قراءة في قصيدة «أنت الملكة» للأديب السوري د. مهتدى مصطفى غالب

بقلم: محمد عبد العزيز شميس

 

يتساءل في عالم ضبابي من أنا ولما جئت إلى الحياة وهل ستمضي الحياة دون أن يتفجر من داخلها شيء ووجه الأم ترتسم عليه علامات الحيرة، ماذا عن ولدي إنه يعيش منزوياً في ركن العالم . ولم يلتقط عقله أجوبة منطقية. هل ستمضي الحياة دون جديد أم عليه أن يفتح فجوة حتى ولوكانت صغيرة في جدار سجنه الرتيب يمرق منها كقطعة صغيرة باحثا عن شيء جديد يحياه، بلون وبعمق وبحركة.  والشاعر مهتدى مصطفى غالب، من مواليد حلب سوري الجنسية، مهندس زراعي، درس وتخرج من كلية الزراعة جامعه حلب.

أنت الملكة
(أسميتك ملكة
هناك من هنَّ أطول منك، أطول
هناك من هنَّ أنقى منك، أنقى
هناك من هنَّ أحلى منك / أحلى
 ولكن أنت وحدك الملكة)

يطالعنا الشاعر مهتدى مصطفى غالب بمقتبس للشاعر التشيلى الكبير بابل ونيرودا ومقطع من قصيدة الملكة بديوان أشعار الربان التي أحيا فيها بابلوونيرودا قصة الحب العظيمة بينه وبين أمه.
في حالة من التفرس والتخلق تصنع بأن واحد كأن الشاعر مترعا بالتجارب المتنوعة تقوده إلى دروب وعرة يسمع فيها حركات قلمه على صفحات من الورق.يريد أن يكتب عن تجربة البحث عن حرية تنبعث من اعماق النفس بلا زخرفة وبلا تعقيد وبلا التزام.

ليبدأ بنا النداء

في حالة من التشرد الفكري الذي يمضغ العقل الإنساني ويرعبه يبادر شاعرنا الكبير بالسؤال في الصباحات المضيئات والفتيات الحالمات المتعطرات بعطرهن الفواح والفراشات الناقلات عبير الزهور والشمس الطالعات من سكون النور وبهاء النساء الحافيات الراقصات في الخدور كأنه يتسكع ذهابا وإيابا بينهن وذهب ليزداد التصاقا بحريته التي التقطها دون أن تلعب به الكلمات الكثيرة من أفواه تتحرق شفاها بلا توقف ويخط الأشياء الحقيقية التي امتصها بكل صدق بالسطور التي عاشها كباحث عن حرية اّمن بها ثم وجدها ثم لا أدري ماذا فعل بها ؟على جمر الأيام واّنين العذابات فذهب يبحث عنها في ذاك الحضن الدافئ.
لست برجوازيا أن أنتقد رجلاً بلا ظل أو انتقد الشك الضروري للحاجة ولكن أن يعاود بنا الشاعر النداء المتكرر لن يتسرب الشك وبأن هناك شيء حقيقي يجب أن نتوقف أمام حالته بكلمات حية تعج بالحياة على الأوراق مثل الساحرات المائرات والشيطانات الغارقات والمتصوفات وشخوص الأعلام كالرومي والحلاج والسهر وردى والفلاسفة الماسكين والشعراء المحترقون والمفكرون المعلقون والنحاتون والفنانون والمؤرخون والرواة لكل الحكايا المألوفة والخارجة من بنايات الأساطير والأفكار السابحات في بحر الأذكار وأتون الانتظار والعواطف الجالسات فوق منابر الملكوت كأن العالم ينشد له ويفتح ذراعيه وأبوابه لجواب السؤال هل رأيتم أمي ؟وقد اكتب لساعات متواصلات بتلك البهجة العميقة في أضواء الأفكار الملونة فقد كانت تبتسم لي بعذوبة وكلما وضعت قدمي عدت مهزوماً إلى الورقة البيضاء بعد سرحان الفكر فى كلمات كولن ويلسون (عمل الإنسان الخلاق أن يوسع مدى التجارب الإنسانية ويعلم الرجال كيفية الاستفادة من عقله وخياله والخيال كما أؤمن به   والقابلية المنفتحة التي تجعلك تحس بأن الأشياء الحاضرة في هذه اللحظة غير موجودة أمام عينيك وأن الرجال العظام في هذا القرن مثل الآلات الممزقة الصخور كلهم يحاولون أن يمزقوا العمق العقلي الجديد في الإنسان) ليعاود بنا الشاعر حالة النداء من جديد دون ملل ولكن في صخب وضجة الآلات ففي هذه اللحظة يتذوق الإنسان الطبيعة الخفية والحرية البعيدة إذ تبرز له لوهلة بسيطة بأنها محصورة بين عالمين لتنحصر في ذات الشاعر لذة الشعور بالحرية والقدرة على استغلال الطاقات. وتوقفت التقط الأنفاس معجباً ومشدوهاً بدقته وتساءلت بصمت كيف يمكن لهذا الشاعر أن يتمتع بهذه الدقة فى جو من الحرية الموحشة.
حاولت أن اهزم الانقباض الكئيب الذي هاجمني بجرعة كبيرة من التساؤلات في عينيها وغمرني شعور بالارتياح وقلعة الشاعر التي أطل منها على العالم أمنة ونظرت إلى السماء ولكن الشمس قد أشرقت بلمعان غريب كأنها مكسوة بغطاء. وهنا ابتسم بعطاء صادق ليحدثنا ماهية الأم في ذاك اللون البني والفضي والسبب الذي لا يحتاج للنطق ولا لعبارات المجاملة هي ذاك النقاء فلا من مسرف هنا ولا تنازع إلى التلاشي هي أمي التي تسرق الهم عني وأجفانها طيور العطاء لا تعرف كيف تظهر سعادتها لكنها تنتظر أطفالا آخرين.

