب أهلية تعيد الجزائر إلى عشرية الخراب والدماء والآلام قبل ثلاثين عاما، وزحف قوارب المهاجرين والشروع في تحضير مخططات التدخل لحفظ الأمن والاٌستقرار!

وهذا ما كان ينتظره البعض من داخل الإقليم الذي ننتمي إليه، من الذين يدفعهم سوء التقدير وقبول الخدمة التابعة (Soutraitance) للقوى الكبرى إلى التوقّع بأنّ إضعاف طرف في المنطقة يعني قوة لهم والحقيقة الثابتة من خلال وقائع تاريخنا أن الجزائر ليست بلدا عدوانيا، مجتمعا ودولة، وباٌستثناء حربه العادلة والمشروعة ضد الطغيان الكولونيالي التي كانت آخر خيار للوطنيين الجزائريين، كما ورد في البيان التاريخي الذي تضمّن التشخيص والمبادئ والأهداف والإنذار الصارم للاٌحتلال، ولكن هذه المسيرة المثالية والرغبة الصادقة في بناء علاقات سلمية لا تعني الضعف أو الخوف فويل لمن يدفعه الطمع والغرور للتحرش ببلد شعبه هو جيشه وجيشه هو شعبه، على اٌمتداد خارطته الجغرافية وما مغامرة 1963 عنّا ببعيد.

في طوفان الحراك الذي غمر أغلب مدن الجزائر وأوصل بعض المؤسسات إلى عزلة أفقدتها الشرطين الأساسيين للعلاقة بالشعب وهما الثقة والمصداقية، لم تبق سوى المؤسسة العسكرية لحماية كيان الدولة الوطنيّة أعظم مكاسب الثورة وتضحيات أجيال من النساء والرجال في عالم لا يرحم الضعفاء العاجزين عن حلّ مشكلاتهم الداخلية بطريقة عقلانية وتحترم الشرعية مهما كانت نسبتها المئوية في المؤسسات القائمة.

لقد اٌضطرت المؤسسة العسكرية للقيام بدورها بدون أن تتجاوز مهامها المنصوص عليها في الدستور، وبقيت طوال تلك السنة العسيرة الحارس الأمين لكيان الدولة ورموزها السيادية التي هي فوق الأشخاص والمناصب، فإن كان للأشخاص مسؤوليات وأدوار واٌجتهادات في خدمة الدولة، فإن الدولة الوطنية هي المجال الحيوي الوحيد بمؤسساته الديموقراطية الذي يعطي للقادة والمسؤولين قيمة راهنة أو تاريخية، وليس أوصافا مثل عظمته وجلالته وفخامته وحتى ملك الملوك، فقد أنهى شاه إيران حياته مشرّدا وكان من الصعب إيجاد قبر يدفن فيه.

لا يحتاج حرص المؤسسة العسكرية على حماية الدولة من التفكك إلى مرافعة، فقد تمسّكت بالمسار الإجرائي وفق القوانين السارية المفعول، وفي مقدمتها الدستور، في وضعية تهدّد باٌنسداد خطير لا تحمد عقباه؛ فقد قام ذلك الموقف على واقع ومعاينات:

أولها بديهي يستغني عن البرهانTautologie ، وهو أن الجيش يتكوّن من أفراد وقيادات هم قبل الخدمة وأثناءها مواطنون يخضعون لتنظيم داخلي خاص، فيه ما هو مشترك ومطبّق في مختلف الجيوش النظامية في العالم، وفيها ما هو خاص كما هو الحال في الجيش الوطني الشعبي الذي تكوّن من السلالة النقيّة من أبناء وأحفاد جيش التحرير الوطني، وليس من الإنكشارية، ولذلك لا يمكن أن يكونوا محايدين أو يبقوا مجرّد متفرّجين على ما يتعرّض إليه وطنهم من محنة أو اٌمتحان.

ثانيها أن ما حدث ويحدث في محيط الجزائر القريب وعلى مستوى المنطقة في السنوات الأخيرة يرسل اٌنذارات واضحة تدعوا إلى الحذر والاٌنتباه إلى أن اٌستمرار الصراعات الداخلية والانٌشطارات التي تمهد لظهور الكانتونية والطائفية الاٌنعزالية والدّوس العلني والمخفي على حقوق وواجبات المواطنة، كل ذلك يدفع بالبلاد إلى دولة اللاقانون.

ثالثها: إن تفاقم الصراعات الداخلية حول معالم الماضي وغموض آفاق المستقبل والبحث عن نقطة الصفر بهدف البحث عن بداية أخرى، قد يكون وجهة نظر تدفع إليها الإحباطات القديمة أو الحديثة أو المقارنة مع بلدان أخرى تمارس جاذبية فكرية وإيديولوجية على بعض نخبنا المفكرة والسياسية ومهما كانت صدقية وحماسة المنادين بضرورة العودة إلى نقطة الصفر فإن مسألة الفراغ أو العدمية (Nihilisme) تعرّض الجزائر إلى أخطار جسيمة أكثر مما تقدم من حلول، فإذا أصيب الجسم أو عضو فيه بمرض فإن الحكمة والطب القديم والحديث يجتهدان في علاجه أولا وليس الإسراع في قتله، فليس كلّ ما سبق خطأ واٌنحرافات وليس كلّه نجاحات واٌنجازات.

رابعها: إن اٌستمرار تلك الصراعات واٌنفراط المجتمع إلى فصائل متقابلة قد يوصل البلاد إلى مرحلة الدولة الفاشلة أو تصنف ضمن الدول المارقة (Core States)، وهو ما تنتظره القوى الكبرى لفرض سيطرتها بدعوى حفظ الأمن والاٌستقرار وبالتالي التقليص من سيادة الوطن وفرض الوصاية عليه تحت غطاء المنظمات الدولية أو خارجها، وهو ما تعرّضت له بلدان في المنطقة تواجه شعوبها أوضاعا مأساوية، وهو ما أدركته المؤسسة العسكرية وسعت للحماية منه قبل فوات الأوان.

لقد كانت هناك تجربة مريرة خلال التسعينات، ينبغي أن لا تتكرر، كما سبقتها وأعقبتها إنذارات تدعو إلى اليقظة والحذر نذكر منها الاٌعتداء الإرهابي الغادر على منشأة تكنتورين للمحروقات في جانفي 2013 التي كانت اٌختبارا مباشرا لمدى كفاءة الحزام الأمني لعمق الجزائر الاٌستراتيجي، وقد وجد الردّ الحاسم من قوات الجيش بسرعة وكفاءة لم تحظ بما تستحقه من دراسة من المختصين في ظاهرة الإرهاب والذين يحركونه ويستفيدون مما يتركه من خراب، وخاصة في منطقة الساحل الإفريقي وليبيا وشعبها الشقيق المهدّد بالفوضى وضياع السيادة الوطنية.

إنّ وصف الحراك بأنّه صحوة شعبية فاجأت أغلبية الناشطين في الميدان السياسي بتوقيتها وحجمها يتطلب ملاحظتين لرفع الاٌتهام والاٌلتباس|:

 أولاهما أن المجتمع الجزائري لم يكن في غيبوبة أو في حالة تخدير فقد كانت مطالب التغيير تتراكم وتظهر بصور متفاوتة من الاحتجاج في مناطق كثيرة من الجزائر العميقة، وبالقرب من دوائر السلطة المحلية وأحيانا المركزية.

وثانيتهما أن السطح الظاهري الهادئ نسبيا كان يغطي مؤقتا أمواج الأعماق الغاضبة، فقد اٌقترن تاريخ الشعب الجزائري الطويل بثلاث خصائص متلازمة هي الصّبر والإرادة والغيرة على الكرامة المرادفة للشرف الفردي والجماعي، وهو ما جعل الجزائريين شعبا شديد المراس، كما يظهر ذلك جليّا في مختلف مراحل تاريخه التي كان في أغلبها في حالة دفاع عن النفس ضد العدوان الخارجي، ومن آخر فصوله المغامرة العدوانية في سنة 1963 التي برهنت على أن الجيش هو الشعب وأن الشعب كله هو الجيش عندما تتعرض وحدة الجزائر أرضا وشعبا للتهديد.

الحراك: توافق حول ضرورة التغيير واٌختلاف في مدلوله ومداه

إن المشاركة الواسعة في أسابيع الحراك المتتالية طوال سنة كاملة، لا تعني أنه كان كتلة صمّاء، فقد كان مطلبها الجامع هو المطالبة بالتغيير، أما كيف؟ وإلى أي نموذج أو أي نظام سياسي؟ فإن الاتجاهات والمواقف تتوزع، بعضها يجد جذوره في تشكيلات الحركة الوطنية في أوائل القرن الماضي، أو في مسيرة الثورة وحرب التحرير وسجل ما بعد التحرير وحصيلة كل مرحلة فيه وحساب النتائج حسب الموقع على الخريطة السياسية والانتماء الإيديولوجي.

هناك بالتأكيد عوامل أخرى من بينها جاذبية الحشد التي تغمر الفرد وتدفعه لتبني التيار الغالب في الجماعة، وهذه من المواضيع التي اٌهتم بها الباحثون في علوم الاجتماع، وخاصة علم النفس الاجتماعي، ويستفيد من أبحاثها المعنيون بمسائل الأمن في الداخل واٌكتشاف درجة "حرارة الطقس" في بلدان أخرى.

لم تكن تلك المراحل التي أشرنا إليها تحدث في فراغ فهي معالم في التجربة التاريخية للمجتمع الجزائري، يمكن التعرف على بصماتها في اٌتجاهات ومواقف أجيال متعاقبة، ينبغي أن نضيف إليها محنة الاحتلال وإدارته الظالمة التي لم يعرف الجزائريون منها سوى القمع والإذلال وكان الردّ هو المقاومة وأشكال التمرّد والاحتجاج بما فيها المقاومة الفردية التي سمتها إدارة الاٌحتلال قطاع الطرق دفاعا عن الشرف (Les bandits d’honneur).

