دراسة نقدية

الروايـــــة الجزائريــــــة و الــــــتراث

بقلم : د-وليد بوعديلة - جامعة 20أوت 1955-سكيكدة

 سردية  الصراع  لأجل الأرض و الهوية عند «محمد مفلاح»


نقرأ هنا رواية «شعلة المايدة»  لمحمد مفلاح(دار طليطلة للنشر،الجزائر،2010) ، وهي  رواية تاريخية تعيد التفاعل الإبداعي مع فترة هامة من التاريخ الجزائري، هي فترة التواجد التركي العثماني،  فيستفيد الكاتب من ثقافته و قراءاته التاريخية، وهو الذي ألف كتبا كثيرة عن تاريخ منطقة غليزان ومقاوماتها الشعبية وأعلامها، كما له رصيد أدبي متنوع بين القصة والرواية. فكيف أنجز حواره النصي مع الذاكرة الجزائية التركية في سياق الاحتلال الاسباني لوهران؟
 تدفع  رواية « شعلة المايدة»  القارئ إلى العودة لكتب التاريخ الجزائري قصد التأكد من كثير من المحطات والوقائع التي تحضر بين الصفحات، بل إن قارئ الرواية مرغم على تصفح التاريخ والبحث في مصادره قبل قراءة الرواية، وهنا يقع الحوار بين الخطاب الأدبي والخطاب التاريخي والخطاب النقدي، و من ثمة وجب تقديم بعضا من تاريخ مقاومة الجزائريين للأسبان قبل التناول النقدي للنص. فما هي الحقيقة التاريخية للتواجد الاسباني بوهران؟
احتل الأسبان وهران سنة1550 بعد ان وصلت الدولة الزيانية إلى درجة كبيرة من الضعف والانهيار نتيجة التنافس على العرش، وقد قاد الداي محمد بكداش المقاومة ضدهم وأخرجهم من المدينة، ثم عاودا الحملة عندما كانت تحت حكم الباي ممصطفى أبو شلاغم الذي نقل مركز البايلك من مازونة إلى معسكر ليكون قريبا من المركز الاسباني بوهران، وقد استطاع الباي إجلاء المحتل من مدينتي وهران والمرسى الكبير عام 1708، لكن الأسبان أعدو حملة أخرى واستردوا المدينتين عام1732، ثم توجهوا بحملات ثلاث نحو عاصمة الجزائر، وآخرها كان عام1784 حيث خرجوا منهزمين.
 و سخر محمد الكبير في فترة توليه الحكم كل الإمكانيات لتجنيد الأهالي، وبخاصة الطلبة، ولذلك قد بعث من جديد الرباطات وكان يراقبها ويدعمها ويشجع المنتسبين إليها ماديا، وقد استطاع جمع الآلاف  من المقاتلين لمواجهة الاحتلال الاسباني
 وبعد زلزال وهران عام1790 الذي هدم الكثير من الأبراج والحصون وحول المدينة إلى ركام كبير من الحجارة، تم جاء الانسحاب من هذه المدينة الهامة ومن والمرسى الكبير  في فيفري1799.
 و عند قراءة  «شعلة المايدة» تبدأ عوالم تشكيل رواية تاريخية تتجلى أمام الوعي والذوق، ولا يمكن بأي حال تأويل أو نقد نص سردي دون وضعه ضمن تحديد جنسي أو نوعي، أي الجنس أو النوع الأدبي، حتى لو اقتضى الأمر تركيب خصوصيات نوعية جديدة عبر هذا النص المدروس، فكل انفتاح يحيل-مع القراءة المتأنية- إلى انتماء محدد.فما هي مميزات هذه الرواية؟ وكيف قدمت التاريخ الجزائري؟ وما المحطات  الثقافية التي توقفت عندها؟...  وجدنا في  هده الرواية خطابا سرديا يحمل مميزاته ويبني هويته، إنها رواية التاريخ المفتوح -أمام القارئ- سردا،  وكأنها رحلة الحدث التاريخي والشخصية التاريخية من دهاليز وأوراق الكتب التاريخية إلى دهاليز وأوراق النص الأدبي، وهنا يتماهى الحقيقي بالمتخيل ونقرأ في الرواية أحداث احتلال وهران ونتأمل منطقة الغرب الجزائري و وجغرافيتها الطبيعية ، بل بجغرافيتها الثقافية الاجتماعية.
 و إذا كانت الرواية التاريخية من منظور جورج لوكاتش هي عمل سردي يرمي إلى إعادة بناء حقيقة من الماضي بطريقة تخيلية حيث تتداخل شخصيات تاريخية مع شخصيات متخيلة، فإن رواية «شعلة المايدة»قدمت مشاهد من التواجد التركي بالجزائر، بكل إيجابياته وسلبياته،كيف ذلك؟
