خارج السرب

عمي العياشي... «ياو عليكم الفانية»

نورالدين لعراجي
11 ماي 2019

عندما سمعت خبر انتقال المجاهد العياشي حجاجي إلى السماء الدنيا، انتابتني قشعريرة مفاجئة وإحساس أبوي غريب، تجاه هذا الرجل لأنه بصدق يشبه والدي في ثورة التحرير، رغم انني لم التقيه إلا مرة واحدة في حياتي، وظلت صورته ماثلة وقابعة في ذاكرتي وهو يصرخ بأعلى حنجرته مدويا اعالي وشموخ جبال “ماونة، هوارة، بني فوغال، بني صالح، دباغ، اعنونة وبايبو”.
«ياو عليكم العافية”.. “ياوعليكم الڤالمة”، “ياو عليكم البلاندي” ثلاثة أدوار رئيسية منحها المخرج العالمي عمار العسكري لهذا المجاهد، وبقيت أدوار أخرى ثانوية له رفقة زوجته في أكواخ الجبال حين احتمى بها جنود جيش التحرير من غطرسة عساكر العدو الفرنسي، حيث منحهم ذلك المكان الدافئ الراحة ولحظات نوم هاربة من تعب الحرية.
امتدت تلك الصيحات إلى أعالي جبال بني صالح وربما وصل صيتها جبل ايدوغ، ذلك ان السكون في قمم الجبال يمنح موجات صوتية رهيبة، تمتد كالموجة تجر بعضها بعضا، وحين ترتطم بالصخور، تكبر ترددات الصيحة، فيعلم المجاهد في الجهات الأربع من المكان بأن هناك أمر ما، يجب الاستعداد له.
عمي العياشي في الـ90 من العمر ينتقل إلى جوار ربه، غير مبدل، كغيره من الشرفاء الذين رضوا بنصيبهم من الحياة، ساهم في الجهاد الأكبر حاملا البندقية، مدافعا عن الأرض والعرض، ومجاهدا بخبرته وسيرته في ترسيخ  قيم ثورة التحرير للأجيال، ليبقى صوته صداحا إلى الأبد، وتظل صورته وهو يدوي سكون تلك الجبال محررا الأماكن من صمتها المعهود.
اختيار المخرج عمار العسكري شخصية “عمي العياشي” لم يكن عبثا أو صدفة، ذلك ان وسائل الاتصال التي اعتمدتها الثورة في بداياتها، لم يكن ألراديو ولا أجهزة الاشارة المحمولة، بل اعتمدت على جنود لديهم حبال صوتية تقهر الحجر فيتعدى صداها المكان، وترعب تشكيلات العدو، وهي تهم بالمباغتة أو التمشيط، فكانت هذه الشخصية تعتمد على قامة محترمة يمكنها رؤية ما خفي من تلال الجبال، وصاحب نظرة يمتد مداها بصر الشخص العادي، فيكشف أضواء المركبات على بعد الكيلومترات، وله أيضا حدس يقرأ به  حركات السكون الطبيعية أو التي تخفي وراءها أشياء غريبة.
ثلاث ميزات اجتمعت في شخص المجاهد عمي العياشي، “عليكم البلاندي” تعني ان قوة  العدو قادمة بدباباتها، “عليكم العافية” وتعني ان الأمور لا تدعو للقلق وهي عاصفة عابرة، أما “ياوعليكم ڤالمة” وتعني ان القوة العسكرية الاستعمارية قادمة من جهة ڤالمة، وعلى كتائب جيش التحرير تغيير مسارها، وهناك كلمة واحدة وهي “ياوعليكم” وتعني هناك خطر ما غير واضح وجب الحذر والاستعداد، أربع كلمات اختزلت سلاح الاشارة، ولكن سلاح إشارة العدو لم يستطع فك شفرة تلك الحروف الصادقة من حبال صوتية لرجل عاش من أجل الحرية ورحل في شهر مجازرالـ8 ماي وڤالمة مسرحا لها، رحل عمي العياشي  المجاهد لكن صيحاته ستبقى في الذاكرة عالقة خالدة لا تمحى.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17957

العدد 17957

السبت 25 ماي 2019
العدد 17956

العدد 17956

الجمعة 24 ماي 2019
العدد 17955

العدد 17955

الأربعاء 22 ماي 2019
العدد 17954

العدد 17954

الثلاثاء 21 ماي 2019