من المؤكد أن الأغلبية الساحقة من الجزائريين لا تأسف على هزيمة الكولونيالية، وتعتزّ باٌستعادة الدولة الوطنية وكل رموز السيادة، وتبتهج في عموم القطر بما يحقق أفراد أو جماعة من اٌنتصار أو تفوّق في أي مجال، من المسابقات الرياضية إلى مجال الفنون والآداب ومنابر السياسة والدبلوماسية والاٌمتياز في حقول العلوم والتكنولوجيات الحديثة والاٌرتقاء في السلم الأكاديمي في الداخل والخارج، وهذا الاعتزاز والابتهاج عفوي وأحيانا فوري ولا يسأل أحد عن  مكان الميلاد والأصول والفروع، وينسى الجميع المشادات في المنافسات المحلية وكأنها سحابة صيف عابرة.

إن وتيرة التغير في بنية المجتمع وتعاقب الاجيال لا تمحو آثار المراحل السابقة التي عرفتها الجزائر قبل وبعد التحرير، ففي كل مرحلة كان هناك أنصار عن قناعة أو مستفيدون، وكذلك معارضون اٌنطلاقا من مبادئ وقناعات أو ناقمون بلا مشروع بديل في اٌنتظار  مقعد على مائدة يكثر حولها الزحام، غير أن التوصيف السابق لا يعني تصنيف المشاركين في الحراك الشعبي، فهو توصيف أشبه بمسح طوبوغرافي يلتقط الصورة الظاهرة كما يعبّر عنها الخطاب وما يرافقه من شعارات معلنة تشير إلى الاٌقتراب أو الاٌبتعاد عما عرفته الساحة السياسية من تجارب في ماضيها القريب والبعيد.

إن تلك الصورة العامة تتضمن بالتأكيد مؤشرات عامة ولكنها لا تكفي لقياس درجة حضور وتأثير فصائل الطبقة السياسية والمجتمع المدني، وخاصة في مراحل الغليان السياسي والغضب الشعبي الواسع التي تؤثر على الباحث الذي ينتمي إلى نفس المجتمع.

قد تقلّل أدوات السبر والاٌستقصاء الميداني مثل قياسات الرأي العام والاستبيان وتحليل الخطاب من شبهات التذايت Subjectivité، لكنّها لا تحصّن الباحث أو الملاحظ من التأثّر بمحيطه الثقافي ومناخه السياسي وعلى أي حال فإن كل تلك الأدوات ما تزال في بداياتها في أغلب مؤسسات البحث في المنطقة العربية والإفريقية، كما أن استخدامها في البلدان الموصوفة بالديموقراطية لا يخلو من التوجيه من تصميم الفرضيات إلى النتائج وذلك بتأثير من اللوبيات ومصادر التمويل.

لقد أرجع الباحث والمحقق الأمريكي توم فريدمان T.Friedman في دراسة نشر خلاصتها في دورية نيويورك تايمز يناير 2018 حركية التغيير إلى مصدرين: فقد تبدأ من رواد في قمة المجتمع لتؤثر في الجمهور (Top down)، وأخرى تنطلق من القاعدة الشعبية لتصعد إلى الطبقة العليا (Bottom up) ويكون التغيير بدفع من أسفل أيّ من عامة الناس، ولكن هذا التصنيف لا يقبل التعميم على كل تجارب التغيير في المجتمعات، فقد اٌنتهت معظم تجارب ما يسمى بالربيع العربي إلى عكسها، أي العودة إلى الوضع السابق، وفي بعضها إلى أسوأ ممّا كانت عليه، وهي مسألة موضوع جدل بين المحلّلين من أهل الفكر والذكر من داخل وخارج البلدان المعنية.

إنّ الأنظمة السياسية والتحولات الاٌجتماعية لا تقبل التصنيف في أنماط نظرية مغلقة تقوم على تأثير عامل واحد يمكن على أساسه وضع رزنامة تحدد البداية والنهاية وهي الخلاصة التي اٌنتهى إليها عالم الرياضيات برتراند راسل (B.Russell) 1872-1970 الحائز على جائزة نوبل في دراسته بعنوان "الأخلاق والسياسة" التي أنهى بها مساره الأكاديمي الطويل وخصصه للتوازن أو الخلل في مثلث النظام بين الأخلاق والدين والمال، وهي كلّها تدور حول الإنسان الذي يصنع العلاقة بينها ويكون موضوعا لها، ولذلك فليس هناك سوى الرياضيات التي يمكن البرهنة على نتائجها مهما اٌختلف الزمان والمكان.

وقد وجد الباحث في تاريخ الفكر السياسي ل. ألتوسير Louis Althusser في دراسته بعنوان: المستقبل يدوم طويلا (L’Avenir dure longtemps 2013) في نظرية ميكيافلي (N.Machiavel 1469-1527) التي قدّمها في كتابه الشهير الأمير المخصص لنصائح حول طرق الوصول إلى الحكم والبقاء فيه، وجد أن الاٌرشادات الميكيافلية قد تنجح مؤقتا، ولكنها لا يمكن أن تستمر بدون عقد اٌجتماعي بين الحاكم والمحكوم يحظى بقبول الأغلبية من مختلف الطبقات وتحقيق توازن المصالح بين فئات المجتمع واٌستقرار مؤسسات الدولة وليس عن طريق الغاية تبرّر الوسيلة.

 استعادة الدولة لمهامها ووظائفها بأخف الأضرار

مهما كانت الدوافع والمرجعيات السياسية للمشاركين في الحراك والذين ينشطونه من داخله أو على أطرافه، فإن التغيير في هرم السلطة ومحيطها الفاسد والمفسد هو الحلّ الضروري والمستعجل، ولكن بأخف الأضرار على البنية العامة للدولة، وخاصة بعد تزايد الإجراءات العشوائية وغموض مصدرها الحقيقي الذي كانت تسند له كل صغيرة وكبيرة في ساحة سياسية تزداد تعقيدا وتتصارع فيها تنظيمات تطالب بوضع قواعد جديدة للّعبة تسمح بقياس الحضور الحقيقي في الشارع والتخلص من الإجماعية (Unanimisme) باٌسم واحد قبل 1988 أو بأسماء متعددة في الدفتر العائلي لأسرة واحدة بعد ذلك التاريخ.

لا تهمنا الأسماء والوظائف ودرجات المسؤولية، فذلك شأن القضاء وحكمه المنصف، ولكن من الواضح أنّ الجزائر كانت تتّجه إلى وضعية المومياء المحنطة (Momifiée) في متحف، وتشبه ما جاء في رائعة المرحوم إدير عن وحش "ن الغابة" الذي يُغنى للأطفال، ولم يره أحد في جبال جرجرة وما جاورها.

سمحت هذه الوضعية الشاذة بظهور وكلاء خلف الستار وأمامه وطابور من المتلهفين على الإثراء السريع واٌمتصاص موارد الدّولة سرّا وعلنا، في غفلة من الحسيب والرقيب، سوى أصوات قليلة كانت تقرع أجراس الإنذار، تمّ خنقها وإبعادها كما يقال عن مجال التغطية، لتكون عبرة لمن لا يغمض عينه أو لا يبيّض الفساد، فقد كانت الجزائر في تلك الفترة على وشك أن تتحول إلى إمارة الموز ومحطة لخزن وتسويق المخدرات.

لقد حامت حول القضاء شبهات كثيرة ندّد بها الحراك، كما كان لكثير من نساء ورجال العدالة صوت لا يخاف في الحق لومة لائم، ومواقف شجاعة سوف تكون موضوع ورشات إصلاح عميق يعيد للعدالة هيبتها ومكانتها في صميم هياكل الدولة، فهي جسر الثقة بين الدولة والشعب وتعطي لاٌسم الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية مدلولاته وتطبيقاته في الميدان، لدى شعب عرف الكثير من آبائه وأجداده ألاّ عدالة في قانون الاٌستبداد العنصري المخصّص للأنديجينا، وهم كل الجزائريين ضحايا الفقر والتهميش في المدن والأرياف وحتى في المهجر وراء البحر، خصّصنا له دراسة بعنوان المجتمع الجزائري في مخبر الإيديولوجية الكولونيالية 2004 ENAGو كذلك

 : L’empire des Hegienistes vivre aux colonies, fayard.2014 o.lecoux grande maison

تمكّن الحراك خلال سنة من التعبئة بوتيرة متواصلة مرتين في الأسبوع بتأطير من فعاليات مستقلّة وأخرى مهيكلة، ولكن بدون زعامات قيادية تنطق باٌسم المتظاهرين رسميا، أي بتفويض علني من طرفهم، ومن الممكن تفسير ذلك بالعوامل التالية:

1- ما بقي في الذاكرة الجماعية عن الزعامة الأحادية التي تتصرف وكأنها المهدي المنتظر، ولها القول الفصل، وما على الآخرين سوى الطاعة العمياء، وهي المآخذ التي أوصلت المرحوم مصالي الحاج إلى العزلة وخسارة ماضي طويل من النضال، يرى بعض المؤرخين أنه جعل من خلال حزب الشعب وحركة الانتصار منصّة للوطنيّة الجزائرية الحديثة ومشتلتها التي ولدت من رحمها جبهة التحرير الوطني والثورة الجزائرية.

2- إنّ الدافع المشترك الذي كان يجمع المشاركين في الحراك هو المطالبة بالتغيير بالطريقة السلمية، ولكن من المؤطرين أو المنشطين من كان يدعو حتى قبل اٌنطلاق الحراك إلى تأسيس جديد للجمهورية ومنهم من يركّز في مطالبه على مسألة الهويّة اللّغوية والثقافية أو المرجعية الدينية والدعوة لنظام ديموقراطي أو العدالة الاجتماعية وهي تيارات أو تنظيمات متواجدة على الساحة الوطنية منذ عدّة عقود، تتحالف أو تتصارع أو تقترب أو تبتعد عن دوائر السلطة حسب هدف كل تيار أو تنظيم وحسب طبيعة المرحلة.

3- لعلّ هذا ما يفسّر الدعوة السائدة لمسح أو إخلاء الميدان من كل اللاعبين من رئيس الفريق إلى كلّ المتعاونين معه المتورطين في ما ينسب إليهم من أخطاء وخطايا، أما ما بعد ذلك فهو أقرب إلى حساب الاحتمالات إلى غاية نهاية ديسمبر من السنة الماضية التي بدأت في وضع علامات على طريق الغد القريب والبعيد تبشر بجزائر جديدة لا ثانية ولا ثالثة، بل الأقرب إلى مشروعها الأصلي والأصيل بيان الأول من نوفمبر 1954.

