مصطفى كاتب

قامة فنيّة ساهمت في إثراء الإنتاج الثّقافي الجزائري

إعداد: فؤاد بن طالب

«مدرسة متميزة» في المسرح وحضور بارز في السّينما


مصطفى كاتب واحد من القامات الفنية النّادرة في سماء الدراما الجزائرية، الذي كان له الفضل إلى جانب عميد المسرح الجزائري بشطارزي في تأسيس المسرح الوطني، كان كاتب ممثلا ومخرجا ومؤلفا، بدأ مساره الفني في 1940 إلى أن وافته المنية سنة 1989 عن سن 69 سنة، وقد استطاع هذا الهرم أن يعطي للحركة المسرحية دفعا متميّزا إبّان الثّورة التّحريرية وبعدها، وأكّد في أكثر من مناسبة أنّ الأعمال الفنية الدرامية النّاجحة هي التي تحمل قضيّة وهدفا.
هذا ما سنكتشفه في هذا البحث الفني المتميز عن مصطفى كاتب، صاحب المحطّات العديدة في المجالين الدرامي والتكوين، حيث ترك إرثا كبيرا في خزائن المسرح الوطني الجزائري من مسرحيات إلى جانب أفلام ذات بعد تاريخي متميز.

 

لقّب بالمبدع المثقّف

ولد مصطفى كاتب بمدينة سوق أهراس في 8 جويلية 1920، وتوفي في 28 أكتوبر 1989 عن عمر 69 سنة بمرسيليا بفرنسا، يقال عنه أنه منذ نعومة أظافره وهو يتمتّع بالذكاء والابداع إلى أن لقب بالفنان المبدع، حيث تأثر بالفن المسرحي وهو في ريعان شبابه، إلى أن انضم لفرقة المسرح العربي بقاعة الأوبرا في 1947 رفقة محي الدين بشطارزي، ومن هنا بدأت انطلاقة هذا الهرم في المجال المسرحي.
يصفه بعض المتتبّعين بأبي المسرح الوطني الجزائري، والبعض يطلق عليه «مؤسّسة متنقلة» في المجال الفني، وآخرون يلقّبونه بالأب الروحي كونه كان يمتاز بالثّقافتين والمسرحية، بعد هذه الانطلاقة المتميزة التي صنع منها اسما كبيرا جذب به العديد من الممثلين الذين انطلقوا على خطاه على غرار سيد  علي كويرات، يوسف حطاب، كلثوم وآخرين.

اقتحامه  التّمثيل والتّكوين

نظرا لعبقرية هذا الفنان الكبير، اقتحم في بداية عطائه كممثل في فيلم «ريح الأوراس» للمخرج عمار العسكري، و«الليل يهاب من الشمس» سنة 1965 للمخرج مصطفى بديع، بعد هذه المشاركة الأولى في التمثيل فكّر بأن يقتحم مجال الاخراج فكانت له فرصة عام 1972 وأخرج فيلما بعنوان «الغولة»، ثم تعود بنا الذكريات إلى محطّة سابقة مع مصطفى كاتب، الشّخصية المتميّزة إلى عام 1951 أين شكّل فرقة مسرحية، التي أحرزت عدة جوائز تشجيعية وتقديرية داخل الوطن وخارجه. نظرا لقيمته الفنية والثقافية عيّـن رئيسا للفرقة الفنية التي أنشأتها جبهة التحرير الوطني آنذاك في تونس، حيث لعبت هذه الفرقة دورا رائدا في مجال التعريف بالقضية الجزائرية للرأي العام العربي والدولي، حيث تنقلت هذه الفرقة الى عدة قارات منها الآسيوية والدول العربية، مثلما قام به فريق جبهة التحرير الوطني لكرة القدم في نفس المجال وهو التعريف بالثورة المظفرة.
يعد المسرحي مصطفى كاتب من أعمدة الفن الرابع في الجزائر بنضاله الريادي في سبيل مسرح وطني متألّق، قام هذا العملاق وصاحب الثقافة الفنية العالية بتكوين معاهد وطنية مختصة، ودعا للاخراج المسرحي في النظام التعليمي.

1936 انطلق في تأسيس  أول فرقة


بدايته الأولى عام 1936، حيث أسّس فرقته المسرحية الأولى المسماة آنذاك «ألف باء» رفقة رفيق دربه علال المحب وعبد الله نقلي وسيد علي الملقّب
«فيرندار» لينضم بعدها لفرقة المطربية لعميد المسرح الجزائري باشطارزي الذي أثّر فيه كثيرا.
مصطفى كاتب مولوع بالمسرح حتى النخاع، ما جعله يبحث دائما عن الجديد والتجديد، فجاءته فكرة أخرى، فكوّن لنفسه فرقته الهاوية عام 1947 باسم المسرح الجزائري، والتي توّجت في الخمسينات بالعديد من الجوائز الدولية خاصة بالاتحاد السوفيتي آنذاك، وبعض دول أوروبا الشرقية.

كاتب «ورشة تكوين متنقّلة»

لقد أصبح مصطفى كاتب في نظر الكتاب والنقاد ورشة تكوين حقيقية تعلّم أصول الفن الرابع، حيث التحق بهذه الورشة الفنية فنانون كثيرون على غرار  سيد علي كويرات ويحيى بن مبروك، غير أنها توقفت بعد انطلاق الثورة التحريرية. في عام 1948 انضم مصطفى كاتب الى فرقة بشطارزي المحترفة (المسرح العربي) كممثل ومخرج وأيضا في الادارة الفنية كنائب لبشطارزي قبل أن يتوقف المسرح العربي عام 1956، ليتجه لممارسة المسرح الملتزم ما بين سنتي  1956 ــ 1958 إلى أن استقلت الجزائر.