  ينطلق النص من مشهد الرؤيا وحضورها القوي في ذاكرة الإنسان الشعبي، ويقترب من يوميات الاحتجاج على سلطة الحكام العثمانيين وممثليهم وفرض الضرائب على الجزائريين، ونجد الدور الكبير للعلماء والمشايخ في المجتمع  وتأثيرهم الديني والقبلي الكبير و منتجهم العلمي الوفير ،  وهي مميزات حاضرة بقوة في تاريخ التواجد العثماني بالجزائر، حيث حضرت أبحاث العلماء في علم الكلام والتصوف والمنطق،كما يلتفت محمد مفلاح– بإشارات سردية ذكية-إلى ظاهرة تاريخية هامة هي الرسائل المتبادلة بين الشيوخ والبايات أو القادة الأتراك، وهي رسائل تقدم صورا من المميزات الاجتماعية والسياسية والثقافية للجزائر في العهد العثماني.
و نجد مشاهد الطقوس الاحتفالية  في المناسبات المختلفة ومظاهر الأبهة والجاه عند الباياتأو ممثليهم، كما تحيلنا الرواية إلى الحياة الاجتماعية وأجوائها  الرمزية في البوادي وقسوة الحياة ووجود الخرافات، وإكرام الفنانين بالأموال، وانتقال القبائل عبر البوادي والجبال، وقصص الحب العفيف...،
كما نلقى محاولات الجزائريين للتمرد على الأتراك بسبب الضرائب، ومحاولة الباي كسب دعم القبائل للجهاد ضد الأسبان، وموقف العلماء في الجمع بين الطرفين، ويستعين الراوي بالتوثيق و يذكر الشعراء الشعبيين وعناوين الكتب التراثية والتاريخية.لقد حضر التاريخ ضمن أفق فني لقصة راشد الرجل البدوي، وبتحرك هذه الشخصية تتحرك الرواية ويتحرك التاريخ أيضا، ويمزج مفلاح بين شخصيته المتخيلة والشخصيات التاريخ الحقيقية، لأن الرواية التاريخية عمل إبداعي يطمح إلى إعادة تشكيل حقبة من الماضي بطريقة تخيلية، حيث تتماهى شخصيات تاريخية مع شخصيات متخيلة،وتنوع رواية «شعلة المايدة» في الأزمنة(ماضي،حاضر، مستقبل) و تغير الأمكنة( من مازونة إلى معسكر إلى وهران) ويمزج الراوي بين الوصف والحوار والسرد، باحثا عن القبض على المتعة السردية  خلف اقتراح الفائدة التاريخية..
 إن الكتابة عند محمد مفلاح  تحيل على تجربة متميزة في المزج بين الأدبي والتاريخي، وهي تكشف رمزية العلاقة بين الإنسان وذاكرة المكان ،استشرافا لآتي الوطن ومستقبله في ظل تحولات عالمية  متسارعة ، ويقدم الكاتب -عبر الرواية- معلومات ثقافية وسياسية ليؤكد سرديا على أهمية معرفة الذاكرة الثقافية والسياسية في العهد العثماني بالمنطقة الغربية من الجزائر.

الخاتمــــة:

 لقد حاولت هذه الدراسة كشف طريقة تفاعل الروائي الجزائر مع التاريخ والتراث الشعبي، بمختلف فتراته الجزائرية والعربية الإسلامية، حيث اعتمد الروائيون الكثير من التقنيات وقدموا الكثير من الأفكار حول هذه المسألة، كما جعلوا من التاريخ قناعا للاقتراب من الراهن الجزائري والدولي،  فمنهم من كتب الرواية التاريخية ومنهم من وظف التاريخ في  نصه الروائي، قصد مكاشفة قضايا الحاضر  وتحولاته الاجتماعية، الفكرية، السياسية... مثل علاقة المثقف بالسلطة، الثورة التحريرية و الواقع الجزائري، المجتمع والدين،... فحاولنا كشف دلالات وأبعاد حضور التاريخ والموروث الشعبي في نماذج من الرواية الجزائرية المعاصرة.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17748

العدد 17748

الإثنين 17 سبتمبر 2018
العدد 17747

العدد 17747

الأحد 16 سبتمبر 2018
العدد 17746

العدد 17746

السبت 15 سبتمبر 2018
العدد 17745

العدد 17745

الجمعة 14 سبتمبر 2018