4- أما الأحزاب الأخرى فقد خفت صوتها وبعد مدّة وجيزة من المراهنة وجدت نفسها موضوع سخط من كثير من الأصوات في مختلف تظاهرات الحراك وفقدت قياداتها من الصف الأول ودفعت بسبب مرضها المزمن المتمثّل في عدم تجديد الخطاب والتعويل على رصيدها التاريخي ثمنا باهضا كما هو حال حزب جبهة التحرير الوطني بالإضافة إلى عدم الاٌستفادة من ذخيرته الهائلة من النساء والرجال الأنقياء والأوفياء الذين اٌكتسبوا التجربة والخبرة في مختلف مواقع المسؤولية، لقد بقي هذا الحزب العريق الذي وصل إلى درجة التقديس عند شرائح واسعة من الشعب، قوّة معنوية تنتظر عودة الروح النوفمبرية وتطهير صفوفه من الاٌنتهازيين والديماغوجيين القشريين الذين ألحقوا به خسائر فادحة، على مرأى من مناضليه وأنصاره الأوفياء والأنقياء.

وأمّا التنظيمات الأخرى القريبة منه فهي تحمل الكثير من جينات الأب مصحوبة بتحيين حسب مستجدّات الوضعية وبعضها جرفه السيل الحراكي والبعض الآخر يستعدّ للتوبة والغفران وترميم صفوفه، وفي اٌنتظار ما سيسفر عنه المخاض، فإنّ لكل حال مقال، وقد أشّرنا إلى عدد من هذه القضايا في دراسة بعنوان "رهانات التنمية والديموقراطية في عالم التحولات الكبرى 2015".

الديموقراطية لحماية الجمهورية

إن حماية الدولة يعني ترسيخ وحدة شعبها الذي لا يمكن أن يكون كلّ أفراده وجماعاته نسخا متطابقة، فالاٌختلاف والاٌعتراض على التدبير والتسيير ظاهرة صحية، إذا كانت الاجتهادات أشبه بعلامات قانون المرور التي تنبه السائق إلى ما قد يعترض طريقه من منعطفات ومنحدرات خطيرة، وقد تكون أحيانا مثل جرعات الأكسجين المنعش لمن يعيشون في المرتفعات وهواة تسلّق قمم الجبال.

إنّ الديموقراطية مطلب لا مناص منه في أي منظومة سياسية، وهو تمرين على طريق طويل، ولكن ليس له وصفة طبيّة (Ordonnance) موحّدة لكلّ المجتمعات، وليس له نموذج كامل ونهائي يمكن اٌستنساخه وتطبيقه جاهزا وصورة طبق الأصل.

ومهما اٌختلفت أشكال التعامل مع الاعتراض والاٌنتقاد، فإن وجود معارضة شرعية داخل الوطن وتعبر عن الرأي والموقف داخل مؤسساته أفضل، بل صمامة أمان لأن نشاطها من الخارج يمكن أن يجعلها تحت رحمة "دار الضيافة" ويسهّل اٌستغلالها من طرف أجهزة في تلك البلدان لصالح أهدافها الخاصة، وحتى مطيّة للضغط والتدخل.

ليس من مهام أيّة مؤسسة وطنيّة أن تحمي الدولة من شعبها، إلا إذا كانت قوّة اٌحتلال أجنبي تستخدم فريقا من العملاء أو المرتزقة الذين تستعملهم كقناع للسيطرة والاٌستغلال، وهو وضع لا يمكن أن يحدث في بلد حرّره شعبه بتضحيات جسيمة طيلة أجيال، وخاصة أثناء ثورة أول نوفمبر 1954 ويستطيع بفضل تجربته التاريخية وحسّه الوطني الدّائم كشف وعزل المتواطئين مع الأجنبي ضدّ بلادهم ومعاقبتهم إن عاجلا أو عاجلا.

لم تقبل الجزائر أن تكون بيدقا خاضعا لإملاءات قوى عظمى أو متوسطة تفرض عليها سياساتها الداخلية أو مواقفها وعلاقاتها الدولية، وحتى في حالات الأزمة وهي تعبر مضيف العواصف وتتعرض للحصار غير المعلن من المحيط الجهوي والدولي، كان الردّ قويّا وحاسما ورافضا للتدخّل، أو نصرة طرف ضدّ طرف آخر أو الوساطة أياّ كانت صفة أو مكانة الوسيط.

ومن بين شواهد الاٌعتزاز بكرامة الجزائر وسيادتها رفض الرئيس الأسبق لمين زروال اللّقاء مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك في الأمم المتّحدة بشرط أن يكون اللّقاء خفية، أي بعيدا عن وسائل الإعلام، ولكن مع الأسف في غمرة مضاعفات مأساة التسعينيات لم تحظ هذه الوقفة المشرفة بما تستحقه من تنويه لصالح الجزائر، وإنصافا مستحقا لممثلها في تلك الفترة.

ليس في قارتنا الإفريقية وخارجها من المحيط إلى الخليج أمثلة كثيرة للاٌعتزاز بالكرامة الوطنيّة واٌستقلالية القرار السيادي حيث تشرف القوّة الكولونيالية السابقة على مفاصل الدولة وتفرض في أعلا المناصب من يضمن نفوذها ومصالحها، وتكون المواعيد الاٌنتخابية بداية لصراعات دموية غالبا ما يكون الحكم فيها هو من يختاره الأوصياء من وراء البحر والمحيط، وقد خصصت الباحثة أشيل مبومبي A.Mbembé دراسة بعنوان الخروج من الليل الطويل ... إفريقيا تتخلص من الكولونيالية Sortir de la grande nuit ; essai sur l’Afrique décolonisée 2013.

حيث لا يختلف وضع تلك البلدان الآن عما كانت عليه أثناء عهد الكولونيالية المباشرة، إلا في بعض الطقوس البروتوكولية، ولا تظهر في الأفق ملامح باتريس لومومبا آخر، وقد لا تتكرر في المستقبل المنظور.

قد لا يسمح القرب الزماني والمكاني من السّيل الجارف الذي عمّ الجزائر حتى نهاية 2019، بتشخيص موضوعي ونزيه، أي لا يبرئ ولا يتّهم لحسابات منفعيّة وشخصية، ولذلك فإنّ الشهادات وتقارير الإعلام بكلّ وسائطه هي مادّة خام لا غنى عنها، ولكنّها تبقى أحد المصادر المكمّلة للتعرف على الأحداث في صورتها المحيّنة، أحيانا بالصورة والصوت والمنشور فيها أو المسجّل من الآراء والعرائض، وما يصاحبها من نشاط في الفضاء الرقمي الذي تزايد بدرجة ملحوظة وخاصة في تلك الفترة.

من النّادر، بل من المستحيل على أيّ شخص يحمل صفة مواطن، وفي أي موقع كان أن يدعي اللاّمبالاة أو الحياد، غير أنّ هناك من يلجأ إلى التأجيل في اٌنتظار اٌتجاه الريح، ولمن ترجّح الكفّة، الحقيقة أن مسيرة الحراك كانت تقترب من شوطها الأخير أو خط الوصول إلى هدفها الأول، وهو أن تكون العهدة الرابعة هي الأخيرة، ساعد على ذلك عوامل من داخل الحراك ومن خارجه نشير إلى بعضها في النقاط التالية:

1- سلميّة الحراك والتعاطف الشعبي الواسع مع مطلبه الأول وهو ضرورة التغيير والخروج من عنق الزجاجة في أقرب وقت ممكن.

2- رفض يقترب من الإجماع لشلّ الحياة اليومية للمواطنين الذي طالبت به أقليّة لم تجد صدى لدعوتها، فليس من الذكاء السياسي معاقبة عشرات الملايين من أبناء الشعب لإبعاد شخص أو جماعة، أو تعجيز الدولة وإضعافها لإلزامها بالتنازل والاٌنسحاب الجماعي من كلّ المواقع.

3- اٌختيار المؤسسة العسكرية المرافقة عن بعد والاٌكتفاء بالحرص على حماية الدولة وبنائها الجمهوري الذي يتطلّب تدعيم قواعده، وليس هدم أركانه أو توزيعها على فرقاء، وكأنها تركة مجهولة بين ورثة يريد كل طرف أن يختطف جزءا منها أو كلّها، مما قد ينتهي بضياعها وخسارة الجميع.

4- وعلى الرغم ممـّا يوصف به خطاب المؤسّسة العسكريّة من حزم وعزم  فلم يظهر في شوارع العاصمة والمدن الأخرى قوافل من الدبابات والمصفحات والضباط والجنود المدجّجين بالسلاح وهو فرجة (Show) تتكرّر في قارتنا وفي أمريكا اللاّتينية في حالات الصراع السياسي والنزاعات الإثنيّة التي يحرّكها ويستفيد منها ما يسمّيه ن.فان دام  N.Van Damفي دراسته بعنوان تحطيم الأمّة 2017 Destroying Nation الاٌنسان الأقوى (Big Men) في العالم الأوسع (Mac World) أي بلا حدود ولا قيود على ما يفعله في البرّ والبحر والجوّ.

5- عندما يصل الاٌحتجاج إلى درجة اللاعودة واٌستحالة بقاء الوضع على حالته السابقة، فإنّه لا فائدة من التأجيل ولا مفرّ من الحسم وقد حدث ذلك بطريقة حضارية وفق الإجراءات المعتمدة في صورة اٌستقالة طوعية لا تتجاوز اللّياقة والعادات المرعيّة في ثقافتنا التقليدية.

6- هل كان بالإمكان تقصير مدّة الحراك؟ وهو على أي حال كما يقول منشّطوه في حالة كمون، بسبب التهديد الخطير من وباء فيروس كوفيد 19 لكلّ الجزائريين، يرجع الجواب على هذا السؤال إلى تقدير الموقف وترجيح الحلّ الأقلّ ضررا وهو الاٌنسحاب بأقلّ قدر ممكن من الأضرار.

