الرمزية الروحية والثقافية والاجتماعية لتظاهرة «بْيَانُو» في الجنوب الجزائري

الدكتور: بن خالد عبد الكريم

01. تظاهرة العاشوراء «بْيَانُو» فعل ثقافي تراكمي لممارسات طقوسية لسكان الحوض المتوسط والساحل الافريقي

يعتبر الفعل الثقافي فعلا تراكميا ولا يموت أمام الثقافة الغالبة والطاغية وهو ما نلاحظه الآن عندما نجد الكثير من الآثار من والمضامين الثقافية في الجنوب الجزائري والتي تنتمي إلى ثقافات غير عربية كالثقافة الفرعونية والثقافة والوندالية والفينيقية والأمازيغية بل وحتي الثقافة الزنجية والتي تظهر في نوع من التحايل على الثقافة المهيمنة العربية الاسلامية، عن طريق تكيف ممارساتها مع الثقافة المهيمنة، وهذا ما يجرنا إلى الحديث عن عاشوراء والاحتفالات المصاحبة لها، فمعظم الطقوس التي نمارسها في الإحتفالات بعاشوراء هي في الحقيقة عبارة عن تمازج الاسطورة بالدين من خلال ممارسات حياتية كانت تمارس قديما والتي كيفها الانسان مع واقعه الديني عن طريق استحضار اللاوعي الجمعي في شكل سلوكات ثقافية مورثة عن الطريق الجينات الاجتماعية كما يرى بعض الاتروبولوجيين، والتي تتجسد في مسرحية طقوسية هي في أصلها كانت طقوس في العالم القديم ولكنها الآن اصبحت مجرد مسرحية هزلية تحاكي الماضي كرقصة «بركة ايشو» في زاوية كنتة، «تاسلت ان بلعما « قديما في تيميمون ايام العاشوراء كنوع من الاحياء الاسطوري الذي تختزنها الذاكرة الجماعية، وفيه من الانتروبولوجيين من يرى ان احتفال الطوارق عن طرق الرقص ما هو الا عبارة عن عادات كانت في القديم طقوس دينية تمارس اعتمادا على أسطورة دينية، فرحا بآلهة الخير والنماء والخصوبة وتوديعا للإله القديم الذي يتمثل في العام الذي مضى ولكن مع دخول الاسلام انضوت هذه الثقافات تحت مسميات دينية وعرقية واجتماعية فبعضهم يعتبرونها عيدا والبعض يعتبرها مأتما والبعض الآخر يعتبرها اعراف اجتماعية تقام فيه طقوس الاحتفال بأولياء الله الصالحين نتيجة دورات الحياة الحضارية للمجتمعات والبلدان وتأثير الموروث الاجتماعي من جيل إلى جيل ومن مجتمع إلى مجتمع حتى في الجانب الديني والجانب الرسمي منه.
فمن مرجعية قاموسية عربية كما يرى الباحثون: العاشوراء (ويكتب أيضا: العاشورا أوالعاشورى) والعشوراء (ويكتب أيضا: العشورا أوالعشورى) وفي المناطق الناطقة بالأمازيغية بالمغرب نجد أمعشور وتامعشورت وئمعشار وتاعشورت وبوكفّوس وؤداين ن عاشور أما عندنا في الجنوب الجزائري في منطقة أدرار فيسمى « بيانو» اللغة المحلية الزناتية للتمييز بين ما يطلق على الاحتفال نفسه وما يطلق على الشهر الذي يقام فيه الاحتفال، وبين ما يطلق على الطقوس التي تمارس فيه.
 02. الرمزية الاجتماعية لطقس «بْيَانُو» في المجتمع التواتي الكبير
بْيَانُو احتفالية اجتماعية يقوم بها المجتمع التواتي الكبير في الجزائر في كل عام مرة، وذلك في التاسع من شهر محرم والعاشر منه وتمتد إلى أكثر من ذلك، فهذه الظاهرة تعدّ تبركا باليوم المبارك (يوم عاشوراء) الذي يقدم الناس فيه على الصدقات والزكاة والتي ترمز إلى التكافل الاجتماعي داخل المجتمع الواحد من خلال تبادل الأكلات بين منازل القصور الواحية وكأنها عائلة واحد.
ومن اللغويين من يرجع كلمة «بْيَانُو» إلى الأصل العربي من «البيان» ويعني الوضوح والظهور، فقد ظهر في الهلال ووضّح قبلك، فأنا أخبرتك بمصطلح محرم، فلك أن تعطيني شيئا، لكننا نرى أن هذه الكلمة كلمة أمازيغية تعني الأكلة التي يتناولها الساكنة يوم العاشوراء الممتثلة في الفول والحمص المطبوخ بطرقة خاصة وتوزيعها على الأطفال يجتمعون ثم يجولون بين أرجاء القصر أو المنازل، يجمعون ما يعدّونه أهل المنزل لهم من حبوب أكل جاهزة ومن ما تعدّه الأمهات للأطفال في ذلك اليوم من الحبوب وغيره ما يلي: الفول، الحمص...إلخ بالإضافة إلى الفول السوداني.
ومن أهم ما يرددونه من أقوال في منطقة توات:
.خبزا... خبزا... بيانو** هاتي بيانو يا عيشة*** خبزة وعظم... بيانو
بيانوا فيك» ويرد عليه: «الساقية والماجن ترويك».
أما باللهجة الزناتية الأمازيغية: فيردد الأطفال: بيانو بيانو***** افااااااول انسوجنا
فلما يردّدون هذه العبارات، تأتي لهم ربة البيت بنتا كانت أم أمّاً، فتفرغ في كل إناء نصيبه من الحبوب، وتعدّ ظاهرة «بيانوا فيك» في منطقة توات الكبرى عموما من العادات والتّقاليد التي لاقت اهتمام الأغلبية من الناس بخاصة منهم الأطفال والنساء، والاحتفال بيوم عاشوراء في منطقة أولف مختلف اختلافا طفيفا عن منطقة توات: ففي 09 محرم المعروف بيوم عاشور، يحدث ما يلي:
