الأوسكار...والمقعدون في الأرض

أميرة الصّحراء تختصر المسافة بين لوس أونجلس والعسافية

نورا لدين لعراجي

عندما صنع مربي الخيول محمد شاوش الحدث، وأثبت أنّ الإبداع لا يحتاج إلى أضواء كاشفة، ولا إلى مدن في الشمال يكثر فيها اللغط والتصنع..ولا إلى منابر إعلامية تمنحه حق الولوج إلى عالم المشاهير، كما اشتهر البعض ممّن صنعتهم القنوات الفضائية والكاميرات المزيفة وجعلت منهم نجوما، وبروجهم خاوية على عروشها.
في أقصى الجزائر العميقة وبمنطقة العسافية بالاغواط،استطاع مربي الخيول ومروض المهور شاوش أن يصعد بمهرة عربية أصيلة إلى مرتبة عالمية كأحسن الخيول العربية المروضة، متحصّلا على أحسن درع لأحسن خيل عربي أصيل يرعاها منصور آل زايد بن نهيان. صاحب التتويج لم تمنعه إعاقته الجسدية عن الحركة، ولم يعجزه الكرسي المتحرك عن فرض مهارته وخبرته وإبداعه في صقل هذه الخيول العربية.
أول أوسكار لتربية الخيول، منحه الجلوس على منصة التتويج ولو في غيابه، مانحا المرتبة الثالثة عالميا لوطنه، وإن كانت المرة الثانية التي يذكر فيها اسم الجزائر بعد التتويج الذي تحصّل عليه المخرج العالمي أحمد راشدي عن فيلمه «زاد».
شاوش لم يستطع السفر إلى امريكا لاستلام درع التميز، كأشهر مربي للخيول ذلك لأن الأضواء الكاشفة لم تكن قريبة منه، إن لم نقل تجاهلته، ولم تمنحه حق الرعاية والاهتمام، في اعتقادها أن الاعاقة تعيق الابداع، لكنه اكتفى بالفرحة رفقة ما حققته المهرة «أميرة الصحراء» تحت أضواء الأوسكار، بمسرح هوليود الشهير.
إن كانت عيون الثقافة منصبة على مناطق معينة من الوطن، وفي أشخاص نعرفهم بسيماهم، فإن الجزائر العميقة بإمكانها خلق المستحيل، وصنع التحدي من إرادة لا تقهر تتوفر عليها هذه المناطق من الوطن، بعيدا عن أية رعاية أو وصاية.
إذا كان حديث خير خلق الله يقول: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة»، فإنّ الحصان العربي الأصيل كان في سابق عهده من أجود أصول الجياد العالمية والأول بعد السلالة الانجليزية، وعندما ابتعد أهل الاختصاص على رعاية هذه السلالة وتمّ تجاهلها بالتهجين،تارة فقدت عربيتها، وأصبحت الأشياء جميعها لا تحمل خصوصيتنا العربية الأمازيغية...بل ازدادت بعدا وغرقت في التقليد إلى أن فقدنا كل جميل فينا.

 الإعاقة الحركية تبدع في أحسن درع لأحسن خيل عربي أصيل

إبداع المواطن المقعد على كرسي متحرّك هو تحدّ صقلته هذه العلاقة المتينة بينه وبين أرضه، وبينه وبين هذه الحرفة التي كان أجدادنا هم أهلها وأصحابها الأولون، فلم ينتظر دعما لا من وزارة الثقافة ولا من ممثليها، ولم يسأل عن أشياء يحفظ بها بقاء هذا الفن والثقافة في الجزائر، ذلك لأنه يعي أن الأسئلة لا تغني عن الإجابة شيئا.
صحيح الجزائر كانت حاضرة في هذا التتويج العالمي، الحفل الذي تمّ نقله عبر القنوات الكبرى وحضره نجوم العالم في الفن والثقافة والسينما..غابت عنه الجزائر لأن محمد من الجزائر العميقة لا يملك ثمن تذكرة، والإعاقة تمنعه حتى من التحرك على مستوى مصالح الثقافة والولاية، فيما تصنع نجومية هلامية لأصوات وأسماء لا يصل صداها عدد أفراد عائلة واحدة.
    

 

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17797

العدد 17797

الجمعة 16 نوفمبر 2018
العدد 17796

العدد 17796

الأربعاء 14 نوفمبر 2018
العدد 17795

العدد 17795

الثلاثاء 13 نوفمبر 2018
العدد 17794

العدد 17794

الإثنين 12 نوفمبر 2018