الرّوائي العراقي خضير فليح الزيدي:

«النّقــد العربي لا يهتــم بعنصـر الاكتشافات وصيد الجواهر الثّمينـــة»

حاوره: كه لان محمد

«النّقد العربي إخواني النزعة يعتمد على العلاقات والصّداقات»

 يصحبُ عملية الكتابة القلقُ والهواجس الداهمة، وقد يكونُ الأمر مع كتابة الرواية أكثر مدعاة للتوتر بما أنَّ مغامرة اقتحام هذا العالم يتطلبُ وعياً مسبقاً بمناخه ودراية بطبيعة فضاءاته المُتشابكة مع الروافد الفلسفية والمعرفية، كما أنّ الإلمام بتشكيلة المادة السردية عنصر أساسي في تركيبة النص الروائي حول فن الرواية ودور النقد في دعم الحراك الإبداعي، كان لنا حوارُ مع الروائي العراقي خضير فليح الزيدي، الذي صدرت له أخيرا من دار السطور رواية «المدعو صدام حسين فرحان».
- الشعب: أشرت في مقالك المنشور حول قراءاتك للرواية بأنك تأثّرت بالإيطالي «البيرتو مورافيا»، لكن أسلوبك في الكتابة مختلف وأقرب إلى الواقعية الصادمة برأيك، هل يحددُ الموضوع أسلوب التناول الروائي؟
 خضير فليح الزيدي: نعم حدث هذا التأثير في أسلوب البرتو مورافيا في فترة مبكرة من حياتي الأدبية. ولكن هذا التأثير لم يدم طويلا بعد أن تعددت القراءات والشغف في الأساليب العالمية لكبار الكتاب الروائيين في العالم. أنا أؤمن بأن الكاتب شبيه الاسفنجة التي تمتص الواقع، ولكنه يفرزه برؤيا مغايرة عن الواقع تحت تأثير الحدث، بعد أن يفسح الكاتب لخياله أن ينطلق بحرية كاملة في قراءة الأحداث التاريخية وفق مختبره الفكري والإحساس الأدبي بما هو مهمل من تاريخ الوقائع، بما هو يمكن أن يقال بصيغة أدبية عالية الإحساس بتاريخ الفجائع. ثمة تأثر بالبرتو مورافيا من حيث الجرأة الأدبية في قراءة المسكوت عنه عندما بزغ نجم العلوم النفسية ونظرية سيجموند فرويد وتلامذته فيما بعد، لكن الحياة غدت أكثر تعقيدا عقب تلك المرحلة التاريخية حتى غدا ذلك التعقيد مغزى ملتبساً لسبر أغوار الشخصيات، لذا استدعت الضرورة الذهاب لفهم العالم بطريقة أكثر واقعية. وما اسميته ذات مرة بالواقعية العراقية الجديدة.

- ما الدافع وراء اختيارك لكتابة الرواية؟ هل مرَّ عليك حدث وجدته بأنَّه لا يمكن التعبير عنه إلا في الشكل الروائي؟
 لا أعرف بالضبط لم اخترت الكتابة السردية على وجه الدقة، لأني بصراحة ربما اكتشف العالم وأدركه، ولكني بالمقابل لا أستطيع إدراك نفسي الأمارة بشغف الواقع. كانت أطاريح الدكتور علي الوردي في فترة مبكرة جعلتني أميل إلى الكتابة النثرية أكثر من الشعر، وحسب مقولة الدكتور الوردي أن الشعر صيغة غير متحضرة لمواكبة العالم التقني آو العالم الغارق في هوس التطور اللحظاتي. ربما السرد هو الأكثر تعبيرا عما يجول في نفس الإنسان من رؤى غاية في التعقيد لا تدركها النرجسية الشعرية المترفة. الشعر سينقرض حتما، وتتحول معظم القصائد الخالدة إلى متحفية لغوية لا تنفع إلا للفرجة اللغوية، بينما السرد والمدونات السردية المختزلة أو المطولة فهي الوجه المعبر عن قبح هذا الكوكب المرتبك في مشاعر سكانه.

