الرأي

حتى لا ترتفع الكلفة!

سعيد بن عياد
04 أوث 2018

في ظل شح الموارد وثقل تحديات الصدمة المالية الخارجية، تختل قاعدة العرض والطلب في سوق الطاقة، وتنجر عنه مواقف لوضعيات تضع المستهلك في صميم المعادلة من حيث كونه الطرف المحوري الذي تنعكس عليه التداعيات. شهدت الأسابيع الأخيرة انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي في بعض ولايات الجنوب، الأمر الذي ضاعف من صعوبات الحياة في ظل حرارة مرتفعة هذا الصيف شملت كل أرجاء البلاد، في وقت يسجل فيه تحسّن في الشبكة الوطنية للكهرباء بفضل استثمارات إنتاجية ضخت فيها الدولة موارد مالية هائلة. القرار الذي أعلنه وزير الطاقة مصطفى قيتوني باعتماد تخفيضات بنسبة 65 بالمائة على الفاتورة الكهربائية لسكان الولايات المعنية يحمل جملة تحديات اقتصادية تتعلق بمستقبل التوازنات المالية لشركة سونلغاز، ومدى ترسيخ قاعدة ترشيد الاستهلاك. وهنا يكمن جوهر المعضلة إذا غاب سلوك المواطنة في التعامل مع الطاقة الكهربائية في الصيف وغاز المدينة في الشتاء.
حقيقة تستفيد أسعار الطاقة من دعم توفره الميزانية العامة للدولة، وهو مكسب للمجموعة الوطنية بعنوان النور والدفء للجميع، غير أن المستهلك يقف أمام امتحان حاسم من حيث الالتزام بقواعد ترشيد الاستهلاك تفاديا للكلفة التي سوف تتحملها المجموعة الوطنية. وأمام سخاء لا يوجد في بلدان أخرى من نفس المؤشرات، ينبغي أن يرتقي المواطن إلى درجة عالية في التشبع بالمسؤولية من خلال الحرص على عقلنة استعمال المكيفات الهوائية، وتفادي الإفراط في استعمالها على مدار اليوم تعبيرا عن حس مدني وإدراك مدى القيمة التي تترتب عن فاتورة استهلاك مفتوح لا تحكمه ضوابط ولا تكبحه ذهنية راقية تراعي المصلحة العامة. بلا شك أن الفارق المالي الذي يمكن تصور قيمته يحتاج إلى آليات لتعويضه أو التقليل من كلفته، في انتظار أن يتم انجاز برامج الطاقة الشمسية وتوسيع البدائل الطاقوية التي يرتقب أن يتم تجسيدها في المديين المتوسط والبعيد. ولعلّ من بين تلك الآليات السعي على كافة المستويات وبالذات على مستوى المستهلكين المعنيين للعمل فعليا، وفي كل يوم، بسلوكات اقتصادية تنبع من قيمة المواطنة الاقتصادية، عنوانها العريض تفادي التبذير ومكافحة تبديد هذه الثروة وغيرها من الموارد الطبيعية الأخرى، مع مضاعفة قيمة الإنتاج في كل النشاطات الاقتصادية التي يمكن أن تنتج فيها القيمة المضافة، ولا تتطلب سوى الجدية والحرص على تطبيق معايير النّجاعة.
إنّ معركة اقتصاد الطاقة اليوم تجري في المؤسسات والمنازل، حيث لا بديل عن حرص المستهلك على مراعاة درجة الاحتياج وعقلنة الاستعمال، في حين لعل من أولويات العمل على مسار التحول الطاقوي إجراء فرز يقود إلى تصنيف اقرب للدقة لكل مستهلك تحسبا للمرحلة القادمة التي لا يمكن أن يكون فيها المستهلكون على نفس درجة المعاملة التجارية تفاديا لأن تتعرض مؤسسة توفير الكهرباء لاختلالات مالية هيكلية وعميقة تضعها على درجة لا تحتمل بما فيها عدم القدرة على الاستثمار ورهن ديمومة المرفق العام. وإذا كان سعر الطاقة المدعم في السوق الجزائرية يخدم اليوم وحتى في عز الأزمة الكثير من المؤسسات الإنتاجية بما فيها الأجنبية، فإنها أيضا مطالبة بالسهر على تنمية سلوكات اقتصاد هذه الثروة، مع المساهمة في نفس الوقت بمختلف أشكال التضامن في شتى برامج التنمية المستدامة والاستثمار في الطاقات البديلة انسجاما مع حتمية الانتقال الطاقوي الذي يعني، وبشكل أساسي مثل المواطن، المتعامل الاقتصادي بمراقبة استهلاكه ورصد موارد للبحث والتنمية في توفير أدوات وتجهيزات البنية الطاقوية الجديدة.  

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17796

العدد 17796

الأربعاء 14 نوفمبر 2018
العدد 17795

العدد 17795

الثلاثاء 13 نوفمبر 2018
العدد 17794

العدد 17794

الإثنين 12 نوفمبر 2018
العدد 17793

العدد 17793

الأحد 11 نوفمبر 2018