الموسيقــــار محمــود الشريــف في حوار مــع «الشعب»

«البــزنسة» طغـت على الأغنية الجزائرية وحالت دون تطورهـا

حاوره: حمزة لموشي

لم يكن سهلا علينا لقاء أحد كبار الفن بالجزائر، هو العملاق محمود الشريف صاحب الشعر الملتزم واللحن الراقي، محارب شرس للرداءة الفنية وناقم على حال الفن في الجزائر بعد ٥٠ سنة من الإستقلال، معروف عنه عزلته الكبيرة وتوجسه من وسائل الإعلام، لكنه يرى أن جريدة «الشعب»، وبعد عودتها القوية إلى قرائها تستحق أن تكون الوسيلة الإعلامية التي يفتح لها قلبه ويناقش من خلالها واقع الفن في الجزائر، بعد أن نظم لنا الأستاذ محمد أونيسي موعدا معه بمنزله المتواجد بمدينة باتنة.سمعنا كثيرا عن صرامته الفنية، ورغم تعاقب السنين عليه إلا أنه بدا في كامل أناقته الجسدية والفنية، استقبلنا بابتسامة كلها ثقة في احترافية «الشعب» وحرصها على تكريم عمالقة الزمن الجميل، دخلنا غرفته فوجدناها مكتبة موسيقية بامتياز بآلات العود، القيثار، البيانو، وغيرها.. زينت جدران الغرفة، وجعلت منها روضة للجمال، الإبداع والموسيقى التي جعلتنا نتجاوز فترة لقائنا بها بكثير ليمتد اللقاء إلى أكثر من خمس ساعات اغترفنا خلالها من بحر الأستاذ محمود الشريف، واكتشفنا تواضع هذه «القامة» وألمه جراء واقع الفن في بلاده، فكان لنا معه هذا الحوار «الحصري»، الذي انتظرناه طويلا.
@الشعب : بداية نشكرك على الفرصة والثقة التي منحتنا إياها للدردشة معك عن الفن، وقبل أن نخوض في الحديث وبحكم غيابك عن الساحة نسأل موسيقانا الكبير محمد الشريف عن أحواله ؟
@ محمود الشريف: الحمد لله على كل حال، ومرحبا بكم في ضيافتي وأنا سعيد جدا بلقائكم رغم عزوفي منذ مدة طويلة عن لقاء وسائل الإعلام.
@@ كيف ترى واقع الأغنية الجزائرية عموما بعد مرور ٥٠ سنة من الاستقلال؟
@ لا يمكن الحديث عن الأغنية الجزائرية بمختلف طبوعها ثورية كانت أم أوراسية أو غيرها، دون الحديث والعودة إلى الأكاديميات والمدارس ودون بحث علمي وكذا دعم الدولة الصريح، فالأكيد ستبقى راكدة، لأنه إذا غاب البحث العلمي والدراسة الأكاديمية، فلا يستطيع الملحن أو المؤلف أن يفعل شيئا.
والحقيقة أن الأغنية الفلكلورية سواء كانت أوراسية أو غيرها، فهي واقعية تعبر عن ثقافة البسطاء، وأغلبها مكتوب باللهجة المحلية، ألحانها بسيطة للغاية لا تتجاوز ثلاث أوأربع نوطات، ولكن تلك الأغاني الفلكلورية تعبر بصدق عن وجدان أهل المنطقة وتكون مجهولة المؤلف والملحن وهي صفات أساسية للأغنية الفلكلورية.
@@ ولماذا هذه الأغاني مجهولة؟
@ لأنها عفوية تعبر عن واقع الحال الذي يعيش فيه سكان تلك المنطقة، فإذا كانت هناك حالة من الفرح أو الحزن، نجد الأغنية تخرج من عمق تلك المشاعر وتساير الوقائع والحروب لتعبر بصدق وبساطة وعفوية عن تلك المناسبة بحلوها ومرها، تسقط ويتراجع دورها بسقوط مبررات وأسباب وجودها، لتصبح روتينية تراثية، تعبر عن ظروف وتاريخ حياة سكان منطقة معينة.
@@ ما الفرق بينها وبين الأغنية الأكاديمية ؟
@الأغنية الأكاديمية مدروسة لحنا وكلمة، يؤلفها شعراء وكتاب لهم دراية كبيرة بقواعد الشعر، فإذا كانت قصيدة نجدها تخضع لمختلف البحور الـ ١٦ المعروفة، وهنا نؤكد أن أغلب الأناشيد مؤلفة على وزن البحر المتقارب.
@@ ما أسباب تراجع أداء الأغنية الثورية في الجزائر؟  
@العامل التجاري بالدرجة الأولى يلعب دوره في مثل هذه الحالات، إضافة إلى أن الفنانين أصبحوا يفكرون بعقلية تجارية محضة، فالأناشيد والأغاني الثورية لا تعود بالكسب المادي على الفنان، ونحن كفنانين ملتزمين نرفض هذه الرداءة، وعلى الدولة بمؤسساتها التدخل ''العاجل'' لوقف هذا النزيف ومثل هذه التجاوزات الخطيرة التي تمس بمصداقية الفن عموما من خلال فرض رقابة صارمة على كل ما يبث وينشر ويؤدى.
أضف إلى ذلك الأغنية الثورية جادة وملتزمة ولا تحاكي ''الغرائز''،  على عكس أغاني الوقت الراهن، التي تعزف على وتر الغرائز خاصة لدى فئة الشباب، وبالتالي فهي تحقق أرباح مغرية، عكس الأغنية الوطنية التي تخاطب العقل والقلب كونها ذاكرة للأمة، والمسؤولية هنا تقع على عاتق الجميع سواء منتجين أو ملحنين والأهم من ذلك المستمعين.
@@ ما الحل في رأيك للخروج من هذه المشكلة؟  
@ يكمن الحل  في إخراج الأغنية الثورية والوطنية عموما من طابع المناسباتية والأعياد الوطنية وكذا الاحتفالات الرسمية، ويتحمل مسؤولية ذلك بشكل كبير التلفزيون الجزائري والإذاعة الوطنية، حيث لو تم برمجة أغاني وطنية في مختلف الحفلات والنشاطات المنظمة على مدار العام، خاصة تلك التي تستهدف الشباب، فالأكيد سيتم خلق جسر تواصل كبير بين الأجيال والحفاظ على الذاكرة التاريخية، وأعطيك مثالا على ''الإهمال المبرمج'' للأغنية الوطنية، فخلال متابعتي لتصفيات برنامج ألحان وشباب في طبعته الحالية، لم أجد أي مترشح قدم أغنية وطنية أو ثورية.