-  يرى بعض النقاد أن ما تدور حوله الرواية الأولى عبارة عن سرد لتجربة ذاتية وسمي هذا النوع برواية التكوين، إلى أي مدى يتمثلُ عملك الأول لهذا التوصيف؟
 لا أعتقد أن المقولات الجاهزة تنطبق كثيرا على سرديتي الأولى. أعتقد أن منجم الازمات الفردية والهم الثقافي للتعبير هو الدافع لكتابة الرواية الاولى او القصة البكرية الأولى، لكن ثمة حقيقة يجب أن تقال هنا، إن كل السرديات الأولى لمعظم كتاب العالم هي غير مرضية لكتابها بعد حين. هي بمثابة مران فردي لتطويع اللغة والأفكار معا، بينما يتطور الكاتب في مرانه السردي تستقر اسلوبيته وقدرة التعبير باقتصاد لغوي وفكري واحساس عال بما تفرزه اللغة بنوع من الإشارات الرمزية التي تصل القارئ بيسر.

- هل تعتقدُ بأن الحراك النقدي مواكب لتصاعد الإصدارات الروائية؟ وماذا يخسر النص الإبداعي في غياب النقد؟
 النقد الادبي مختبر صحي لتفكيك الجسد الادبي، لكن أحيانا تلك الفحوصات المختبرية تعطي نتائج سلبية او غير صحيحة إذا ما كان النقد يشتغل على الحداثة والأسلوب النقدي إجرائي كلاسيكي. يجب أن تتطور المدارس والحقول النقدية لتصل إلى مصاف الحداثة النقدية أو ما بعدها لإدراك المعاني المشفرة بمختبرات التقانة الصحية المتطورة لتفكيك النصوص التي تشتغل في حداثة تواكب عالم التقنيات، النقد العربي يعتمد على العلاقات والصداقات ولا يهتم بعنصر الاكتشافات وصيد الجواهر الثمينة. نعم ربما نخسر نصوصا عظيمة غير مكتشفة بسبب الإعلام أو المدارس النقدية الخوانية وربما لا تكتشف إلى الأبد، أكتب وأمض هذا شعار الكاتب الحاذق ولا يلتفت بما يدونه النقد.

- لديك تجربة مع ورشات الكتابة، ماذا أضافت المبادرات على هذا الصعيد إلى أفق تطور فن الرواية؟
 نحن نعيش في عصر جديد وعلى الكاتب أن يعي ذلك مسبقا. ورشة الكتابة هي مختبرات لمراجعة الكاتب في التواصل الدقيق مع ظله من الكتاب الجدد او أجيال الشباب. الورشة هي أن يحرق الكاتب المتدرب مراحل ويختزل تجارب الكتاب، هي المرآة عالية الوضوح ليرى الكاتب تجربته بعيون المتدربين.
غالبا ما أميل إلى العمل مع الجيل الشاب في ورش الكتابة وإجراء التجارب السردية من خلال حدث واحد يكتب من مجموعة كتاب متدربين، حتما ستكون النتائج مذهلة في النظر إلى زاوية الحدث وفق الحس السردي ومشاعر التفاعل.

- لدينا وفرة في النصوص الروائية لكن لا توجد محاولات جادة لتوظيفها في أعمال سينمائية ودرامية بعكس ما هو سائد في العالم كيف تفسر هذا الأمر؟
  كما تعلم السينما صناعة تعتمد في مادتها الرواية الحدثية. إن معظم كتاب الرواية المعاصرين حين يكتب لا يفكر في تحويل روايته إلى فيلم أو دراما تلفزيونية. وهناك كوادر درامية تتحول إلى وسيط فني بين الروائية والفيلم وفق محددات مدركة. ربما سينجح الفيلم المتحول عن الرواية وربما يفشل فتلك قضية شائكة ولكني أنظر دائما إلى أن الروايات العظيمة التي تحولت الى أفلام يساء غالبا إدراك لذتها الخفية.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18366

العدد18366

الإثنين 28 سبتمبر 2020
العدد18365

العدد18365

الأحد 27 سبتمبر 2020
العدد18364

العدد18364

السبت 26 سبتمبر 2020
العدد18363

العدد18363

الجمعة 25 سبتمبر 2020