غسيـــل في خريف رطب

نورالدين لعراجي
04 نوفمبر 2019

تصاعد غير مسبوق تشهده بعض المجالس القضائية، إثر حركة التحويلات التي أقرتها دورة المجلس الأعلى للقضاء منذ أسبوعين، يأتي التصعيد من أفراد الأسرة القضائية الواحدة، بين قاض محول الى هيئة قضائية، وزميله محول إلى المنصب نفسه، بمعنى يحل مكانه، بعد أن خضع المعني للحركة التي تقرها الأعراف القضائية، وتخضع في بعض الأحيان إلى رغبات أصحابها وهم ملزمون بالخضوع إلى بنودها.
 لكن من غير المعقول أن يتحول القاضي إلى متمرد أو رافض للأوامر والتحويلات المقرة من أعلى هيئة قضائية في البلد؛ ودخوله في حلبة صراع هو في غنى عنها، إلا إذا كان الأمر مرتبطا بمزايا، أو له علاقة أخرى بأشياء لا يمكنه إفشاؤها، أما أن يتمسك المحولون بمفاتيح مكاتبهم دون تسليمها للوافدين، فهي صفة ذميمة عشنا فصولها في الحركات التصحيحية للأحزاب والمنظمات، أما أن تتحول  للقضاة، فتلك قسمة ضيزى، ما أنزل الله بها من سلطان وسابقة.
تعدد المشاهد المسيئة للقضاء كهيئة مخولة بفك الخصومات وإصدار الأحكام المختلفة بين المتقاضين، منافية لأخلاقيات المهنة وواجب التحفظ فضلا عن تعثر جدولة المحاكمات خروج غسيل الأسرة القضائية إلى العلن ومشاهد الاصطدامات المتكررة في المجالس القضائية على مستوى الجمهورية،  صورة سوداوية كان الأجدر بأصحابها تجنب ذلك بانتهاج أسلوب أكثر حضارية، مثل تسجيل التظلم، الذي أعلنت عنه الوصاية، فور صدور الحركة، وتقديم الأعذار المقبولة.
ليس من المعقول بقاء قاض في محكمة مهما كانت درجتها أكثر من خمس سنوات مثلا، وإن كان القانون لا يقر بذلك، ولكن أدبيات المهنة تقتضي أن تكون التحويلات القاسم المشترك لأن الدوام في مكان واحد لمدة أطول، يجعل من الصفة المتجردة، خلال إصدارالأحكام، صفة مركبة، بحكم العلاقات التي تربط القاضي الإنسان بالمكان، ودخوله في شبكة علاقات مختلفة تجعله يصدر أحكاما بحكم العلاقة الحديثة، ولا تخضع لأحكام المهنة، مؤسف ما يحدث في جهاز يفترض أن يكون حياديا بعيدا عن كل التشنجات، وغير مقبول فيه إصدار أوامر للقوة العمومية، بالتدخل ضد أفراد الجهة نفسها، حتى وإن  كانت الأسباب معروفة مسبقا.
الظرف السياسي الحرج والواجب المهني يقتضيان عكس ما يحدث اليوم، ما يتولد عنه من عنف مضاد، سواء من جانب تصعيد النقابة وتعنت وتشبث القضاة بمكان عملهم ورفضهم المغادرة، فالبلد يعيش حالة مخاض عسيرة، مثقل بالخصومات من شتى الجوانب، حري بهؤلاء الاحتكام إلى الضمير المهني وتفويت فرص التربص بهذا الجهاز، الذي أثبت مهنيته وسلطته المستقلة عن أية وصاية، وهو يزج بالمتهمين بمختلف مكانتهم الاجتماعية إلى غياهب السجون، صونا للمال العام وحماية للحقوق العمومية المشتركة، فلا نجعل من صراع هامشي، غسيلا لا يجف من رطوبة الخريف.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18158

العدد18158

الجمعة 24 جانفي 2020
العدد18157

العدد18157

الأربعاء 22 جانفي 2020
العدد18156

العدد18156

الثلاثاء 21 جانفي 2020
العدد18155

العدد18155

الإثنين 20 جانفي 2020