الرّبيع العربي: النّهاية أو نهاية البداية

بقلم: دكتور محيي الدين عميمور

سؤالان يتردّدان كلّما تطرّق الحديث إلى موضوع الرّبيع العربي
السّؤال الأول: لماذا لم يمر الرّبيع العربي بالجزائر؟
نحن لم نعرف الرّبيع العربي لسببين رئيسين، أولهما أن نظام الحكم، ورغم أخطائه وعثراته، لم يكن بالسوء الفاجر الذي كانت عليه نظم عرفت الربيع، ولن أستعرض هنا ما يعرفه الجميع، ورغم كل شيء واصلت الجزائر مسيرتها، برغم عثرات لا نخجل من الاعتراف بها وأخطاء لا بد من تداركها.
وهنا يأتي السبب الثاني المرتبط بالأول والذي أفشل مؤامرة الثمانينيات، وهو أن بناء الدولة الجزائرية كان وفيا لما وعد به الرئيس هواري بو مدين عند التصحيح الثوري في 1965، فقد أقيمت دولة لا تزول رغم الأحداث وزوال الرجال، وكان الدليل خروج الدولة بسلام من العشرية الدموية، التي كانت خسائرها، البشرية والمادية، درسا استوعبه كل الجزائريين الحريصين على حماية الدولة، ولم تنجح محاولات بعض المرتزقة في تحويل أي شغب عادي إلى حريق مدمّر، وواجه شعبنا المأساة وحيدا، وتحمل يومها شماتة كثيرين يحاول بعضهم اليوم إعطاءنا الدروس.
ومعروف أن دولة عربية تعرّضت يوما لبعض ما عشناه، استدعت الدرك الفرنسي لحماية وجودها بالقضاء على جناة اعتصموا يومها بالمسجد الشريف.
وأعتقد أنّ الباقي كلّه معروف.
السّؤال الثاني:
هل نستبعد نظرية المؤامرة؟
المؤامرة جزء طبيعي من الحياة الإنسانية، ولعلها بدأت عندما سوّل الشيطان لآدم وحواء مخالفة الأمر الإلهي، لكن استجابتهما للمُوسْوِسِ هي التي أدت إلى إخراجهما من الجنة، ولن أذكر بنظرية مالك بنابي عن القابلية للاستعمار.
وتآمر الأعداء علينا هو أمر طبيعي، لأن غريزة القطة تجعلها تجري وراء الفأر، لكنها تتفادى أي مواجهة مع أسد أو نمر أو قط بارز المخالب.
ومخطّطات قيادات الشمال المسيحي - اليهودي التي تستهدفنا، وأنا أتحدّث دائما عن القيادات لا عن الشّعوب الواعية، تلك المخطّطات هي عملية تاريخية ستتواصل طالما كانت هناك مواد أولية يضمن تصنيعها لهم فائض القيمة ومحاربة البَطالة، وطاقة نفطية توفر الضوء والحرارة وتكييف الهواء للناخبين، ويوفر إنتاجا صناعيا لا بد له من أسواق تمتصه، وأسلحة ومعدات تكفل الملايير للأشخاص والحكومات في البلاد المتقدمة.
واستراتيجية الدول المُستعمرة هي حماية مصالحها، وهي تضع دائما عدة بدائل للتعامل مع وضعية بلد تعتبره في إطار مجالها الحيوي، والسيطرة عليه هدف دائم لها، وهو ما يعني أن إرادة الشمال المتآمر قد تلتقي مرحليا مع نتائج ثورات الشعوب، وقد تساهم، بشكل أو بآخر للوصول إلى نتائج تحقق أطماعها، وهذه نقطة أخرى يجب ألاّ نتناساها.
والأمور تخرج يوما بعد يوم من إطار السرية، والاستنتاج لا يحتاج إلى عبقرية فريدة، فبالإضافة إلى مصطلح (الفوضى الخلاّقة) الذي تغنّت به حمالة الحطب الأمريكية، نشرت منذ عدة سنوات في الغرب خرائط عن مخطّطات لتقسيم المنطقة العربية إلى كِيانات مجهرية على أسس دينية ومذهبية أو عرقية، أي استنساخ (سايكس بيكو)، بطريقة النّعجة (دوللي)، وتقسيم السودان ما زال في الأذهان.
وطبيعي تماما أن ينتهز الغرْب كل فرصة لخلق وضعية تسهل تحقيق أهدافه، الآنية والمستقبلية، مثل تنفيذ منطقتي الحظر الجوي على العراق، والذي أدى إلى نشوء إقليم ذاتي الحكم سوف يتحول يوما إلى ما أصبح عليه جنوب السودان، كما أعطى للجنوب العراقي إمكانية إقامة نفوذ شيعي متميز، ونحن نعرف تداعيات عمليات الفالوجا والموصل وحلب، وكلها تهدف إلى تفتيت المنطقة.
