وقعت في 20 أوت 1955 ببشار

معركة حاسي تيمكناس الملحمـة المنسيـة بالولايـة الخامســـة التاريخيــة

بقلم: الأستاذ فوزي مصمودي باحث في التاريخ ومدير المجاهدين ببشار

بالرغم من تطويق الاحتلال الفرنسي لحدودنا الغربية والشرقية بأسلاك مكهربة وملغمة عقب اندلاع ثورة نوفمبر 1954 المجيدة، عُرفت في أبجدياته بـ ( خط شال وموريس) بداية من عام 1957 ــ تقريبا ــ، إلا أن هذا المخطط الجهنمي والعمل الإجرامي لم يزد ثورتنا التحريرية إلا استعارا وقوّتها شراسة ورجالاتها تصميما لاسترجاع السيادة الوطنية وإعادة الكرامة للإنسان الجزائري بعد قرن ونيّف من الإستعباد، متمثلين بقول الشاعر أحمد شوقي :
   وما نيلُ المطالب بالتمنّي ...
              ولكن تُؤخذ الدنيا غِلابا
مع استخدام ثورتنا لجميع الوسائل المتاحة والممكنة لتحقيق أهدافها وغاياتها، تجسيدا لما جاء في بيان أول نوفمبر.  
وضمن هذا الإطار فقد شهدت المنطقة الثامنة ( بشار وما كان يتبعها ) بإقليم الولاية الخامسة التاريخية العديد من المعارك والاشتباكات والكمائن وعمليات تخريب خط السكة الحديدية ...
ومن أبرز معارك جيش التحرير الوطني التي كانت المنطقة مسرحا لها ( معركة حاسي تيمكناس ) بتراب بلدية بوكايس ( دائرة لحمر ولاية بشار ) بتاريخ 20 أوت 1958، وكأنّي بمجاهدينا قد أحيوا ذكرى الهجومات على الشمال القسنطيني في 20 أوت 1955 بقيادة البطل الشهيد زيغود يوسف ، وذكرى مؤتمر الصومام في 20 أوت 1956 بطريقتهم الخاصة من خلال هذه المعركة، التي استمرت يوما كاملا ؛ على ما يروي بعض الذين شاركوا في هذه الملحمة.
وقد ألقى العدو بثقله فيها فاستخدم أسلحة فتاكة ومختلفة للقضاء على المجاهدين الذين كانوا متواجدين بالمنطقة؛ من طائرات ودبابات و أسلحة خفيفة ، كما جهّز جيشا للإجهاز عليهم، فيما استخدم المجاهدون أسلحة خفيفة كانت بحوزتهم من نوع بنادق بلج ، مات 36 ، ورشاش خفيف من نوع مات 49 .
وبالرغم من عدم تكافؤ القوتين ووجود المجاهدين في منطقة مكشوفة فقد استطاعوا أن يقضوا على مجموعة من الفرنسيين المعتدين وجرح آخرين ، لم يتمكنوا من حصر عددهم، للتكتّم الشديد الذي كانت تمارسه الإدارة العسكرية للاحتلال حول عدد قتلاها وجرحاها في كل المعارك والاشتباكات.
أما بواسلنا وبالرغم من دفاعهم المستميت وشجاعتهم النادرة وبطولتهم التي أذهلت العدو فقد استشهد منهم ( 14 مجاهداً ) من عديد مناطق الوطن ، امتزجت دماؤهم في هذه المنطقة بحدودنا الغربية ، وهم الشهداء : العوفي عبد الله الشهير بـ طالب عبد الله ( بشار )، رحيمي محمد ( العبادلة  ــ بشار ) بيلي عبد القادر ( العبادلة  ــ بشار ) زرواطي رمضان ( القنادسة ــ بشار ) مومـني عبد القادر ( بشـار ) بن دحو مبيريك  ( العبادلة  ــ بشار )  قويدري خليفة ( العبادلة  ــ بشار )  بودحو محمد ( القنادسة ــ بشار ) دادة محمد ( القنادسة ــ بشار ) راشدي بومدين ( بني صاف ــ عين تموشنت ) بلهواري ( تاغيت ــ بشار )  مصار ( المسيلة ) التهامي ، عبد الحميد ( تلمسان ) وللأسف لم نتمكن من التعرف على الأسماء الكاملة لبعض هؤلاء الشهداء .