@@ هل توافق رأي الفنانين الذين يرجعون سبب عزوفهم عن تأدية الأغنية الوطنية والثورية إلى غياب الكلمات والألحان ونقص الأشعار؟
@ هذه أعذار أقبح من ذنوب، فالجزائر غنية بالكتاب والشعراء والملحنين الذين لهم باع طويل في الميدان كالسائحي رحمه الله وعروة وبرناوي... وفي الوقت الحالي على كل من أراد أن يؤدي الأغنية الوطنية أو حتى التراثية الراقية ما عليه إلا التوجه إلى الأمسيات الشعرية، حيث سيجدون العشرات من الشعراء الذين تجود قرائحهم بروائع خالدة.
@@ الأغنية الجزائرية اليوم تتهاوى أمام قصف الكلمة المبتذلة والرديئة واللحن الساقط، من المسؤول عن تشجيع مثل هذه الفوضى؟، ولماذا أنتم العمالقة لا تتحملون مسؤولياتكم في توعية النشء وتربيته فنيا ومحاربة كل هذه الرداءة؟
@@ الجميع يتحمل المسؤولية، خاصة المؤسسات الثقافية والإعلامية، أما عن دوري وزملائي المحترفين، فقد تم «تهميشنا عمدا»، ففي زمني عندما كنت رئيسا للجنة التحكيم في برنامج ألحان وشباب في بداياته لم أكن أقبل غير الأصوات القوية، فلا توجد لدي عاطفة، فعاطفتي كانت وما تزال وستبقى لوطني فقط.
@@ ماذا عن تلحينك وغنائك لمقاطع من «إلياذة الجزائر» ؟
@ تم اختياري في سنة ٢٠٠٩ رفقة تسعة ملحنين آخرين لتلحين وغناء مقاطع من الإلياذة للشاعر الكبير مفدي زكريا، وتم إعطائي رفقة زملائي الملحنين ١٢ بيتا لكل واحد.
@@ بعد هذه المسيرة الفنية الحافلة، والإبداع الكبير، هل التفتت إليك الجهات المعنية لتكريمك وتوثيق إنتاجاتك الفنية والموسيقية ؟.
@ لم يتم تكريمي مطلقا باستثناء مرة واحدة في ولاية باتنة، قلت لك في بداية اللقاء أن هناك أطرافا مجهولة تعمدت إقصائي وتهميشي من المشهد الثقافي الوطني، رغم إمكانياتي الكبيرة وخدماتي في القطاع.
@@ الدولة تصرف سنويا أموالا ضخمة لتطوير وترقية الثقافة والفن، ولكن الانتقادات ما تزال تطال كل تلك المجهودات المبذولة، في رأيك لماذا؟  
@ السبب في ذلك يعود إلى القائمين على الشأن الثقافي محليا ووطنيا، فغياب التخصص عند كثيرهم أحدث الخلل وهنا أطرح بدوري معك علامة استفهام كبيرة ؟
 لن أذهب بعيدا ففي ولايتي باتنة وفي كل الجزائر،  فالكل يعرف من هو محمود الشريف، لدي أكثر من ٢٠ لحنا، وأنجزت العديد من الأوبيرات ورصيدي مليء بعشرات الحفلات لما كنت قائدا للأوركسترا الجهوية بقسنطينة، فمنذ سنة ١٩٨٥ لم يتم استدعائي للمشاركة في أية لجنة تحكيم فنية رغم تاريخي، خاصة أنني الوحيد وطنيا المختص في الموسيقى الأكاديمية، كوني من أوائل من تحصلوا على الليسانس في الموسيقى في الجزائر.
وقد تحول الإبداع اليوم إلى ملكية خاصة يتصرف فيها أشخاص وما نزال نعيش ببلادنا بعقلية «هذا صاحبي وهذا حبيبي. إلخ» ونتيجة هذه العقلية واضحة لا تحتاج إلى تعليق.
@@  تبدو ناقما جدا على القائمين على الشأن الثقافي؟  
@ ناقم على الرداءة وعلى الكولسة في دعم  المشاريع، وأبسط مثال على ذلك ملحمتي الموسومة «مفتاح نوفمبر» التي اشتغلت على إنجازها لمدة فاقت الـ٣ سنوات وأعطيتها الكثير من وقتي وجهدي ومالي لأكملها رفقة الأستاذ محمد أونيسي ولما قدمتها لوزارة الثقافة لتتبناها كمشروع في إطار خمسينية الإستقلال، قوبلت باللامبالاة غير المبررة، فأنا لم أقدم لهم سلعة ليتفاوضوا معي على ثمنها، أنا قدمت لهم إبداع وفنا راقيا، فتخيل أنني قضيت أكثر من ٤٠٠ ساعة عمل لتلحين ٣ دقائق و٣٤  ثانية فقط في لحن «الأشواق»، فهذا الجهد والتعب لا يقدر بثمن، لأنني لست تاجرا فلو كنت كذلك لكان حالي كبقية «تجار الفن» هذه الأيام.
أحضر حاليا لمؤلفين يتعلقان بمسيرتي الفنية وأبرز النجوم الذين عملت معهم، وستجدون الكثير من الأسرار الفنية بها.
@@  معذرة على المقاطعة، ولكن لماذا لم تتبن الجهات المعنية في باتنة المشروع ؟
@ هذا السؤال إجابته عند والي باتنة ومدير الثقافة الذي زارني في منزلي مثلك واطلع على المشروع بل وذهل لكم الإبداع الموجود فيه... ولكن لا حياة لمن تنادي.
@@ في رأيك ما الحل الأنسب للحفاظ على الهوية الوطنية الثقافية الفنية؟
@  لا بد من إنشاء مدارس ومؤسسات مختصة، تهتم بالشباب وتمكنهم من الموسيقى الغربية والعربية بناء على الموسيقى الجزائرية بالدرجة الأولى لكي تبقى جذوره وانتماؤه وهويته الجزائرية ضاربة في عمق التاريخ فلا يتغرب ويغترب ولا يتوه.وفي الأخير، أوجه نداء إلى مسؤولي الثقافة في بلادنا  أدعوهم من خلاله إلى الاهتمام أكثر بالفنانين وعدم تهميشهم، لأن الفنان الحقيقي صاحب المبادئ  « لا يطرق الأبواب للتسول، وعليهم البحث عن الفنانين الحقيقيين».