لكن التطورات فتحت أعين كثيرين في المنطقة على أنّ تكوين كيانات جديدة ضد المنطق التاريخي وضد المصالح الإستراتيجية للشعوب ليس دائما هو الحل المثالي، لأن ذلك يمكن لأن يكون أكثر سوءا من كل المبررات التي تسوقها القيادات المحلية التي تحركها مصالح الاحتكارات العالمية.
ذلك أنّ ما يمكن أن يرتبط بتلك العمليات من هجرة طوعية أو تهجير قسري للسكان قد يؤدي إلى وضعية نزوح مأساوية رأيناها عند تقسيم الهند، ونراها اليوم إثر تكوين السودان الجنوبي، وقد تكون لها آثار أكثر أو أقل سوءا كما يبدو من تطور الأوضاع في العراق، وتأثير ذلك على سوريا وربما على تركيا بعد ذلك.
من هنا تظل احتمالات فبركة الأحداث دائما تساؤلا مشروعا، وقد يثبت التاريخ يوما أن تفجيرات نيويورك، التي اتّخذت مبررا لغزو أفغانستان في الطريق نحو تدمير العراق، كانت عملية مخابراتية أمريكية، وهو ما يذكر بالهنود الحمر المزوَّرين، وما يمكن أن يفهم، استنتاجا، من التسريبات التي رَوَتْ نتيجة دراسات أوحت للقوم هناك بأن بلادهم في حاجة لهزة نفسية تشبه ما عرفته إثر الهجوم الياباني على بيرل هاربر في 1941، وكان له فضل نجاح التجنيد الهائل حول قيادة الرئيس روزفلت، وكذلك ما تردد عن دور إسرائيلي محتمل، يرتبط بكثير مما يقال عن اغتيال الرئيس كينيدي في بداية الستينيات.
وسوف يتأكّد لنا يوما بعد يوم بأنّ دعوات الديموقراطية التي تنهال علينا من الشمال ما هي إلا عملية نفاق مضحك، هو من أهم أسباب غضبة الشباب، فالغرب يتواطؤ مع أنظمة الثورة المضادة التي تمارس القمع الدموي الفاجر ضد مواطنيها، ويستعمل كل الوسائل بما فيها الرشوة المالية والحماية الأمنية، فالقوم يريدون تسويق طائرات (الرافال)، منزوعة القدرات القتالية بطلب من إسرائيل، وحاملات مروحيات (الميسترال) بنفس المواصفات، وجبنة (كيري) وكاميرات الرقابة والسيارات المدرعة والزجاج المضاد للرصاص، وقبل ذلك ضمان أمن (الأشكيناز) في إسرائيل لكيلا يلقوا مصير نزيل دار لقمان، أو نهاية مملكة القدس اللاتينية وإمارة أنطاكيا، والحيلولة دون (حطين) جديدة.  
وقد نكتشف حقائق كثيرة حول اتفاقيات كامب دافيد ودورها في دعم الوجود الإسرائيلي، وأذكر هنا أن «وليم كوانت» قال لي في ندوة عامة، وفي حضور وزير الخارجية الجزائري : لو كانت هناك ديموقراطية لما أمكن تمرير كامب دافيد.
ولا يمكن بالتالي أن نتوقّع من الشمال أي دعم مخلص لمسيرتنا نحو التحرر الكامل، سياسيا واقتصاديا وثقافيا، طالما كان رهين إرادة مؤسساته الاحتكارية والاستعمارية، وتلميذا مطيعا لفكر البابا أوربان الثاني، وراعيا دائما للكيان الصهيوني، جاعلا إياه دائما دركيا يحول دون أي تقدم للأمة.
وأي آمال على تفهم قيادات الغرب، بمنطلقاتها الحالية، لمطامحنا وآمالنا هي سراب بقيعة.
ومن هنا فإنّ بناء قوتنا الذاتية بالجهد الذاتي هو أسبقية الأسبقيات، وهو عمل شاق يتطلّب إرادة حديدية تنطلق من إيمان عميق وبصيرة واعية ونظرة مستقبلية.
تحيّة لشباب الربيع العربي الذي تكاثف ضده القريب والبعيد، والعدوّ وشبه الصديق، وتحية لثورة الياسمين وترحّم على شهداء الأمّة في كل مكان، ومن بينهم شهداء ساقية سيدي يوسف التي احتفلنا بذكراها شهر فيفري.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17749

العدد 17749

الثلاثاء 18 سبتمبر 2018
العدد 17748

العدد 17748

الإثنين 17 سبتمبر 2018
العدد 17747

العدد 17747

الأحد 16 سبتمبر 2018
العدد 17746

العدد 17746

السبت 15 سبتمبر 2018