7- كلّما قصرت المدّة للاٌستجابة للاٌحتجاج الشعبي وخاصة إذا كانت أسبابه ومدى اٌنتشاره غير قابلة للتحكّم والإفشال، وقد عبّر عن هذه الحالة السياسي الفرنسي ل.كامبطا 1877 L.Gambetta في تعليق على أحداث كومون باريس خلال الثورة الفرنسية بمقولته الشهيرة: "عندما يجهر الشعب بصوته فليس هناك سوى خياران: إمّا الخضوع وإمّا التنحي" Quand le peuple se prononcera il faudra se soumettre ou se démettre.

ملامح الجزائر الجديدة:

جدلية الوفاء لمبادئ الثورة ومصاعب إعادة البناء

ما هي الملامح لما بعد ديسمبر 2019؟ ليس هناك إجابة فورية على هذا السؤال، فإذا كانت هناك قراءات متباينة لأحداث ومراحل الماضي، فإنّ توقّع ما سيحدث في المستقبل من تحوّلات لا يقلّ صعوبة، بحكم وجود متغيّرات في الداخل وأخرى في المحيط الجهوي والدولي يمكن التعرف عليها أو على الأصح على أغلبها، ولكن قد يكون فيها ما يصنّف بعد حدوثه في مصفوفة المفاجآت التي يجتهد المختصّون في الدراسات الاٌستراتيجية ودراسة النّظم والمستقبليات في التقليل منها، وقد أشرنا إلى هذه المسألة في دراسة بعنوان: الجزائر والعالم: ملامح قرن وأصداء ألفية (2013).

كشف الاٌنتشار المفاجئ والسريع لوباء كورونا عن حدود القدرة على التنبؤ لدى بلدان لديها علماء ومخابر من أعلى طراز وتمتلك أقوى أجهزة الحاسوب والأكثر دقة وتعقيدا.

لقد حصد هذا الوباء عشرات الآلاف من مواطنيها في بضعة شهور، ولم تجد القوة الأعظم الولايات المتّحدة من غطاء لحالتها الكارثية، وهي على أبواب الانتخابات الرئاسية بعد حوالي ستة أشهر سوى إلقاء اللّوم على المنافس الآسيوي العملاق واٌتهام المنظمة الدولية المختصّة في الصحّة بالتواطؤ.

كما أظهر العجز عن التنبؤ وضعف الاٌستعداد لمواجهته والحد من اٌنتشاره داخل بلدان الاٌتحاد الأروبي مدى هشاشة التعاون والتضامن بين بلدانه، على الرغم من نداءات الاستغاثة وطلب النجدة من بعض أعضائه، بسبب تزايد ضحايا الوباء وتفاقم الوضع الاقتصادي، ولم يصدر عن بروكسيل عاصمة الاٌتحاد سوى بيانات اٌنشائية تذكّر بوجود هذا التكتّل.

بعيدا عن إشكاليات التنبؤ، وما هو منتظر من المستقبل والرغبات الشخصية التي قد يشوبها الاٌنحياز المصلحي وتؤدي إلى الأحكام المسبقة من نوع مع هذا في كلّ شيء وضدّ ذاك في كلّ شيء، فإنّ التغيير الذي يطالب به الحراك، وما عبّرت عنه نخب مفكّرة وسياسية أثناء الحراك وقبله على درجة من التنوّع في الوسائل والأهداف حسب التجربة في مختلف مواقع المسؤولية في العقود السّابقة والمرجعيات التي تصنّف على أساسها فصائل المجتمع السياسي باٌعتبارها عناوين معروفة تسمح بالتسديد نحو مرمى الخصم، مثل وطني إسلامي لائكي إلخ... ولا ينفي ذلك وجود قناعات مبدئية ناضل من أجلها نساء ورجال منذ عدّة سنوات داخل تنظيمات سياسية لا تمارس العنف للاٌستيلاء على السلطة واٌختطاف الدولة.

إنّ التنوّع في الاٌتجاهات الفكرية والسياسية وخلاصات التجربة والممارسة الفعلية في هياكل الدولة يمكن أن يكون خريطة الطريق لبناء جزائر جديدة ترغب فيها الأغلبية من مواطنيها اٌنطلاقا مما يظهر من ضعف وقوّة في صورة يقدّمها فحص بالأشعّة (سكانر) يشخّص الخلل ومواطن النجاح والفشل، من الممكن أن تساهم تلك الصورة في توضيح الرؤية للمستقبل ولا تتجاهل مستجدات الحاضر وتراكمات الماضي اٌنطلاقا من النقاط التالية:

1- إذا كان من الإنصاف العرفان والتنويه بالاجتهادات الناجحة والمخلصة للوطن في أيّ مرحلة من تاريخه لخدمة الروح المعنوية للأمّة، فإنّ التعرّف على الأخطاء بهدف الحدّ من اٌنعكاساتها وما قد تسببه من عدوى مؤذية في أي قطاع، خطوة لابدّ منها لحماية الدّولة ومنع تكرارها، وذلك في إطار القانون والمحاسبة العادلة.

2- يفيد فحص حصيلة الماضي بتجرد وشجاعة في اٌستبعاد الأفكار والطرق التي أدّت إلى اٌنسداد وأزمات قد تكبّد الدّولة والمجتمع خسارة كبيرة يمكن تفاديها قبل حدوثها، وقد أجاب أ.أينشتاين A.Einstein (1879-1955) عن سؤال حول هل كان بالإمكان تفادي اٌندلاع الحرب العالمية الثانية؟، وكيف يمكن بناء سلام دائم؟ يقوله: لا يمكن حلّ أيّ مشكل بنفس الأفكار والمسالك التي أدّت إليه.

3- تمحورت مطالب الشعب الجزائري وكفاحه منذ أقدم العصور حول ثلاثة مطالب هي الحريّة والعدالة والتقدّم، لم تتغيّر في جوهرها وإن اٌختلفت أشكال التعبير عنها والوصول إلى تحقيقها من جيل إلى آخر، وقد وجدت تلك المطالب الثلاثة أرقى صياغة لها في بيان أول نوفمبر 1954، ولا يتحقّق التغيير المنشود في جزائر اليوم والغد بدون العودة إلى ذلك البيان الذي يمثل مشروع بناء الجزائر الدائم.

4- إنّ حماية الوطن والدفاع عنه لا تقتصر على العدوان أو التهديد بالعدوان التي تأتي من الخارج، بل تشمل كذلك الإضعاف من الدّاخل عن طريق الصراعات المفتعلة للوصول لمكاسب أنانيّة بدون مشروع ولا قضيّة تستحقّ النضال والتضحية، لأنّها لا تنطلق من ثلاثي الحريّة والعدالة والتقدّم الذي أشرنا إليه سابقا، لقد أوصلت تلك الصراعات الأنانية قديما وحديثا بعض البلدان إلى التمزّق وتحولت إلى فريسة سهلة للتدخّل الأجنبي وفرض الوصاية عليها.

5- إنّ كيفية العلاقة بين الشعب ودولته هي العلامة المميّزة لأيّ نظام سياسي ونوعيّة مؤسّساته، وتلك العلاقة تختلف حسب الأنظمة، ولكن أغلبها لا يخلو من معارضة لذلك النظام أو لبعض سياساته أو تنشط وتعمل في السريّة، وكلّما قلّت مساحة السريّة، واٌتفق الشركاء في الوطن على ما هو ممارسة للديموقراطية، وما هو خارج عنها أو مضرّ بها، تقلّصت المسافة بين الشعب والدّولة واٌتّضحت أكثر أهداف التغيير وأولوياته وهو ما أشار اليه ج.تودروف في دراسته بعنوان الأعداء الحميميون للديموقراطية

J.Todorov les ennemies intimes de la démocratie R.laffont paris 2012

6- تسعى الأحزاب السياسية وتياراتها الفكرية إلى توسيع دائرة المنخرطين فيها عبر نشاطها النظامي وعبر وسائط الإعلام وأشكال الترغيب التي أصبحت فنّا وعلما لا يستغني عنه أيّ تنظيم حزبي، يسعى للاٌنتشار والوصول إلى السلطة، أو للحصول على حضور فيها، غير أنّ تلك التنظيمات لا تستوعب الشعب كلّه إذ تبقى دائما نسبة مأويّة تسمّى الفئات الصامتة، ولذلك من أهداف الحملات الاٌنتخابية في المستويات المحليّة والوطنيّة السعي لجذب تلك الفئات الصامتة أي غير المنتمية نظاميا في التشكيلات الحزبية واٌمتداداتها في المنظمات التي تدور في فلكها، وهي تمثل نسبة كبيرة من المشاركين في الحراك تطالب بغد أفضل ومؤسسات وطنيّة تحمي الدولة من الاٌنحرافات وتعيد لها هيبتها في الداخل وفي المحافل الدوليّة.

7- في الجزائر شعب مُسيّس يتابع الشأن العام ويعبّر عن رأيه وموقفه من أفعال وأقوال المسؤولين بطريقته المُميّزة التي نجدها في النُّكتة السّاخرة والاٌستشهاد بالأمثلة الشعبية ومقاطع من أغاني التراث أو المعاصرة، وقد يظهر التأييد والمباركة إذا رضي عن السياسات والمواقف وأحيانا بدون تحريض أو إيعاز كما هو الحال في التأييد المطلق لقضية فلسطين أو الصحراء الغربية من منطلق رفض (الحقرة) واٌضطهاد القوي للضعيف، وبالمقابل لم تنجح محاولات التبييض أو الإنقاذ لمن هو مطلوب من العدالة ولو لبس جبّة وبرنوس رواد المساجد وأكثر من الطواف حول أضرحة الأولياء الصالحين.

وقد أشار جاك بيرك (J.Berk) إلى الحسّ السياسي العميق في المجتمع الجزائري وإن كان يبدو أحيانا مثّل النار تحت الرماد منبّـها سلطات الاحتلال التي أعلنت بأنّ الشعب الجزائري محايد، بل راضي عن فرنسا لأنّ الذي يهمّه هو لقمة العيش فقط، وليس الحريّة والاٌستقلال، يقول وليد فرنده بولاية تيارت : «  ليست السلطات في فرنسا والجزائر في حاجة إلى شرطة ومخبرين لتعرف اٌتجاه البوصلة ونظرة الأهالي لفرنسا، إنّ الوجوه العابسة والعيون الغاضبة والمحادثات الهامسة بين الناس في المدن والأرياف تكفي لتقدير الموقف " .