أول مدير للمسرح الوطني  بعد الاستقلال


بعد عودة الفرقة الفنية إلى أرض الوطن بعد أدائها الواجب الوطني، عيّـن مصطفى كاتب أول مدير للمسرح الوطني الجزائري عقب تأسيسه في جانفي  1963 من طرف فناني الفرقة وفنانين آخرين كانوا متواجدين، وتعيينه هذا جاء بعد إقناع من طرف زملائه.
بعد النّجاحات الكبيرة والمؤثّرة إبّان الثورة وبعدها مباشرة من طرف هذا الأسطورة وهذا الهرم في المجالين المسرحي والفني، كسّر جدار الصمت من جديد وعاد الى البيت الذي تربّى فيه وترعرع بين ركحه، إنه الاخراج المسرحي حيث انطلق في اخراج العديد من المسرحيات الهادفة والناجحة على غرار «الحياة حلم»، «الغولة»، «الجنة المطوقة»، «الرجل ذو النعل المطاطي» للكاتب ياسين، كما أخرج أيضا روائع عديدة لكتاب عالميين منهم شكسير، ناظم حكمت وتوفيق الحكيم، غير أنّ مصطفى كاتب لم يتوقّف عند الاخراج بل أبدع في إصدار مجلتين هما «الحلقة والمسرح» و»الثّورة والثّقافة» التي اهتمت بقضايا الفكر والثقافة، كما كان للرجل تصوّرات مختلفة حول التكوين، والذي اعتبره الركيزة الأساسية للنهوض بالمسرح الجزائري، وبعثه الى مصاف المسارح العالمية.

مفكّر ومؤسّس من أعلى مستوى

بعد النّجاحات التي انتعش بها المسرحيون والمثقّفون أيام الزمن الجميل، راودته فكرة جديدة في مجال الابداع والتأسيس، فكان له الفضل الكبير في تأسيس مدرسة برج الكيفان للمسرح والرقص الشعبي بالجزائر العاصمة سنة 1964 (المعهد العالي لمهن فنون العرض والسمعي البصري   
«إيسامس»)، وقد خرج من رحم هذا المعهد جيل اليوم الممتهن للتمثيل، وهم بالآلاف على المستوى الوطني، والفضل يعود الى هذه القامة الفنية مصطفى كاتب الممثل والكاتب المتميز.

انضمامه إلى وزارة التّعليم العالي

في سنة 1973 عين كمستشار فني في وزارة التعليم العالي له اختصاص في المجال الفني، فتمكّن من فتح الجامعة للمسرح وتنظيم ورشات تدريبية للطلبة في مجال المسرح من 1975 الى 1984، واعتبرت أفكاره رائدة وأصبح بعدها عضوا فعالا في المجلس الشعبي لمدينة الجزائر العاصمة لأنه استطاع أن يضع بصمته الفنية في قلوب الملايين داخل الوطن وخارجه.

آخر أيّامه

تمر الأيام والسّنون، ويعود أحد هرم التّمثيل إلى البيت الذي أسّسه، وهذه المرة كمدير للمسرح من جديد عام 1988 قبل أن توافيه المنية في 28   أكتوبر 1989 في نفس اليوم الذي رحل فيه ابن عمّه الرّوائي والمسرحي كاتب ياسين.


الجيل الثّاني

يعتبر عملاق التمثيل والمسرح مصطفى كاتب من  الجيل الثاني للمسرحيّين الجزائريّين بعد رحيل المؤسّسين من أمثال بشطارزي، علي شلالي المدعو «علالو»، رشيد قسنطيني ومحمد توري و.....

أفلام خالدة

مصطفى كاتب ترك بصمة متميّزة في مجال التمثيل لأنّ كل أدواره مؤثّرة وهادفة على غرار «العفيون والعصا»، «حسان النية»، «دورية نحو الشرق»، «غروب الظلام»، «ريح الأوراس»، «الليل يهاب من الشمس» و….
وفي مجال المسرح نجد «ولد الكاهنة»، «الأكاذيب»، «عدو الشعب»، «دون جواب»، «عنتر ابن شداد»، «عثمان في الصين»، «المجرم»، «البوابون»، «جحا باع حمارو»، والكثير من المسرحيات التي نالت العديد من الجوائز وطنيا ودوليا.

معلومات شخصية

الاسم: مصطفى كاتب.
ميلاده: 08 جويلية 1920 بمدينة سوق أهراس.
وفاته: 28 أكتوبر 1989 (69 سنة) بمرسيليا  فرنسا.

الحياة العملية

الأدوار المهمّة: فيلم «ريح الأوراس»، «الليل يهاب من الشمس».
المهنة: ممثل مسرحي، وممثل أفلام في سنوات النشاط من 1940 إلى 1989.

رحيله ترك فراغا كبيرا في السّاحة الفنيّة


رحل الأب الروحي للمسرح الوطني وعميد التمثيل المسرحي والسينمائي مصطفى كاتب عن عمر 69 سنة، تاركا وراءه العديد من المسرحيات والأفلام الدرامية الخالدة، على غرار «الليل يهاب من الشمس» و»ريح الأوراس».
إنّه إرث غالٍ وأعمال فنية رائدة، وستبقى خالدة في سماء الدراما الجزائرية التي جسّدها ميدانيا عملاق المسرح والسينما الأسطورة الخالدة مصطفى كاتب، الذي تبقى أعماله يتذكّرها جيل بعد جيل.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18214

العدد18214

الأحد 29 مارس 2020
العدد18213

العدد18213

السبت 28 مارس 2020
العدد18212

العدد18212

الجمعة 27 مارس 2020
العدد18211

العدد18211

الأربعاء 25 مارس 2020