قضيّة اللاّجئين وحق العودة

نظرة موضوعية في قضايا الحل النّهائي للصّراع الفلسطيني ــ الإسرائيلي

د - عبير عبد الرحمن ثابت

في سلسلة من المقالات سنتناول بمنهج تحليلي قضايا الحل النهائي للصّراع الفلسطيني الإسرائيلي، وستكون القضية الأولي قضية اللاجئين وحق العودة؛ والذين هم قرابة (800 ألف مواطن فلسطيني) غادروا وطنهم قسراً؛ تحت وطأة المذابح والتطهير العرقي؛ والتي ارتكبتها العصابات الإرهابية اليهودية بحقهم، لإحداث حالة من الذعر والإرهاب في صفوف الشعب الفلسطيني. 

ففي نهاية العام 1948 وعشية إنتهاء الانتداب البريطاني علي فلسطين، وإعلان العصابات المسلحة اليهودية في حينه عن قيام دولة إسرائيل، واندلاع حرب فلسطين بين تلك العصابات المدعومة دولياً والدول العربية؛ الرافضة لاغتصاب أرض فلسطين، خرج الفلسطينيون من ديارهم وهم يحملون مفاتيحها؛ طلباً للأمن واحتماءً بالجيوش العربية؛ تاركين ورائهم بيوتهم؛ وأراضيهم وممتلكاتهم، آمليين العودة لها قريباً فور انتهاء الحرب، ومع نهاية الحرب وهزيمة الجيوش العربية؛ تحول أولئك (800 ألف مواطن فلسطيني) إلى لاجئين في الشتات؛ أو نازحين فيما تبقي لهم من وطنهم في كلاً من الضفة الغربية وقطاع غزة، فيما تبقي  قرابة (150 ألف فلسطيني) تحت الحكم العسكري الإسرائيلي داخل ما يعرف بدولة اسرائيل، وكذلك بقيَ قرابة (100 ألف) من الفلسطينيين في مدنهم وقراهم في ما تبقي من أراضي فلسطين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهو ما يعني أن قرابة 80 % من شعب فلسطين البالغ تعدداه حوالي المليون نسمه في حينه؛ قد تحول بحلول العام 1949 إلى لاجئين، وهو ما يعني أيضاً أن قضية اللاجئين؛ هي محور أساسي منذ اللحظة الأولي في الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، وليس أدل علي ذلك من أن أول القرارات التي أصدرتها الأمم المتحدة؛ كان القرار 194؛ الذي ينص البند 11 فيه على حق العودة للاجئين لمن يرغب في ذلك؛ وتعويضهم جميعاً على ممتلكاتهم التي فقدوها أثناء الحرب، وذلك بالنص الصريح الذي لا يقبل التأويل.

التطوارات الدّيمغرافية والسياسية للصّراع والاختلال الواضح في ميزان القوّة
ومع مرور قرابة السبعين عام على قرار 194، والذي بقي دون تطبيق؛ نظراً لأنه لا يخضع للبند السابع، حاله في ذلك كحال كل قرارات الأمم المتحدة في الشأن الفلسطيني، ومع التطوارات الديمغرافية والسياسية للصراع، والاختلال الواضح في ميزان القوة بين طرفي الصراع لصالح إسرائيل؛ والتي أصبحت تسيطر على كل أراضي فلسطين التاريخية بعد نكسة 67، فقد أصبح تطبيق القرار 194 أمراً بعيد المنال اليوم؛ خاصة أن القرار لم يُدعم لاحقاً بقرارات أخرى؛ تؤكد على حق أبناء وأحفاد أولئك اللاجئين؛ والذين وصل عددهم في آخر إحصاء لما يزيد عن(خمسة ملايين ونصف المليون في العودة)، وهو ما فتح شهية إسرائيل للتلاعب؛ وإعطاء تفسيرها الكولونيالي للقرار، والذي يعتبر أن اللاجئين الذين يعنى بهم القرار هم من خرجوا عام 1948 فقط؛ وليس أولادهم وأحفادهم؛ على الرغم من أن تعريف اللاجئ الفلسطيني هو شأن دولي يخص الأمم المتحدة؛ والتي أصدرت القرار 194؛والتي هي نفسها من أجرت آخر إحصاء لهم طبقا لوثائقها، والتي تصدرها وكالة الغوث (الأونروا)، والتي تعتبر كروت اللاجئين التي تصدرها لكل لاجئ؛ بمثابة وثيقة دولية؛ تُلزم كل دول العالم. وطبقا للقانون الدولي أن تتعامل معه كلاجئ بما فيهم دولة إسرائيل؛ والتي تسبّبت في تلك المأساة الانسانية؛ والتي تستند في إنشائها لقرار التقسيم، وهو قرار دولي، لكن إسرائيل كعادتها تضرب بعرض الحائط كل  تلك القرارات، وتأخذ ما تريده بمنطق وشرعية القوة.
 وطبقاً لهذا المنطق الذي من الواضح أن التسوية الحالية ستستند إلى العديد من الوقائع التي فرضها هذا المنطق على الأرض؛ أصبح من غير الواقعي أن يأمل أي لاجئ أن تُسفر أي تسوية بمحدّدات الوضع الراهن عن عودته، فعليا لما يزيد عن خمسة ملايين لاجئ لمدن وقرى آبائهم وأجدادهم داخل الخط الأخضر في فلسطين التاريخية، بمعنى أن أي تسوية قادمة للصراع؛ لن تمنح في أحسن الأحوال حق العودة؛ إلا لمن تبقى على قيد الحياة من أولئك اللاجئين، وبحسبة بسيطة سيكون أصغرهم سناً في عمر السبعين؛ وكيف بمقدور إنسان بهذا العمر أن يعود لقريته أو بيته إذا ما أصرّت إسرائيل أن يعود بمفرده.