أخلقة النشاط السياسي

والتنافس الحزبي مدخل للديمقراطية الشعبية

إنّ وجود أحزاب لها اٌمتداد شعبي حقيقي ظاهرة طبيعية، بل ضرورية لحيوية المجتمع والتعبير عن مشاكله وطموحاته في أي مرحلة من تطوّره الاٌجتماعي، وهي العلامة المميّزة للممارسة الديموقراطية في أغلب الأنظمة السياسية الراهنة، وليس الولاء والمبايعة التي تخصّ الأنظمة الملكيّة المغلقة بلا أحزاب ولا اٌنتخابات، وهذا أمر يعني أولا وأخيرا شعوبها.

إذا كان للأحزاب مشاريع مختلفة تتنافس للوصول للسلطة لتنفيذها، فإنّ علاقتها بالوطن أشبه بعلاقة الأم بأبنائها الذين يجتهد كلّ منهم في تقديم ما يراه خدمة لها واٌحتراما ووفاءًا للعلاقة التي تربطه بها، والأم هنا تعني الجزائر كلّها، وليس طبقة اٌجتماعية منفصلة وعلويّة تحتكر المال والجاه لا يهمها سوى الحفاظ على اٌمتيازاتها.

لم تنشأ في الجزائر طبقة سياسية عن طريق النفوذ بواسطة الثروة أثناء العهد الكولونيالي ولا بعد العقود الثلاثة الأولى من التحرير، بل حامت حول بعض المنتمين للبورجوازية المحليّة مآخذ وشكوك عن طبيعة علاقتها بالإدارة الكولونيالية، وبقيت هذه النظرة شائعة بين عامة الناس إلى اليوم وتبرّر السؤال عن أصل الثروة ومؤداه؟ من أين لك هذا؟

ينبغي أن يبقى السؤال السابق ليكون مفيدا للتنبيه والتحذير، فالمال الفاسد أشبه بالسرطان الذي ينتشر في كيان الأمة، والوقاية منه خدمة ثمينة للوطن والدولة، فقد تبيّن خلال هذه الفترة مدى الأضرار الجسيمة التي يمكنه أن يلحقها بمؤسسات الدولة وهو ليس في حاجة ليعلن عن نفسه في تنظيم سياسي معيّن فقد يتسرّب كالحرباء ويصبح سلطة موازية ومؤثرة على السلطات الأخرى ولا تسأل عمّا تفعل.

إنّ اٌكتساب الثروة ليس ذنبا إذا كانت مستحقّة ونتيجة للجهد والكفاءة ومساهمة في تنمية الثروة الوطنيّة، فمن المزايدة والعجز والنفاق اٌعتبار الفقر فضيلة بالنسبة للأفراد والشعوب، ولذلك فإنّ تنمية الثروة واٌحترام روادها الأذكياء هو سياسة حكيمة إذا كانت في إطار تضامن اٌجتماعي يراعي حقوق الأقل حظا وفي إطار توزيع عادل للثروة تشرف عليه الدولة بهدف تقليص مساحة الفقر والحيلولة دون تزايد الفروق الشاسعة بين فئات الشعب والسهر على منع تكوّن الطبقة المغلقة Caste التي تحتكر الثروة والنفوذ في حصن لا تقترب منه فئات المجتمع الأخرى المعروف في الهند بالمهراجا.

إنّ العمل قيمة عليا ينبغي أن تكون التعريف المميّز للإنسان في كلّ المجتمعات في نظر ماكس فيبر 1720-1864(MAX Weber)، وهو الذي يعطي للمميزات الأخرى عند أرسطو ومن جاء بعده مدلولها الذي يميّز الإنسان عن بقية الكائنات، فالإبداع الحضاري في الفنون والآداب واٌختراع التقانات يبدأ من أفكار ويمهّد الطريق لمنجزات تشهد على تراث الأمّة وتدخل في الميراث العام للإنسانية.

وهذا هو التوجه الذي بدأت معالمه تظهر في مشروع الجزائر الجديدة، بمنأى عن التوجهات الليبرالية المتوحّشة التي طبّقت الداروينية الاٌجتماعية، وهي تواجه منذ عدّة سنوات مقاومة شديدة في معاقلها التقليدية، ولا التطرّف الآخر المتمثل في رأسمالية الدولة والتسيير الفوقي (Colléctivisme) للاٌقتصاد الذي لفظ أنفاسه في عقر داره وسرّعت بريسترويكا غورباتشوف من مراسم دفنه في تسعينيات القرن الماضي.

الاٌنطلاقة الواعدة لقطار التنمية

يشير الخطاب السياسي في الشهور الأخيرة إلى وضع أسس جديدة للتنمية تنطلق من اٌقتصاد المعرفة وحاضناتها في الجامعات ومراكز البحث ورجالها ونسائها من الكفاءات داخل الوطن وخارجه الذين يمثلون القوة الفاعلة (Task force) القيادية، وليس المنابر الديماغوجية وخاصّة تلك التي تقول مالا تفعل وتفعل ما لا تقول.

تمثّل هذه المقاربة البداية المستعجلة لاٌنطلاق قطار التنمية من محطّته الحالية، أمّا أوضاع الاقتصاد الوطني فقد تمّ تشخيصها في مختلف القطاعات وعدّة مرّات من طرف بعض السّاسة وأهل الاٌختصاص ونجد عينات متباينة للتشخيص والحلول المقترحة منشورة في دراسات ومقالات عديدة في الداخل والخارج وفي تقارير الأحزاب والمنظمات المختصّة.

-     الفلاحة أولوية استراتيجية

من الواضح أن قائمة الأولويات طويلة وتشمل كل القطاعات، ومن بينها الفلاحة التي تعرّضت طيلة العقود الماضية إلى سلسلة من أشكال التنظيم وإعادة التنظيم وإلى هجوم الإسمنت على قسم من أجود الأراضي الفلاحية وإلى الصفقات غير المشروعة في غفلة من رقابة القانون، وأحيانا بتواطئ من بعض السلطات، وهذه كلها أمراض معروفة، ولذلك من المفيد أن تمرّ بمرحلة نقاهة تعقبها مقاربات جريئة تحولها في المستقبل المنظور إلى مصدر أساسي للثروة الوطنيّة تحقّق بالتدريج نسبة عالية من الإكتفاء والتقليل من فاتورة الاٌستيراد، وعلى درجة من الجودة تؤهلها للحضور في الأسواق الخارجية والنجاح في المنافسات على الحضور في السوق الخارجي، فضلا عن تشغيل اليد العاملة واٌمتصاص البطالة والحد من الهجرة الداخلية نحو المدن التي تزايدت أثناء حرب التحرير بسبب آلة الحرب الكولونيالية بهدف محاصرة الثورة، وتحقيق ما سمته التهدئة، وكذلك بسبب الإرهاب الإجرامي خلال تسعينيات القرن الماضي، وضعف التنمية في الريف وتركيز الكثير من المشاريع في المدن وحولها.

الصناعة من التطهير إلى الإحياء الحقيقي

يمثل قطاع الصناعة أولوية لا تقلّ عن سابقتها فهي تعاني من تخلّف كبير حتى مقارنة بما وصلت إليه في العقد الأول بعد الاستقلال حيث كانت الجزائر مساوية أو أكثر تحكّما في تجهيزاتها من بلدان مثل كوريا الجنوبية وفيتنام وأندونيسيا التي تطمح الآن لمزاحمة بلدان مجموعة السبعة الأقوى في العالم.

إنّ عودة الروح لهذا القطاع تتطلب تطهيره أولا من قلّة من المتنكّرين الدخلاء الذين باعوا وهم الصناعة وكبّدوا خزينة الدولة خسائر باهضة، ثمّ التحكّم في خصوصياتها التنظيمية وتكنولوجياتها الأساسية النائمة أو المهملة في الجامعات والمعاهد العليا وحاضناتها Incubateurs في مراكز البحث الموجودة عبر الوطن.

وتقدّم المؤسّسة العسكرية بما فيها من كفاءات وما تتميّز به من اٌنضباط تجربة ناجحة لغرس الصناعة والتحكّم في بعض قطاعاتها في الأمد المنظور.

لقد بدأت الصناعات العسكرية والمدنيّة في البلدان الأكثر تصنيعا في الشرق والغرب في المؤسّسة العسكرية من السيارة وأجهزة التشفير وكلاشنكوف إلى صناعات الفضاء، ويمكن كذلك عن طريق اٌستقدام صناعات متطورة Délocalisation تساعد على التدريب وتأهيل الإطارات عن طريق اٌستثمارات تحترم قواعد العمل في البلد المضيف، وعلى أساس رابح رابح المقبول من كلّ الأطراف، فمن الغرور وتضييع الوقت العودة إلى البدايات الأولى والدعوة إلى إعادة اٌختراع العجلة.

السياحة: إمكانيات واعدة ونقائص مانعة

يضاف إلى ركني التنمية وهما الفلاحة والصناعة، قطاع الخدمات وفيه السياحة وتمثّل مصدرا هاما للدخل الوطني، تبيّن أن ضعفه وركوده أثناء الحجر الصحي وغلق الحدود في بلدان لها اٌقتصاديات قويّة، يهدّد بموجات من الاٌحتجاج، وحتى العصيان والتمرّد.

أمّا في الجزائر التي تصدّر السياح إلى البلدان المجاورة وإلى عدد من بلدان العالم وهي لا تستقبل نسبة تذكر، ومنذ أمد طويل، وهو ما يتطلب التعرف على العوائق في إدارة القطاع والترغيب بوسائل تستعملها بلاد أخرى لا تملك ما تتمتّع به الجزائر من روائع ساحرة في الشمال والجنوب وتتوفّر على هياكل الاٌستقبال التي يعشّش في العديد من أجنحتها العنكبوت في أغلب فصول السّنة.