واما بعض الساكنة فيحتفلون بمناسبة عاشوراء من القديم حتى يومنا هذا، فمنذ دخول شهر محرّم، يبدأ الناس ببعض العادات منها: أن الناس أو بعض السكان (رجالا ونساء) يربطون أيديهم وأرجلهم بسعف النخيل الأخضر طيلة اليوم يطلبون من الله أن يحقق لهم أمنياتهم كل حسب ما يتمنى، لكن تبقى أمنية الزواج من الأمنيات الشائعة خاصة بالنسبة للنساء، ثم في اليوم الموالي وعندما ييبس هذا السعف ينزعونه من أيديهم وأرجلهم بعدما يقرأ الرجال الفاتحة، حيث نلاحظ تداخلا بين الطقس الديني والاسطورة في المخيال الجماعي لسكان القصور والواحات الصحراوية نتيجة تكيف الطقس الاسطوري مع المقدس في تمازج بين الثقافة الاصلية لساكنة والثقافة الاسلامية وان عبارة «بيانوا فيك»، يتداولها الناس فيما بينهم يوم عاشوراء وكل من يسبقك بقولها، عليك أن تعطيه شيئا مقابل ذلك.
صورة أكلة الفول أو الحمص المطبوخ بطريقة خاصة تسمى أكلة «بْيَانُو»
03. الرمزية الروحية للعاشوراء في المجتمع أقاليم توات والقورارة
وعن الاحتفالات بأيام العاشوراء عاشوراء من خلال عادات وتقاليد متوارثة عبر قرون خلت تعكس الأبعاد الروحية والصوفية لهذه المناسبة الدينية الكبيرة حيث تعد تمنطيط عاصمة إقليم توات قديما العريقة بتاريخها وتراثها احدي أهم المناطق التي تعيش فعاليات التظاهرة وذلك منذ العهد الغابر حيث كان يسكنها اليهود الذين وصلوا إلى هذه الجهة الجنوبية في 130 ميلادية، وشيدوا بين 470 و540 ميلادية قصورا كبيرة وساهمت هجرة اليهود الإسبان إلى المنطقة باتجاه تفيلالت دعماً لهم، حيث تزايدت أعدادهم واصبحوا يحتفلون بيوم عاشوراء بطريقتهم الخاصة كما يرى بعض المؤرخين، وعند دخول الإسلام للمنطقة شرع المسلمون من أمازيغ وعرب في الاحتفال بالمناسبة فكانت مدينة «بودة « وهي مدنية حليفة لمدينية تيمنطيط يشدون الرحيل إليها للاحتفال بعاشوراء أين يجدون في استقبالهم مقدم ومريدي وأتباع الطريقة الطيبية الوزانية لمؤسسها مولاي الطيب الوزاني بمدخل «توفاغي» لتنطلق بعدها مراسيم الاحتفالات الدينية والروحية بداية برقصة «صارة»  ليلة بيانو وتستمر يومين على التوالي 10 و 11 من شهر محرم تقام خلالها سهرات لفرق الحضرة والبارود ووتختم بزيارة ضريح سيدي ناجم بعد جولة فرق الحضرة عبر المقابر لزيارة الأضرحة والترحم على الموتى في أجواء إيمانية مهيبة.
 صورة الحضرة على الطريقة الطيبة الوزانية في تمنطيط بمناسبة العاشواء
أما في قصر أولاد الحاج بزاوية كنتة فتعيش هذه التظاهرة على وقع مسرحية «الرجل ايشو « وهي عبارة عن سيناريو حكايتها مع عاشوراء كل سنة أو ما يعرف «بايشو» المتميز بلباس مصنوع من ليف النخيل ومزركش بقطع القماش وخيوط الحياكة والذي يرقص وسط جمع من الحضور على أنغام قصائد محددة وواهاجيز الزمار ولا يكتفي بالرقص فقط بل بالقيام بحركات ترفيهية مضحكة للمتفرجين ويحيط بشخص «إيشو» شخصيات مساعدة تعرف بالوزير أثناء على أنغام الطبل والزمار لايحسنها إلا أهل زاقلو وأولاد الحاج كما قلنا سابقا هي عبارة عن مسرحية طقوسية هي في أصلها كانت في اقديما ولكنها الآن اصبحت مجرد مسرحية هزلية تحاكي اما ستبطنه الماضي ، وتجدر الإشارة إلى أن معظم قصور أدرار تشهد إقامة سهرات» بابا عاشور» بعد صلاة العشاء من كل عام.
صورة الرجل «أبايشو» مساعده في احتفالية بمناسبة العاشوراء
أما في إقيم القوارة فتشهد نفس الممارسة الطقوسية لأيام العاشوراء، حيث يروى أنه في يوم العاشوراء تقام وعدة 99 والي صالح وهذا ما يقودنا إلى التأكيد على قداسة هذا اليوم لدى ساكنة القورارة وتوات حيث تعرف هذه المناسبات إقبالا منقطع النظير للمواطنين والمواطنات على الاحتفالات التي هي مناسبة لطقوس دينية «السلكة « قراءة القراءان جماعة، وطقوس فنية «كالبارود» في قصر «ماسين» فرحا بهذا اليوم البهيج لدى سكان تيميمون وماسين وكالي وقنتور وحلفائهم من قصور تالة، كما يزور البعض الآخر القبور والدعاء للمولى عز وجل في هذا اليوم المبارك.
صورة لرقصة البارود بمناسبة العاشوراء في إقليم توات الكبير
وتتواصل الاحتفالات إلى غاية اليوم 12 و 13 بقصور «طلمين»، باحمو، سيد المختار، بوكزين، يحيا ودريس، تاوراخت، قلو، تمسقلوت، الساقية، تيمارن، نعمة، تاكيالت، قطوف، تعربين، فناون، تاغوزي، طلمين لقصر (أغام). أهمها وأكبرها تاغوزي ثم طلمين القصر ثم الساقية ثم باحمو ثم قلو وسكانها امازيغ ويتحدثون بالزناتية 13 من عاشوراء في وعدة سيدي احمد والحاج من احفاد سيدي موسى والمسعود لختم السلكة عن ضريحة والاحتفال على أنغام البارود الذي ينظمه سكان قصور طلمين، إضافة إلى تنظيم معارض اقتصادية بهذه المناسبة.