هي لا تحتاج إلا ما يحملونه إليها إلى حب صامت وخضوع لا يكل

 يستمر شاعرنا الكبير في وصف الأم وتربعها على عرش القلب يكسر الوثن الذي يمتد في صمت الإجابة حتى تطاول عامود من اللهب الأزرق في الهواء وكأنه سطل أفرغ من الماء في مكان علي من الروح فأم الشاعر هي الوطن والتاريخ صاحبة الحضارات الممتدة والمدن والممالك مثل مملكة ماري، وأوغاريت، وراميتا، والبارة، ودورا أوربوس، وسرجيلا، وكرك بيزة، وجرارة، وقاطورة، وعين دارة، وشمس، وباصوفان، والنبي هوري، وأرواد، وقطنا، وشهبا/ فيليبولس، وقنوات، وصلخد، وأفاميا، وحم وكار، وبعودة، والمناره، وتوتال، ودير سنبل، وإيمار، والدانا، وسرمدا إن الأم التي تعاقب على زواجها  شعوب شتى يمكن تعدادها على الترتيب: السومريون، الأكاديون، الكلدان، الكنعانيون، الآراميون، الحيثيون، البابليون، الفرس، الإغريق، الرومان، النبطيون، البيزنطيون، العرب، وجزئيا الصليبيون، وأخيرا كانت تحت سيطرة الأتراك العثمانيون.

جميعهم إلى زوال وما زلت أنت فرحة المطر

هل كان الذنب ذنبي أن هواي تولد في قلبها الرقيق أم أن اللوم ينصب على كاهلي لأني لم أشجع عواطفها نحوي أولم تفتني بما أبدته طبيعتها الصادقة نحوي وان كنت أرى في هذا المقطع إطالة وليس مملا إلا لمن يخشى الكلام والشائعات إلا أن الشاعر يحاول بكل الوسائل أن يرسم شبح الابتسامة فوجدها فرصة سانحة للخوض في تفاصيل صغيرة حتى نطل برؤوسنا من خلف أكوام الحجارة والغريب إن كلمات الشاعر كانت باردة وتلفحنا حرارتها مع إلقاء الأم جملتها الاخباريه فوق سفوح الانتظار المر.
لم أكن أتوقع من الشاعر أن يفاجئنا بالسؤال هل تشعرين بالحزن والموت يا أماه؟ وأمدها بدعوة الإتيان والقبول كأنها العروس البكر في حالة من التوافق والانسجام بين عشيقين تدلها خطوا لينفضا عن العين موكب النعاس فأنا أؤمن بأنها تحبه فهى من أخرجته إلى الحياة وتسير في أحلام القرى يتدفق الحب صاخبا من قلبها تأكل تقاطيع وجهها الحرائق ومضت في البكاء حين يحط عليها وحي السماء وهي نظرة الفتيات الجذابات الفاتنات. فالموت أمر نؤمن به نحن بني الإنسان والحياة لن تتغير ولن تقف مستمرة فالأشياء الجوهرية ليست من دنيانا.


 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17751

العدد 17751

السبت 22 سبتمبر 2018
العدد 17750

العدد 17750

الجمعة 21 سبتمبر 2018
العدد 17749

العدد 17749

الثلاثاء 18 سبتمبر 2018
العدد 17748

العدد 17748

الإثنين 17 سبتمبر 2018