يرجح تدفق السواح الجزائريين خارج الحدود في رأي بعض الدارسين إلى رغبة الجزائريين في الاٌطلاع على ثقافات وأسلوب الحياة في بلدان أخرى، وبالتالي فهم ينتمون إلى شعب غير محاصر وراء السّتار الحديدي، ويفسّر البعض الآخر هذه الرغبة في السفر أفرادا وعائلات إلى تشكّل طبقة وسطى يمكنها أن تدّخر من دخلها ما يسمح لها بقضاء العطلة خارج الحدود، أو لغياب فنون الترويح التي تجذب الزوّار إلى الدّاخل ولا تقتصر على الإسكان ووجبات الأكل، وربما لهذه العوامل مجتمعة يضاف إليها أهمية البدء في تغيير العقليات التقليدية التي لا تقبل اٌستقبال زوار أجانب في الوسط العائلي، وخاصة من الشباب، ونعرف أن نسبة من السوّاح الذين يتوجهون إلى بلدان مثل بريطانيا للإقامة مدّة قصيرة أو طويلة تستقبلهم العائلات وتعرض خدماتها من خلال وكالات رسمية وبأسعار مغرية مثل التكفّل الجزئي بالوجبات Partial board واٌستخدام مرافق البيت إلخ... وعلى العكس من المحروقات، فإنّ المداخيل التي توفّرها السياحة مورد لا ينضب.

المحروقات ومؤسستها التاريخية سونطراك

ليس من المقبول أن يبقى الغاز والبترول ومشتقاتهما المورد الأساسي للدولة، وتخضع لنسبة مداخيلها خزينة الدولة وتتوقف المشاريع وميزانياتها السنوية على سعرها في السوق الذي لا تتحكم في صعوده وهبوطه أغلبية أعضاء منظمة الدول المصدّرة للنفط (OPEP)، ولا تهمّنا في هذا السياق الأخطاء التي تعرّضت لها المؤسّسة الأكبر في بلادنا في تسييرها مؤخّرا، فالأهم الحرص على عدم تكرارها في المستقبل.

ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ سونطراك التي تدير هذا القطاع تحت إشراف الدّولة التي مضى على تأسيسها ما يزيد على نصف قرن، هي البنت البكر لجزائر ما بعد التحرير، وأكبر مؤسسة لها اٌمتداد دولي من إفريقيا وجنوب أمريكا وشمال المتوسط إلى دول الجوار عن طريق الأنابيب التي تنقل الغاز عبر المغرب وتونس وقدّمت نموذجا ناجحا ومثاليا للتعاون الاٌقتصادي بعيدا عن تقلبات الأجواء السياسية، وعلى هذا الأساس فإنّ وصف المحروقات بأنّها نقمة على بلادنا هو مجرّد ردود اٌنفعالية تخطئ في رؤية المتّهم.

يمكن أن تكون مسيرة سونطراك منطلقا لبناء تجمع إقليمي مهما كان الاٌسم الذي سيحمله يكون قابلا للبقاء والتوسّع لفائدة كلّ البلدان المعنيّة، بغضّ النظر عن خصوصيّة الأنظمة السياسة في هذا البلد أو ذاك، في عالم تعولم فيه الاٌقتصاد ولم يعد فيه مكان للدوكماطيّة الاٌنعزالية.

من الثابت الذي يطمئن، أنّ الجزائر لم تسعى أبدا لتصدير أفكار ومنهاج ثورتها المظفّرة، أو تأسيس لوبيات تابعة لها، أو مساعدة أحزاب محليّة تدافع عن نفوذها أو تتحدّث بصوتها في بلدان الجوار وخارجها، وهو في الحقيقة سلوك مثالي من الأفضل أن يتواصل، على الرغم من اٌنتقاده من طرف البعض.

وذلك اٌنطلاقا من مبدأ أنّ الشعوب وحدها هي التي تحكم على سياسات بلدانها، ومن غير المقبول أن ينوب عنها أيّ بلد آخر، فقد أدّت النيابة عن الشعوب إلى الدّمار والتفكيك والاٌنفراط الداخلي والحروب الأهلية بوكالة سواء أكانت تحت غطاء الدفاع عن الديموقراطية وضدّ الحكم الاستبدادي، أو من أجل اٌحترام حقوق الإنسان وحماية الطوائف والجماعاة الإثنية، والشواهد على نتائجها الكارثية ماثلة للعيان وليست بعيدة عن حدودنا.

التنوع يثري الوحدة والانتماء للوطن

من المؤكّد أن يكون على رأس قائمة الأولويات التي سترسخ دعائم جزائر الغد المنشودة، تعزيز الاٌنتماء إلى الوطن على اٌمتداد جغرافيته وأيا كان مكان الميلاد، فقد شبّه جاك بيرك الجزائر بزربية كبيرة تتعدّد فيها الألوان والرسوم، ولكن لا معنى ولا دلالة جمالية لأي منها، إلاّ في الكلّ الذي يجمعها، وهو في رأينا التعلق الدائم بالحريّة والعدالة والتقدّم عبر العصور وفي كلّ أرجاء الوطن ولا يخصّ منطقة دون غيرها سجّلته وقائع التاريخ وبقيت معالمه في التراث الشعبي كما نجد نماذج منها في أشعار بلخير في الجنوب وأومحند في الشمال على سبيل المثال.

العولـمة و أولوية الوطن

يفتخر الرئيس الأمريكي الحالي بشعاره: أمريكا أولا (America first) وبعد أحداث سبتمبر 2011.09.09 التي ضربت برج التجارة والبنتاغون صدر قانون الوطنيّة (Patriot act) الذي يفرض على الجميع الوحدة والتضامن ضدّ الخطر الإرهابي في بلد تجوب أساطيله في البحار والمحيطات وتنتشر قواعده والمستشارين والخبراء العسكريين في 190 بلدا من المعمورة.

 إنّ التنوّع اللّساني وخصوصيات حمولته الثقافية يمثّل ثروة للمجتمع، إذا كانت ضمن سياسة وطنيّة تشجّع على تفتّحها وإثرائها ونشرها والتّعريف بها داخل البلاد وخارجها، فهي تنتسب أولا إلى الجزائر وطن الجميع، فإذا تعرّض اللّسان وتراثه القديم والحديث إلى التّهميش والإقصاء من المنظومة الثقافية الوطنيّة اٌندفع البعض نحو الاٌنعزالية والتقوقع وتضخيم الخصوصيات ورفض المشتركات الموجودة في التاريخ المشترك والتواصل الطبيعي بين الناس منذ أجيال بلا حدود ولا سدود (المسألة الثقافية وقضايا اللسان والهويّة) للكاتب 2002.

ينبغي أن نشير إلى أنّ الجزائر لم تعتمد أبدا التمثيل الإثني أو الطائفي بسبب عدم وجود هذا المقياس أصلا، فقد كان تعيين المسؤولين أثناء حرب التحرير يقوم على عاملين: الأول الكفاءة في القيادة والثاني أن أهل المنطقة أدرى بشؤونها، وخاصة في ظروف الحرب الشرسة ضدّ الذئب الكولونيالي، ولم يقيّم الرأي العام أداء المسؤولين من خلال التصنيف الوهمي للجزائريين إلى أعراق حسبما يدّعيه وروّج له خبراء الأنديجونوفيليا وبعض المغرّر بهم من أتباعهم في الجزائر ( Ch.R.Ageron 1968, Les Algériens musulmans et la France, Tome 1 ).

لقد حاولت الكولونيالية غرس بذور الكانتونية في الجزائر عن طريق أطروحات زائفة أو متعلمنة Scientistes، مع العلم أنّ فرنسا نفسها تعرّضت للاٌقتطاع والاٌنفصال بتأثير من اللغة والدين والعرق ونجد في الدراسة التاريخية الموثقة للباحث فيليب بوران Ph.Burrin بعنوان فرنسا أثناء الساعة الألمانية  1995 ,La France à l’heure allemande أنّ نزعات قويّة للاٌستقلال الذّاتي وحتى الاٌنفصال بلغت أشدّها أثناء الحرب العالمية الثانية على أساس أن المجموعات السكّانية الموجودة على حدود البلدان المجاورة مثل ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا... ترغب في العودة إلى مواطنها الأصلية.

ولعلّ هذا التهديد الذي تعرّضت له الوحدة الترابية والسكّانية لفرنسا هو الذي جعلها تتمسّك بالنظام اليعقوبي (Jacobinisme) الأكثر مركزيّة في غرب أروبا، ولا ننسى أن فرنسا الكولونيالية وضعت مخطّطا شيطانيا لفصل الجنوب عن الشمال الذي أفشلته ثورة التحرير وشعبها وقياداتها في الشمال والجنوب أليست الكولونيالية تلميذ غبي كما وصفها هوشمنه قائد الثورة الفيتنامية.

من المفيد أن تكون الدولة مركز جذب واٌطمئنان وأمان، ولا يجد فيها المدافعون عن التنوّع والخصوصية المحليّة خصما منحازا يشجّع على تبادل اللّعان والعداء بين نساء ورجال ينتسبون إلى وطن واحد في الماضي المشترك بما اٌتّفقوا عليه وما اٌختلفوا فيه، ولا مناص لهم في الحاضر والمستقبل من تقبل ما يدفع إلى مزيد من التجانس (Cohésion) وحماية الوحدة الوطنيّة حصن الجمهورية الذي يحميها من الإضعاف من الداخل تمهيدا لهيمنة من الخارج.

الهويّة اٌنتماء جماعي وليست عرقا أو سلالة

من المستعجل أن يتجاوز المتنافسون على التموقع في الساحة السياسية الاٌنغلاق في هويّة متشظّية بدعوى اٌمتلاك كل طرف وحده ركنا منها والعودة إلى الحفر في الأصل والبداية والمنشأ ومن أنا؟ ومن أنتم؟ فهيّ كلّها تؤدّي إلى صراعات ما سماه أمين معلوف الهويات القاتلة Les identités meurtrières فلا شخص ولا جماعة تحتكر الإسلام دون غيرها.