التّعويض عن الممتلكات  هل هي الحل الممكن؟
وتبقى قضية التعويض عن الممتلكات هي الحل الممكن، خاصةً إذا ما عرفنا أن إسرائيل على مدار السبعين عام الماضية؛ كانت تدير بعيداً عن الأنظار سياسة استراتيجية ممنهجة لتسوية ممتلاكات اللاجئين؛ باعتبارها أملاك غائب، وأن المؤسسة السياسية والقانونية الإسرائيلية؛ قد أقرت خلال العقود السبعة الماضية، جملة من القوانين تجعل من المستحيل على أي لاجئ العودة؛ أو حتى الانتفاع من ممتلكاته عن بعد .
إضافة إلى ذلك إن دولة إسرائيل تجندت بكل مؤسساتها الرسمية والمدنية والاستخبارتية؛ وعبر وسائل الضغط والترهيب والترغيب والإغراء المالي؛ من تسوية أوضاع العديد من تلك الممتلكات عبر صفقات مالية  مع أصحاب الشأن، ولو صحت أقوال رئيس الوزراء الأردني السابق عبد السلام المجالي؛ والتي أدلى بها مؤخراً في لقاء متلفز، وأكد خلالها أن آلالاف من اللاجئين الفلسطينيين في الأردن؛ قد أجروا تسويات لممتلكاتهم في فلسطين التاريخية بصمت، وبعيداً عن الأنظار؛ وذلك في الفترة الممتدة من تاريخ عقد اتفاق وادي عربة وحتى اليوم، وإذا ما عرفنا أن الأردن يحتضن قرابة 40 % من عدد اللاجئين الفلسطينيين في العالم  اليوم، فإنّنا بذلك أمام حقيقة أن نسبة كبيرة من قضية اللاجئين تُسوي بعيداً عن الأنظار وعن طاولة التفاوض كذلك، وأن ما تبقى من قضية اللاجئين سيتم تسويته بنفس النمط؛ وذلك ضمن الحل الإقليمي المقترح.
وهو ما يفسّر إصرار إدارة ترامب علي أن تكون صفقة القرن ضمن الإطار الإقليمي، وهو ما يعني أن دول الإقليم العربية ستتكفل بالنسبة الباقية من قضية اللاجئين، بعيدا عن أي مسؤولية  قانونية أو تاريخية علي دولة الاحتلال؛ ضمن سياسة توطين اللاجئين حيث يقيمون اليوم في الشتات؛ وفي قطاع غزة الذي من المرجح أن تشهد حدوده توسعة كبيرة؛ لاستيعاب ما يتعذر توطينهم حيث هم؛ كاللاجئين الفلسطينيين في لبنان مثلا، وهو ما يفسر من جانب آخر إصرار إدارة ترامب على أن يشمل حل الصراع عبر صفقة القرن قطاع غزة، وهو ما يوضح كذلك الضوء الأخضر الأمريكي لإنهاء الانقسام الفلسطيني مع تظافر الجهود الاقليمية والدولية لتوحيد البيت الفلسطيني كأحد شروط إنجاح صفقة القرن.
إنّها السياسة التي تبني قواعدها دوما طبقاً لموازين القوة؛ وإن كانت غاشمة ظالمة، وليس طبقاً لميزان العدل أو الحق، لكن القوة  وإن كان بمقدورها إلغاء ميزان العدل والحق لكنها لن تنهيه.  وسيبقى العدل والحق حياً يستنهض القوة العادلة...قوة الحق، لتعيد لميزان العدل والحق اعتباره.
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17627

العدد 17627

الإثنين 23 أفريل 2018
العدد 17626

العدد 17626

الأحد 22 أفريل 2018
العدد 17625

العدد 17625

السبت 21 أفريل 2018
العدد 17624

العدد 17624

الجمعة 20 أفريل 2018