 


الفنــــان في سطـــور..


بدأ الموسيقار الكبير «محمود الشريف» حياته الفنية سنة ١٩٥٨ ليلتحق بعدها مباشرة بعد الاستقلال بفرقة السعادة بباتنة، وهي فرقة منوعات تخصصت في أداء الأناشيد الوطنية، وعند نهاية سنة ١٩٦٦، تحصل على منحة دراسية إلى الخارج وإلتحق بأكاديمية الفنون بمصر ( المعهد العالي للموسيقى العربية بالقاهرة)، وهناك درس القواعد والعلوم الموسيقية لمدة ٧ سنوات، وتحصل على البكالوريا في الموسيقى سنة ١٩٦٩ بتقدير جيد جدا، ثم تحصل على الليسانس ( تخصص تلحين وتأليف ) بتقدير ممتاز، ليعود إلى أرض الوطن سنة ١٩٧٣، والتحق بثانويتي بن بوالعيد وعباس لغرور بباتنة كأستاذ للموسيقى، ثم عين بمعهد العربي تبسي لتكوين أساتذة الموسيقى، وبعدها التحق بالتلفزيون الجزائري محطة قسنطينة كقائد للأوركسترا الجهوي، وأنجز العشرات من التسجيلات والمنوعات وفي رصيده أزيد من ١٢٠ مقطوعة موسيقية، وكذا ملحمة «عيد النصر».
أشرف على حصة ألحان وشباب وكان رئيسا للجنة اختيار الأصوات على مستوى الشرق الجزائري.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17793

العدد 17793

الأحد 11 نوفمبر 2018
العدد 17792

العدد 17792

السبت 10 نوفمبر 2018
العدد 17791

العدد 17791

الجمعة 09 نوفمبر 2018
العدد17790

العدد17790

الأربعاء 07 نوفمبر 2018