مكافحة الفساد .. نفس جديد للنّمو

سعيد بن عياد
30 أوث 2019

يندرج مسار مكافحة الفساد ضمن توجه شامل أكبر بكثير من كونه خيار ظرفي أو ارتداد جانبي لتفاعلات الأزمة التي تمر بها البلاد، فهو يؤسس لتوقيع قطيعة تامة مع مرحلة استشرى فيها الفساد بشكل أصبح يهدد أمن البلاد ويضع مصير الأجيال القادمة في مزاد عولمة تستهدف السيادة الوطنية للدول الناشئة التي لديها طموح لتبوء مكانة تحتفظ فيها بقراره السيادي بكافة جوانبه خاصة الاقتصادية.
المعركة التي تدور رحاها في رحاب الساحة القضائية ضد الفساد والتي تشمل جميع الملفات على امتداد هرم المنظومة الاقتصادية والإدارية بكل مرافقها ومؤسساتها ترمي في النهاية إلى استرجاع، بقوة القانون وفي الشفافية التامة الأموال المنهوبة المالية منها والعقارية.
إنها حقيقة تتجسد بشكل ملموس، وقد أكدها رئيس الأركان شخصيا لدى الإعلان عن قرار إزاحة العصابة والشروع في تتبع أدواتها ضمن دواليب المنظومة الإدارية والاقتصادية، والشروع في إماطة اللثام عن جرائم الفساد البشعة التي ارتكبت بطرق ملتوية، إلى درجة أن حجم الأموال التي تمت سرقتها ونهبها والاستحواذ عليها بغير وجه وتهريبها فاقت كل تصوّر.
إذا كانت الأموال التي بقيت بالجزائر يمكن إعادتها إلى حظيرة الأملاك الوطنية خاصة العقارات وما بقي في خزائن البنوك، فإن المعضلة الصعبة تخصّ تلك الأموال التي تم تهريبها الى الخارج سواء في شكل سيولة بالعملة الصعبة أو تحويلها إلى عقارات ضخمة في شكل مساكن راقية، فنادق أو مؤسسات. تحرص الدولة بكل الوسائل القانونية والدبلوماسية وفقا للقوانين الدولية على استرجاع أموال الجزائر بملفات مؤسسة ودقيقة.
بطبيعة الحال كانت جرائم الفساد المرتكبة في حق البلاد تتم بطرق الخيانة والتواطؤ والتستر من مسؤولين وموظفين سامين كان يفترض أن يكونوا أول رقيب على المال العام وحمايته،  وذلك بتوخي أسباب على الدفاع عنه. ونجم عن أفعالهم التي تقع تحت طائلة قانون مكافحة الفساد خسائر فادحة للاقتصاد الوطني في مختلف القطاعات، بحيث انه لم يتم انجاز أهداف النمو المصرّح بها في خطابات وبرامج تبين أنها كانت وهمية مهّدت للفساد وشجعته.
سؤال كبير ومحيّر كان يثار حول أسباب عدم انجاز الإقلاع الاقتصادي في سنوات سابقة ضخت خلالها ميزانية الدولة موارد مالية غير مسبوقة آل جانب معتبر منها إلى أفراد العصابة وشركائهم  في الخارج عن طريق تضخيم الفواتير والسرقة والتهريب، مستفيدين من مناخ تحرير النشاط الاقتصادي وانخراط الدولة في تمويل غير مسبوق لمشاريع استثمارية ثقيلة التهمت أكثر من كلفتها الحقيقية.
غير أنه لا ينبغي الاكتفاء بمعالجة النتائج وإنما المطلوب الشروع في خوض عمل واسع لأخلقة الحياة العامة، ذلك أن مكافحة الفساد تعني كل مكونات المجتمع، مثلما أشار إليه وزير العدل بلقاسم زغماتي لدى تنصيبه، نهاية الأسبوع الرئيس الجديد لمجلس قضاء ورقلة، على اعتبار أن الخطر يداهم المجتمع برمته ومن ثمة يجب أن يكون للفرد على كل المستويات مساهمة في رد الاعتبار للمال العام، مهما كان حجمه وفي أي قطاع، من خلال الحفاظ عليه وصونه وحسن استعماله.
ينتظر أن يتحقق الكثير اقتصاديا من وراء مكافحة الفساد، بحيث يتمخض حتما عن نتائجه المرتقبة، كسر شوكة الفاسدين والمفسدين وعودة الثقة إلى المشهد الاستثماري والأكثر أهمية في المدى القصير، انتعاش المنافسة بين المتعاملين حول المشاريع بحيث تكون الأفضلية للأقل كلفة والأفضل جودة، فيما يكون لحرص الموظف العمومي على المال العام بحسن اختيار الشركاء والسهر على تقليص الأعباء ومتابعة انجاز المشاريع وفقا لمعايير الجودة والآجال ونبذ الغش على مستوى الورشات، مقابل مالي لفائدة الخزينة العامة.
لا تزال هناك أوراق قوية على قلّتها تسمح للبلاد بأن تجدّد الانطلاقة في التنمية مجددا، أبرزها وجود كفاءات مناجيريالية يمكن أن ترفع التحدي، إلى جانب إرادة سياسية صريحة لمرافقة عالم المؤسسات والاستثمار، بما فيها المؤسسات التي يقع أصحابها تحت طائلة المتابعة القضائية بتهم فساد، حيث قامت الحكومة بتعيين متصرفين يتولون إدارة مؤسسات تعتبر من النسيج الاقتصادي الوطني ويمكن بعد تقويم مسارها أن تؤدي وظيفتها في النمو، ومن شأن هذا التوجه أن يعزز جانب الثقة التي يحتاج إليها مناخ الاستثمار والأعمال خاصة في ظل عولمة شرسة لا تترك فرصة النهوض لاقتصادات بلدان ناشئة تطمح للمنافسة في أسواق إقليمية وعالمية خارج تصدير المحروقات.  

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 18051

العدد 18051

الأربعاء 18 سبتمبر 2019
العدد 18050

العدد 18050

الثلاثاء 17 سبتمبر 2019
العدد 18049

العدد 18049

الإثنين 16 سبتمبر 2019
العدد 18048

العدد 18048

الأحد 15 سبتمبر 2019