كما أَسر العدو مجاهديْن اثنين ، هما السيدين شنتوفي أحمد ومويسي سليمان (رحمهما الله).
ومن الذين شاركوا في هذه المعركة كذلك، المجاهدون : خربوشي خليفة بلمحجوب ( القنادسة ــ بشار ) الذي استشهد بعد ذلك في معركة منونات ببشار عام 1959، قاسم محمد ( العبادلة  ــ بشار ) حمو بن عيسى ( بشار )  شنتوفي أحمد ( عين العراك ــ البيض ) خليفي المداني ( بشار ) التاج الزاوي ( البيض ) مويسي سليمان (البيوض ــ البيض ) بن اعمر ( ندرومة ــ تلمسان ) راشدي بومدين ( بني صاف ــ عين تموشنت) ..
ويروي المجاهد الحاج محمد قاسم ــ أحد الذين شاركوا في المعركة وما زال حيا يرزق وقد اتصلت به بتاريخ 23 أوت 2017 فأعلمني قائلا : « مساء يوم 19 أوت انطلقنا من جبل قروز ببشار باتجاه منطقة بوكايس بالحدود دون أن نتفطن إلى آثار أقدامنا ومراقبة العدو لتحركاتنا، وقد تعرف على وجودنا من خلال طائراته التي كانت تحوم بالمنطقة بصفة دائمة  « وعن بداية المعركة ذكر لي : « أنه في صبيحة اليوم الموالي أي في 20 أوت قامت طائرات العدو بقنبلتنا بشدة .. بعدها حوصرنا بجيشه ودباباته ومعداته فشرعوا بمهاجمتنا إلى غاية الساعة السابعة مساء «.
أما بعد نهاية المعركة فيقول : « نجوتُ من ضربات العدو في هذه المعركة الضارية مع الأخوين المجاهدين بن اعمر وخليفي المداني، هذا الأخير الذي كان دليلنا باعتباره يعرف المنطقة ومسالكها جيدا، وقد انصرفت وحدي بعد ذلك فتهتُ في الحمادة لمدة ثمانية أيام، وعانيتُ حينها من الجوع والعطش ولم أعثر على رفاقي .. حتى التقيتُ بالسيد الميلود من بلدة بوكايس، الذي أغاثني ودلّني على الطريق، فدخلتُ مدينة القنادسة واتصلت بالمجاهد أحمد الشرقي بمنطقة كسيكسو، حيث ساعدني هذا الأخير لأتصل بجيش التحرير الوطني ثانية، حتى ألقي القبض عليّ من قبل عساكر العدو بتاريخ 16 أكتوبر 1959 ، ولبثتُ في السجن إلى غاية 24 ماي 1962 « أي ما بعد شهرين أو يزيد من وقف إطلاق النار في 19 مارس 1962 ، رغم أن اتفاقيات إيفيان تلزم الطرفين ( الحكومة الفرنسية ) و( الحكومة الجزائرية المؤقتة ) بإطلاق سراح السجناء والأسرى !
وبالرغم من عدم تعرّفنا على تفاصيل هذه المعركة وجميع حيثياتها لوفاة أغلب من شارك فيها تقريبا، وعدم عثورنا على تسجيل مصور كشهادة حية لبعض أو أحد صناع هذه الملحمة البطولية ــ للأسف الشديد ــ  إلا أن معركة ( حاسي تيمكناس ) تبقى صفحة ناصعة في تاريخ ثورتنا المجيدة ، ومحطة هامة من محطاتها الكبرى ، تضاف إلى السجل الذهبي للمعارك الفاصلة التي خاضها جيش التحرير الوطني ضد الغزاة الفرنسيين. .

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17754

العدد 17754

الثلاثاء 25 سبتمبر 2018
العدد 17753

العدد 17753

الإثنين 24 سبتمبر 2018
العدد 17752

العدد 17752

الأحد 23 سبتمبر 2018
العدد 17751

العدد 17751

السبت 22 سبتمبر 2018