بعيدا عن المتاجرة بالأزمات

سعيد بن عياد
29 جويلية 2018

ما أن تحقق البلاد خطوات على طريق التخلص من بقايا الأزمة التي كادت أن تعصف بها خلال العشرية السوداء، وإرساء خيار السلم والمصالحة الشاملة ضمن الإطار القانوني المرسوم لها، بإرادة شعبية منفتحة على المستقبل دون أن تدير ظهرها للماضي، تخرج أصوات هنا وهناك ومن بينها منابر حزبية وأخرى إعلامية لمحاولة الاستثمار في قضايا حساسة تستوجب معالجة حذرة ومسؤولة، لا مجال فيها للعبث أو التلاعب بعواطف ومصالح المجتمع.
يثير تناول إعلامي لاحتجاج سكان ورقلة على تنظيم حفل فني يندرج في إطار برنامج ثقافي، يشمل جميع الولايات، تساؤلات حول المغزى من قراءات سلبية قدمها البعض وتحليلات مبالغ فيها للبعض الآخر، نابعة من مخيلة أصحاب منابر إعلامية يقيمون قرب السواحل ولا يعرفون عن ولايات جنوبنا الكبير غير الحرارة وصعوبة التضاريس مروجين لصور متشائمة تعكس انطباعات في غير سياقها، دون أن يلتفتوا إلى الصورة كاملة بما فيها الجوانب التي يمكن البناء عليها لمستقبل تتجسد فيه التطلعات الوطنية الحاملة لقيم الوحدة والانسجام والانصهار جميعا في بوتقة العمل الخلاق للنمو وإنشاء الثروة، حيث يجد كل فرد من المجتمع وحيثما كان مكانه اللائق.
إن ما ينبغي مواجهته بروح وطنية بناءة، ليس الاكتفاء بالنظر إلى القضايا الراهنة بمعيار ضيق الأفق والدخول في مرحلة جلد الذات، بسبب مشكلة على ما تكتسيه من شرعية المطالبة بحلها، وإنما يجب النظر إلى ما يدور حول بلادنا من كل الجهات ودرجة الخطورة التي تحملها التداعيات الناجمة عن تغيير لمناطق النفوذ تصيغها قوى عالمية تشتغل في صمت وعلى مدى طويل من أجل ضرب السيادة الوطنية للدول الناشئة.
توجد نقائص في مجالات تتعلق بالحياة اليومية للسكان، الذين لا يمكن إطلاقا أن يقبلوا بتوظيف مشاكلهم في برامج لا تعنيهم، أو ركوب البعض عجلة احتجاجاتهم من أجل غايات، لا ناقة لهم فيها ولا جمل،  وأي غيرة إن كانت صادقة قد تحرك متابعين للشأن المحلي والوطني ينبغي أن تغذيها روح المسؤولية تعبيرا عن انشغال بالمساهمة في تقديم الحلول والتوجيه إلى النقائص أكثر من الاكتفاء بالتهويل كمن يسعى يائسا إلى صب الزيت على النار.
لا يعني الالتزام بممارسة إعلامية متبصرة تضع الأمور في نصابها بحيث يعرف صاحبها المآلات التي تترتب عن تناول غير دقيق لأمر محلي التستر على نقائص أو اختلالات، وإنما التعبير عن حمل انشغال مشروع من خلال المساهمة في تنوير الرأي العام المحلي والوطني بالحقائق والإصغاء للاحتياجات والمرافقة في إيجاد وتصور الحلول عن طريق تنمية روح الحوار المتواصل وإثارة النقاش البناء.
غير انه يجب أيضا، وبشكل أكثر مبادرة، أن تنفتح الجماعات المحلية على كافة المستويات على محيطها الاجتماعي والاقتصادي دون إقصاء ولا تهميش، ضمن مقاربة تنموية واقعية وجوارية تستوعب كل الطاقات التي تزخر بها البلديات والولايات لإدراجها في مسار النمو عن طريق توسيع نطاق تكافؤ الفرص في العمل والاستثمار والرفاهية، وهي تطلعات تتوفر عناصرها بالرغم من الضائقة المالية الراهنة، إذا ما تغلبت المبادرة القائمة عل رؤية بعيدة النظر يرافقها الصدق والوفاء في الانجاز.
في ظل عولمة شرسة، تخفي تهديدات مبطنة، ينبغي أن ندرك جميعا درجة الخطر المحدق، والتعامل بحذر مع قضايا تبدو للبعض مثيرة، فتحقق لهم في ظل أزمة موارد، مداخيل إضافية في سوق الإعلام التجاري، أو يسعى آخرون من وراء التعاطي معها بأنانية ورؤية ضيقة سعيا للتموقع في المشهد العام بعد إفلاس حزبي للبعض  وقحط سياسي للبعض الآخر، لا خيار أفضل من النظر للأمور ومعالجتها من كافة الزوايا مع وضع المصلحة الوطنية خارج الحسابات الضيقة، وعدم الانسياق وراء سيناريوهات قد تعرف مطلقاتها ولكن لا احد يعلم خواتيمها.

 

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17799

العدد 17799

الأحد 18 نوفمبر 2018
العدد 17798

العدد 17798

السبت 17 نوفمبر 2018
العدد 17797

العدد 17797

الجمعة 16 نوفمبر 2018
العدد 17796

العدد 17796

الأربعاء 14 نوفمبر 2018