يقول فرحات عباس الذي طالب بالإدماج لتعجيز فرنسا الكولونيالية المتزعّمة لحقوق الإنسان: إنّ فرنسا حرمت الجزائريين من حقوقهم في بلادهم، ولم يبق صامدا سوى الإسلام معقلهم الأخير، ولذلك أسّس حزبا لمقارنتهم بنفس سلاحهم هو الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية  MTLD وليس التذكير بمأساة التسعينيات ذريعة لتبرير موقف أو تحول تتطلبه التغييرات في الجزائر الجديدة، فالإسلام في الجزائر عقيدة ومرجعيّة مؤثرة في سلوك الأغلبيّة من الجزائريين، حتى ولو كانوا من أبناء وأحفاد المواطنين في المهجر.

يمثّل التمسّك بالخصوصيات المحليّة والاٌعتزاز بها في أي منطقة من مساحة الجزائر الشاسعة مدخلا للوطنيّة الكليّة أو الجامعة، إنّ الذي يكره قريته أو حيّه أو مدينته لا يمكن أن يحبّ وطنه، لأنّ الوطنيّة ليست مسألة مجرّدة لا طعم لها ولا لون، وهذه الوطنيّة يمتزج فيها الإسلام والعربيّة والأمازيغيّة حضارة وعقيدة واٌنتماء ثقافي لا علاقة له بالتوزيع العرقي والإيديولوجيات الشوفينية المفلسة في المنطقة العربيّة والإسلامية وخارجها.

الإدارة والمواطن، ومساوئ البيروقراطية والمحسوبية

سوف يتصدّر ورقة الطريق لبناء جزائر الغد، على أغلب الظن، إعادة بناء الإدارة وإصلاح هياكلها لتكون أقرب للمواطن وأقلّ تعقيدا، وقد بدأت بعض الخطوات خلال السنوات الماضية لم تتوصّل إلى حلول إجمالية تقلّل من المركزيّة في التسيير اليومي، وبقيت الإدارة وهي الوجه المباشر الذي يراه المواطن والمتّهم الأوّل عن ضعف الأداء والغش والمحسوبية.

من العدل عدم تعميم مثل هذه السلوكات السلبيّة، فهناك العديد من الإداريين في مختلف مستويات السُلّم المعروف في الوظيف العمومي من النساء والرجال الذين يتميزون بالاٌنضباط والنّزاهة واٌحترام الخدمة العامة التي هي حقّ المواطن المطلوب منه أيضا اٌحترام القانون وأداء واجباته ومن بينها أداء الضريبة إذا كان نشاطه في القطاع الخاص.

من المطلوب أن تكون الإدارة في خدمة الدّولة والمجتمع، والدّولة ينبغي أن تبقى مهما تغيّرت اٌجتهادات أي نظام سياسي فبدون الدّولة يكون المجتمع مجرّد قبائل وعشائر متساكنة في مساحة مجهولة من الكرة الأرضيّة، قد يكون في الجهاز الإداري مناضلون أو منتسبون لأحزاب أو منظّمات المجتمع المدني، وهذا حقّ لكلّ مواطن يتمتّع بحقوقه المدنيّة، وهو هدف تسعى إليه الأحزاب لتوسيع قاعدتها من المنخرطين والمناصرين لضمان الحضور والتفوق في المواعيد الاٌنتخابية، ولكن من المطلوب أن يلتزم الإداري فقط بتطبيق التعليمات والتنظيمات الإدارية، وهو تمرين صعب حتى في البلدان المعتبرة نماذج للديموقراطية ومدافعة عنها حتى خارج حدودها، وقد يصل ممثل حزب إلى أعلى منصب في الدّولة وقد يكون الذين اٌنتخبوه من حزبه ومن غير حزبه وعندئذ يصبح رئيسا لكلّ مواطنيه، فالدّولة المحترمة تكون برأس واحد في إطار مؤسسات قويّة، أي ذات تمثيل ومصداقية.

حقّقت الرّقمنة تسهيلات كبيرة للمتعاملين مع المصالح الإدارية والاٌقتصاد في الجهد والوقت، في اٌنتظار أن تشمل الرّقمنة والإعلام الآلي القطاع المالي، والبنوك بوجه خاص، وأن يتسارع اٌستعمال الحاسوب في الشؤون الخاصة والعامة وهو ما نشهده اليوم بين الشباب وفي الأرياف والمدن على اٌمتداد القطر الجزائري.

وتهدف الخطوات المتوالية نحو تقسيم إداري أقلّ مركزيّة، وحسب معايير موضوعيّة تعتمد على الفعالية في التسيير ونوعيّة النّشاط الغالب في الدّوائر والبلديات والتّقليل من مشقّة المواطن حسب الكثافة السّكانية، ولا علاقة لهذا التقسيم بالأمزجة الفردية والضّغوط الجهوية، كما أنّ ما تتطلبه من أغلفة مالية وتأطير إداري لا يقلّل من الهدف المنشود، وهو خدمة المواطن وضبط أوضح للمسؤوليات فيما يخص التنمية المحليّة من البلدية إلى الولاية في إطار المخطط العام للدولة.

الورشة الكبرى نظام التربية والتكوين العالي

من المؤكّد أنّ أكبر وأهم ورشة كبرى في مشروع بناء الجزائر الجديدة، هو قطاع التربية والتكوين المهني والعالي التي نراها حلقات متداخلة تتبادل النجاح والإخفاق عن طريق التأثير القبلي والبعدي المتبادل (Feed back)، وتوزيع الصلاحيات في هذا القطاع هو للاٌشراف المباشر على التسيير للملايين من المتعلمين وعشرات الآلاف من المؤطرين للتعليم والإشراف والتدريب والإدارة.

لا تدفع النقائص والخلل وهو موجود في كلّ الأطوار من الابتدائي إلى الجامعي وما بعده، لا تدفع للتقليل من الجهود الكبيرة التي بذلتها الجزائر منذ فجر الاستقلال، فهي بلا ريب من أكثر بلدان العالم الثالث إنفاقا على التعليم، فقد حظي فيما يخصّ الهياكل وأعداد العاملين فيه على نصيب الأسد في ميزانيات الدولة المتعاقبة. 

كما تقلّصت الأمية في المدن والأرياف، ومن النتائج الإيجابية لهذا الاٌهتمام بالتربية والتكوين، إقبال الإناث على الانخراط في كل مراحل نظام التربية والتكوين، وهو ما بدأت تظهر نتائجه في التحولات الاجتماعية المتسارعة منذ سبعينيات القرن الماضي.

ومن بين هذه التحوّلات بداية التقليل من الفروق بين الأبناء في العائلة وفي المجتمع بوجه عام على أساس الجنس (ذكور-إناث  gender) وإن بقيت اٌتجاهات أخرى سائدة في الأوساط المحافظة، وتتعلق بالشرف العائلي وواجب حماية الإناث من المهد إلى اللّحد ، وهذه الاٌتجاهات لا تتغيّر بتعليمات فوقية ولا عن طريق الحركات المعروفة بالنسوية (Féminisme) فالتغير هو أساس عملية ثقافية تربوية، وبتأثير المحيط العالمي الذي لم يعد خارجيا بحكم وسائل الاٌتصال التي تدخل البيوت بدون اٌستئذان، والسفر إلى الخارج وأفلام ومسلسلات هوليود وبوليود وما تقدمه من نماذج الحياة الجذابة التي لا تمثل كل الحياة كما هي في الواقع.

إنّ النشر الأفقي للتعليم في كلّ ربوع الوطن كان نتيجة للطموح المشروع للشعب الجزائري وإرادة الدولة التي أدركت في وقت مبكّر وأثناء الحرب أنّ تأطير الدولة وبناء المستقبل يبدأ بتكوين الكفاءات المدنية والعسكرية وبذلت جهودا كبيرة لقبول العديد من البعثات لدى الدول الصديقة والمتعاطفة مع كفاح الشعب الجزائري في الشرق والغرب بما فيه فرنسا التي تمكّنت قلّة من الشباب في الاٌنخراط في مدارسها ومعاهدها، ومنهم الكثير ممن كانوا تحت الحراسة أو تعرّضوا للاٌعتقال والإبعاد.

إنّ الهدف من الإشارات السريعة السابقة، هو التأكيد على أنّ بناء الجزائر الجديدة لا يعني محو كلّ ما حققته الجزائر في ماضيها القريب والبعيد لصالح الشعب، فكلّ النجاحات التي تحقّقت وخاصة إذا أضافت للدّولة والوطن قوّة ومكانة، ينبغي تدعيمها وإثراؤها، وإلا وجدنا بلادنا تدور في حلقة مفرغة من الهدم والبناء أو في نقطة الصفر، كما تمثّلها أسطورة سيزيف في الميثولوجيا اليونانية القديمة.

هناك قضايا مطروحة في قطاع التربية والتكوين يدور حولها الجدل من منطلقات علمية وأحيانا من مواقف إيديولوجية تعرّفنا على بعضها عندما كنّا على رأس وزارة قبل سنوات، وبطريقة مباشرة أكثر عندما كنّا من المدرّسين لعدّة سنوات في جامعتي الجزائر العاصمة، ووهران، نذكر من بين هذه القضايا:

-      مسألة الكمّ والكيف حيث يرى البعض أن ضعف المستوى والإخفاق والتسرّب المدرسي وعدم اٌستجابة التكوين لما يتطلّبه سوق التشغيل يعود أساسا إلى تضخيم عدد التلاميذ والطلبة في الأقسام ومدرّجات الجامعات، ولذلك يرى البعض أنّ الحلّ يكمن في تشديد معايير الانتقاء للعبور من مرحلة تعليميّة إلى أخرى، ويرى الليبراليون المتشدّدون أنّ الحل هو أنّ المدرسة والجامعة لمن اٌستطاع إليهما سبيلا ومجانية التعليم هو المشكلة والبداية تكون بخوصصة جزئية أو كليّة للتربية والتكوين وعلى الأقلّ المرحلة الجامعيّة، أمّا المراحل السابقة فقد اٌنتشرت فيها خوصصة مقنّعة نسميها تكميلية لأنّها غالبا ما تستعمل اٌمكانيات المدارس والثانويات علنا أو خفية، بطريقة أشبه بالسوق الموازية في قطاع التجارة.

