أعراجيات

في بيتنا محضرة صيفا ومرقد

بقلم : نور الدين لعراجـــي
18 جويلية 2018

كنت اتساءل في الكثير من المرات عند رؤية العجوز الخامسة، وماما رقية، وهن يجلبن قهوة الصباح للشيخ كعوالة، ثم يطلبن منا منحهن قطعا من الصلصال بسرية تامة، دون ان ينتبه لهن «انعمسيدي»، وببراءة الاطفال كنا أيضا نستحي ان نطرح عليهن السؤال، لماذا تصر خالتي عائشة بنت صنون، نانا اسطنبولة، على طلب الصلصال، الهذا الحد يحببن أكل الطمي يابسا...
لم نفق من غفوتنا الا بعد ان كبرنا قليلا وعرفت ان ابنة الجيران نفيسة انجبت طفلة على خدها الايسر وحمة تشبه حجر الصلصال، فقيل لنا ساعتها، انها كانت في حالة وحم على هذه الحجرة، فلم يتسنى لها اكلها، لأن الفصل كان شتاء، فولدت ابنتها الصغيرة بشامة على خدها بلون الصلصال، ومنذ ذلك التاريخ كنا نتسابق لجلب اكبر قدر من حجره ونبيع اياه إلى «حانوت المزابي بكير» ..فما باله الصلصال لم تعد اليوم تفي غرضه كما كان في السابق، إضافة إلى علب السمق، أو «الدواية» فيها بعضا من قطع الصوف دون حسكة تعكر صفوتها، مغطوسة وسط سائل القطران، وحين يلامسها «لقلام» تصعد معه إلى أعلى المحبرة «الدواية» فتخط حروفا حفصية من ذهب، تجر بعضها بعضا. بدأ اطفال الحي يتوافدون على المحظرة، وكلهم فرح واستعداد لقراءة القران، في انتظار قدوم الشيخ،وماهي إلا سويعات وهاهو يقبل من أعلى الشارع حيث تتواجد مقهى المجاهد حنطوش، وعلى ممر الساقية التي كانت تشق المدينة ووتنزل عبر الشارع، لتمر قرب بيتنا العتيق كانت أشجار التوت المتراصفة على امتداده، تمدد من اغصانها المترامية على الجهات الاربع، وأسفل منها تسبح طيور البط والأوز، في غدوورواح، تصنع من زَّبيطها وبطبطتها سمنفونية نادرة وكأنها تسبح للقادمين والوافدين الجدد على المدينة نشيدها الساطع.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17797

العدد 17797

الجمعة 16 نوفمبر 2018
العدد 17796

العدد 17796

الأربعاء 14 نوفمبر 2018
العدد 17795

العدد 17795

الثلاثاء 13 نوفمبر 2018
العدد 17794

العدد 17794

الإثنين 12 نوفمبر 2018