عددهم في تزايد مقلق

المصابون بالأمراض العقلية يزرعون الرعب في الشوارع

ف . كلواز

يعيشون خارج المجتمع الذي نحيا داخله بكل سلبياته وايجابياته، جعلهم الحكماء وجهة كل مريد للحقيقة والحكمة بينما حسدهم آخرون على غيابهم الانفعالي والشعوري داخل البناء البشري الذي ملئه الانسان معاناة وألم .هم أفراد يعانون أمراضا عقلية نصادفهم في كثير من المرات في الشارع يمشون بحرية وبلا قيود، متسخون أو لا فهذا لا يهم لأننا سيكونون في كل الحالات مجانين ينتابنا الخوف عند رؤيتهم لأنهم مستعدون لفعل أي شيء.
هي سيدة يعرفها سكان درقانة لأنها تتنقل بصفة يومية من مقر سكناها الى تافورة لتتجول في ساحة أودان وديدوش ولن توفر الكلام البذيء والشتم إن لم تعطها ما تطلبه، تحمل بين يديها عصا طويلة تستعملها كسلاح للضرب أو لنقل إنها تراها المؤنس الوحيد الذي بقي بجانبها دون أن ينظر إليها بعيون الخوف والنفور وكأنها داء كوليرا يسير على قدمين.
خالتي حليمة عجوز في عقدها السادس فقدت كل صلة بالعالم الخارجي وأصبحت غير واعية لثنائية الزمن والمكان، ولا تذكر من الماضي سوى اسم عبد الله ابنها الذي يقال إنه ميت وعن شبابها كانت فيه كالأميرة الجميلة التي تسلب عقول المحبين.
هذه الكلمات هي محور حديثها إن أنت جلست معها في الحافلة، لن تجد عند النظر فيها سوى جلدا خشنا يلفه السواد ويدان ترتعشان في بؤس وخوف، ستجد المارة وبعض من تعود التنقل معها عبر الحافلة يثير غضبها لدرجة تجعلها كالمسعور، وأتذكر مرة أغضبها قابض الحافلة الى حد أنها حاولت الخروج من الحافلة كي تمسك به .
سألنا عن أهلها أو أبنائها فقالوا انهم غير قادرين على التحكم بها لأنها ان حبست في البيت تبدأ بالصراخ والعويل وتحطيم كل شيء تجده أمامها ، ما يخلق ازعاجا حقيقيا للجيران وعائلتها في نفس الوقت ، لذلك فضل ابناءها تركتها وشأنها مادامت تعرف طريق العودة الى البيت .
هو رجل في الأربعين من عمره يعرفه كثير ممن يتنقلون بالقطار المتجه للضاحية الغربية للجزائر العاصمة، لو حاول الواحد منا وصفه فلن يستطيع لأنه يجسد المعاناة الانسانية بكل تفاصيلها، الغريب في الأمر ان المتفحص فيه سيجد لافتة ملصقة في ظهره مكتوب عليها اسمه وعنوانه، وهو شاب اسمه حميد ويقطن في حي ٥٢٠ بجسر قسنطينة.
حاولنا معرفة المزيد عنه فتوجهنا الى الحي الذي يسكن فيه فكان ذهولنا أكبر لأنه شقيق أربعة اخوة آخرون يعانون نفس المرض العقلي الذي يعانيه، والده متوفي وأمه الكافل الوحيد لهم هي السيدة التي صبرت على مصابها ولم تتركهم بعيدا عنها بل بقيت معهم جميعا وتحملت نظرة المجتمع القاسية وتهميشه لامثالها وامثال ابنائها من المتخلفين عقليا.
ولكن يبقى لأبناء الحي دور بقاء العائلة مجتمعة فهم يسهرون على البحث على حميد إن هو لم يعد الى البيت لأنهم يعرفون جيدا الاماكن التي يرتادها، ولكن يبقى الحمل ثقيلا على السيدة في غياب تكفل طبي بهم .
عمي ''مراد'' عجوز رمى به الزمن الى الشارع لأن ابناءه بعد اصابته بتخلف عقلي رموا به الى الخارج  لانهم هلعوا على زوجاتهم وخافوا عليهن من والدهم المجنون لذلك لم يجدوا الحل إلا في الشارع لأن وضعه في دار للعجزة سيجلب لهم العار أو حتى مصحة عقلية ، اما الشارع '' فحد ما قال للحد'' وهكذا بدأت حكاية عمي مراد الذي يعيش على مساعدة الناس وعطفهم ولن يجد الناظر إليه سوى بقايا انسان يتكلم بطلاسم لا يفهمها غيره، بقي وحيدا يفترش الشارع ويقتات كما تقتات الكلاب المتشردة وكأنه لم ينتم الى عائلة كان مؤسسها الاول.
اما عمي'' عمار''، فهو مجنون من نوع خاص لأنه يمشي عار الجسد يتحمم في نافورات الموجودة في الجزائر العاصمة تراه يسير والاطفال حوله يرددون '' عومار الزيغومار ''.... وهو بالمقابل يشتعل غضبا بسبب المعاملة التي يعامل بها لانه وان كان عاري الجسد انسان يحتاج الى عناية وحفظ من المهانة، المهم ان عمي ''عمار '' كما عاش في الشارع مات على هامش الطريق وحيدا اكتشفه السكان جثته بعد يوم من وفاته عندها قال الجميع انه الآن في راحة أبدية .
على أحد أن يتحرك...
هؤلاء وغيرهم يعانون في صمت بلا معين أو كفيل يضمن لهم العيش في كرامة وان كانوا فاقدي للعقل إلا أنهم بشر مثلنا لهم حقوق وان رفع عنهم القلم، وزارة التضامن أو أي جهة تخولها صلاحياتها من الاهتمام بهذه الفئة يجب أن يلتفتوا إليها لأنهم حقيقة نراها ونتعامل معها في كل مكان وربما المتجول في الشوارع والحدائق العامة يدرك الرعب الذي تخلقه مثل هذه الفئة لأنها لا تلتزم بأي قانون .
ربما سيكون من المنطقي ان نتحدث في المقام الاول عن العائلة التي ترى الجنون عار لابد من التخلص منه وان كان بالسجن أو الطرد  أو رمي المجنون في مكان لا يستطيع العودة منه الى المنزل، هم يفعلون ذلك لأن المجتمع يحمل في كينونته البشرية نظرة قاصرة الى المجنون وتحمله عبء المرض وتبعاته السلبية قد تتحول في بعض الاحيان الى امتناع من الاقتراب من العائلة لانها تحمل في جيناتها داء المرض العقلي .
على أحد ان يتحرك فإن كانوا هم مرضى، فنحن العقلاء وواجب المبادرة ملقى على عاتقنا كعائلة وكمجتمع وكسلطة حتى نمنع تلك المناظر التي تكون في كثير من الاحيان مخلة بالآداب العامة.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17797

العدد 17797

الجمعة 16 نوفمبر 2018
العدد 17796

العدد 17796

الأربعاء 14 نوفمبر 2018
العدد 17795

العدد 17795

الثلاثاء 13 نوفمبر 2018
العدد 17794

العدد 17794

الإثنين 12 نوفمبر 2018