من المرجح أن خوصصة التعليم قبل الجامعي لن يكون من توجهات الجزائر الجديدة التي عانى فيها الآباء والأجداد من الإقصاء والتجهيل أثناء حقبة الاحتلال الكولونيالي المظلمة، ومن الثابت أن الجهل والأمية من الأمراض المزمنة المؤدية للتخلف والعجز عن الحضور في السّباق بين الأمم قديما وحديثا.  

كما أنّ تخلّي الدّولة عن هذا القطاع الحساس سيؤدي حتما إلى اٌقتصار خدماته التعليمية والتربوية على فئة أو لنقل طبقة تحتكر المال والجاه على حساب نسبة عالية من المواطنين الآخرين الذين يعتقدون أن تمدرس أبنائهم ذكورا وإناثا أحد الحقوق الأساسية التي اٌلتزمت بها الدّولة منذ اٌسترجعت الجزائر حريتها واٌستقلالها.

أمّا القطاع ما بعد الجامعي فإنّ هناك عدّة أشكال من الاٌستثمارات من بينها تكثيف التبادل بين جامعاتنا ومثيلاتها المعروفة بالتفوّق والاٌمتياز في مجالات البحث العلمي والاٌبتكار، وإنشاء شبكة من العلاقات العلميّة مع المخابر الرائدة في العالم في الشرق والغرب المعروفة في مجالات المعرفة الخاصة بالعلوم الصحيحة والعلوم الاٌنسانية والاجتماعية وتكنولوجيات المقدمة Technologies de pointe ودراسة النتائج التي أسفرت عنها تجارب الجامعات التي أقيمت في بعض بلدان المنطقة (لبنان، مصر على سبيل المثال) وما أضافته من معرفة ومناهج وتقدم في مختلف مجالات التنمية الوطنية بدون أن تكون محطات للرصد والتوجيه وتكوين النخب الموالية لسياسات أجنبيّة، ولو كانت ضدّ بلدانهم.

إنّ التقدّم في العلوم والتكنولوجيات حالة كلية، أي أنّ التقدّم في أي مجال منها يفيد مردوده في المجالات الأخرى، وليس صحيحا أن الجزائر في حاجة فقط للعلوم الصحيحة ولا حاجة لها بالعلوم الاٌنسانية والاجتماعية إنّها في الحقيقة محتاجة لتطوير البحث واٌبتكار المناهج الجديدة فيها كلّها، إنّ التخلّف في علوم الإنسان والمجتمع لا يقلّ عن التخلّف في غيرها، فأغلب النظريات الكبرى في العلوم الإنسانية والاجتماعية ومنها التاريخ والاقتصاد والسياسة إلخ... محصورة في جامعات ومراكز البحث في البلدان التي تطوّر فيها البحث والتنظير في العلوم الصحيحة والاٌنسانية جنبا إلى جنب مع علوم الاٌنسان والمجتمع، فالرياضيات هي العلم الأداتي فيها جميعا.

أما مسألة لغة التعليم أشرنا إلى بعض جوانبها في علاقتها بالهويّة وفي سياق المنافسات السياسية، ولعله من المفيد أن نشير إلى أنّ الصّراع الحقيقي يدور بين اللّغتين العربية والفرنسيّة وليس أساسا مع اللغة الأمازيغية، بما فيه الفصل في اٌختيار الأبجدية التي تكتب بها، ولذلك دوافع ترجع إلى مخيال مزدوج عن فرنسا ومركب من وجهين أولهما فرنسا قوّة بطش واٌضطهاد وفرنسا الممثلة للحداثة والقيم المعلنة عن الحريّة والديموقراطية باٌعتبارها واجهة جذابة.

إنّ الدعوة إلى الاستبدال الفوري للغة الفرنسية بلغات أخرى مثل الاٌنكليزية والصينية والروسية وحتى التركية هو ضرب من أحلام اليقظة في الأمد المنظور، وبالتالي يمكن التمهيد لذلك على مراحل والبداية باللغة التي تمثّل قيمة مضافة حقيقية وهي اللّغة الاٌنكليزية التي اٌكتسحت العالم، وهي الأولى بلا منافس في كلّ مجالات البحث العلمي الذي تنشر خلاصاتها Summary بالانكليزية في كل جامعات العالم وتسيطر على المؤسسات الاقتصادية وما يتعلّق بالتجارة والتسويق (Marketing).

 خلاصــــــــــــــــــــــــــة

عرفت الجزائر خلال مختلف مراحل تاريخها محنا واٌمتحانات كثيرة بعضها كان في مواجهة العدوان الخارجي، وبعضها الآخر بسبب صراعات داخلية حول القيادة على مستوى الأحزاب والمؤسسات، وباٌستثناء الاٌلتفاف الواسع والقريب من الإجماع حول الجبهة وجيش التحرير الوطني أثناء الثورة، فإنّ الاٌجتهادات والاٌختلافات الأخرى كانت تقدّم أطروحات يتبناها البعض ويرفضها البعض الآخر قبل التعدّدية وبعدها.

نحن في حاجة إلى اٌستقراء ودراسات علميّة لكلّ مراحل الماضي بدون تضخيم أو تصغير أو اٌنتقائية  من التاريخ العام للجزائر او لمرحلة واحدة تستوعب كلّ الماضي أو تنسب لتوجيهات سياسية معينة، ومن الطبيعي أن تتعدّد فيها المدارس والاجتهادات في المناهج والخلاصات التي تثري الجذع المشترك للوطنيّة الجزائريّة عبر العصور، ومن هذا المنطلق فإنّ للجزائر مجتمعا أولا ودولة ثانيا تاريخ واحد لا يخصّ جهة ولا فردا يكون البداية والنّهاية في مسيرة بلادنا، وإن كان للقيادات كما يقول كارلايل بصمات جديرة بالاٌهتمام بحكم دورها الرائد وما تتميّز به من كارزمية، وقد يظهر في المستقبل علماء يدرسون تاريخ بلدان أخرى في جوارنا الإفريقي وغرب المتوسط وغيرهما من بلاد العالم، فإذا كان من غير الممكن منع الآخرين من البحث في تاريخنا وهم كثيرون جدا، فلا أحد يمنعنا من الاٌهتمام بماضي الآخرين.

لقد كان الهدف الأكبر للأغلبيّة الساحقة من المشاركين في الحراك الشعبي هو رفض وضعيّة أضرّت بالجزائر في تسيير شؤونها الداخلية وقلّلت من مكانتها على المسرح الجهوي والدّولي، وهذه الأعراض لا علاقة لها بما تتمتّع به بلادنا من مقوّمات وإمكانيات معنويّة ومادية، أو لنقل سيرة ذاتية (C.V) تميّزها في محيطها الجهوي والدّولي.

لقد كانت تلك الجموع المشاركة في الحراك تطالب بما سماه المفكّر الأمريكي من أصول فلسطينية إدوارد سعيد مع زميله ف.سليمان بالبحث عن البديل الأفضل بعد معرفة أسباب الخلل أي تشخيص صحيح لما تعانيه المنطقة العربية من عجز وفشل كبدها مجتمعة ومنفردة خسائر فادحة E.Said & F.Suliman : The Arabs today the alternative for tomorrow O.H 1973.

هذا البديل الأفضل بالنسبة لبلادنا يتمثل في اٌستكمال المسار الديموقراطي، واٌمتحانه الحقيقي هو الانتخابات التي تحترم قواعد التنافس والخالية من الشوائب التي أفقدتها الكثير من مصداقيتها في مواعد سابقة، وقد حرصت اللّجنة المستقلّة رئيسا وأعضاء على حمايتها من الذباب الطفيلي والذئاب المتربّصة وفي مرحلة العبور الصّعبة كان الجيش الوطني الشعبي العين الساهرة على وحدة الشعب وحرمة حدوده حتى المحطّة المنشودة وهي الاٌنتخابات الرئاسية، لقد تعهّد أن يبقى وفيا لأمجاد جيش التحرير الوطني وشهدائه العظام.

في العلاقة بين المؤسّسة العسكرية وبقية المؤسّسات ينبغي التذكير ببديهيات أولية  Tautologies  وهي: أنه لا وجود لوطن بلا شعب ولا وجود لشعب ووطن بدون جيش للدفاع عنهما معا  ونجد تـهما في حالة التعرض للخطر، وإلى جانب الجيش فإنّ على المكلّفين بالسهر على الأمن القيام بواجباتهم الضرورية في الريف والمدينة في إطار قوانين الجمهورية ورقابة المنظمات المختصّة في حقوق المواطنة التي لا تخضع للتحريك والاٌستخدام من جهات تحرّض بالمال والإعلام من الخارج.

أمام الجزائر الآن قائمة طويلة من الورشات تتساوى في الأولوية والأهمية أشرنا إلى بعضها فيما سبق، ظهرت مؤشراتها في الخطاب الافتتاحي الذي بدأت به ملامح الجزائر الجديدة، وهو ما يبشّر بالإقلاع في الاٌتجاه الصحيح، وخاصة إذا نجح الوطنيون وهم كثيرون، ولا شكّ أنّ منهم من يحبّ الجزائر بطريقته ولتقصير المسافة وربح الوقت الثمين فإنّه من المفيد الرّجوع إلى الوصفة التي تقترحها الفيلسوفة إلزبيل ستنجر I.Stengers  في دراستها بعنوان: إعادة تنشيط الحس الجماعي، الحد من التفكير الدّائري Réactiver le sens commun, les empêcheurs de penser en rond , découverte, paris 2020.

والحسّ الجماعي في بلادنا متجذّر في التعلّق بثلاثي الحريّة والعدالة والتقدّم، الداخل فيها مولود من أبنائها والخارج عنها تائه بلا مقرّ ولا عنوان (SDF).

في الكلمات السّابقة تعبير عن قناعات لم تتأثّر بلون اللّباس وعناوين المسؤولية التي لم يطلبها الكاتب أبدا لا سرّا ولا علنا، وكان جهاز الوقاية من ما يطرأ عليها من انحراف هو الحذر من الإغراء و الإغواء.

الجزائر في 18-05-2020

محمد العربي ولد خليفة

 جامعي     

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18325

العدد18325

الأحد 09 أوث 2020
العدد18324

العدد18324

السبت 08 أوث 2020
العدد18323

العدد18323

الجمعة 07 أوث 2020
العدد18322

العدد18322

الأربعاء 05 أوث 2020