قراءة «السلكة» قراءة القرآن جمعية في أحد قصور طلمين
04. «سبيبة» في جانت... العاشوراء رمز للسلم بعد الحرب لدى الرجل الأزرق
منذ خمسة آلاف عام يحتفل الطوارق الميهان وازلواز بذكرى السلام بعد حرب ضروس ويجسدون احتفالهم برقصات المحاربين التي ترمز إلى عقد الصلح الذي أبرم ذات يوم بين قبيلتي «أورارم» و»تارأورفيت»، والذي يجسد نهاية لمسار حروب طاحنة امتدت وقائعها لتاريخ طويل بين قبائل منطقة الطاسيلي، وما يرمز إليه هذا الحدث أيضا من تكريس قيم السلم والتصالح في مهرجان مصنف في تراث عالمي لا مادي من اليونيسكو.
حيث يصادف هذا الاحتفال لأوّل محرم ويمتد إلى غاية عاشوراء ومن هذا المنطق بات هذا العرس التقليدي الذي يستمر طوال 10 أيام كاملة ويحتفل به بشكل مستمر حتى تم تحويله إلى مهرجان ثقافي منذ 2009 يسوده جو من العواطف التي تختزل الود والاطمئنان الطوارقي على أرض الصحراء بالهقار.
صورة لرقصة السبيبة بمناسبة الاحتفال بأيام العاشوراء في جانت
ويرى باحثون متخصصون أن الرقصة تعبر عن حالة من السعادة عندما استطاعت قبيلة الطوارق آجر الإنتصار في معركتها على فرعون مصر، أما القصة الأشهر عن قصة تظاهرة السبيبة أنها احتفال خاص من التوارق بموت فرعون، إنها بالنسبة إلى التوارق «أيام موسى»، ولأن «مواجهات حدثت بين النبي وأتباعه وبين عدوهم فرعون، فإنهم يحيون هذه التظاهرة بإقامة احتفالات حربية، هي عبارة عن حروب فنية، لا تسيل فيها الدماء، بل تؤدى عن طريق رقصات تعيد تمثيل ذلك اليوم الغابر، وتقليد تلك المواجهات بين النبي وغريمه بالفن، بالكلمات، بالقصائد، وبالرقص والغناء». ومن الباحثين من يرون أنها رقصة تقليدية تاريخية تعود إلى 1.230 قبل الميلاد، وأن تاريخ هذه المناسبة يحسب على أساس التقويم القمري الذي يتناسب مع عيد عاشوراء مما أدى بالبعض إلى الخلط بين المناسبتين طيلة ردح من الزمن.

  الجامعة الإفريقية - أدرار - أحمد دراية

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17754

العدد 17754

الثلاثاء 25 سبتمبر 2018
العدد 17753

العدد 17753

الإثنين 24 سبتمبر 2018
العدد 17752

العدد 17752

الأحد 23 سبتمبر 2018
العدد 17751

العدد 17751

السبت 22 سبتمبر 2018