مرضى السكــــــري، السرطــــــان والغرغرينا:

... يعيشون الإقصاء والتهميش بسبب مضاعفات أدت إلى البتر

فتيحة / ك

يخالجهم شعور عميق بالدونية منذ سنوات بسبب تلك النظرات التي ترمقهم بسهام العجز والفشل، ورغم كل المحاولات لم ينجحوا في تغيير عقلية مجتمع لا يؤمن إلا بالأقوى.

هم أشخاص ولدوا وعاشوا لسنوات طويلة طبيعيون كأي واحد منا ولكن في لحظة فارقة أصبحوا ممن حكم عليهم القدر بأن تبتر إحدى أعضائهم بسبب المرض، وهكذا وبعد سويعات قليلة من العملية الجراحية، صنفهم الأصحاء في خانة ''غير نافع'' وكتبوا ملاحظة أسفلها ''يبقى على الهامش''.

بتر ساقي أقصاني من المجتمع

''محمد ـ ب''  ٣٥ سنة واحد من هؤلاء، وجدناه في حديقة مستشفى باشا الجامعي، اقتربنا منه وسألناه عن سبب بتر رجله فقال: ''عشت لسنوات طويلة وأنا إنسان طبيعي كامل الأعضاء، لعبت كما يلعب الأطفال العاديون ودرست وتخرجت وعملت لسنتين بدون أية مشاكل، ولكن إصابتي بداء السكري  كان أول خطواتي إلى الوراء والى الخروج من العضوية الاجتماعية''.
يضيف قائلا: ''كان المرض بالنسبة لي مفاجأة كبرى لم أتقبلها أبدا رغم أن والدي وأختي مصابان به ولكني كنت دائما أؤمن انه بعيد عني، التيار جاء عكس ما اشتهي وتغلغل المرض إلى جسدي وأصبحت أتناول الدواء الخاص به وازور الطبيب المختص بصفة دورية لمراقبة حالتي الصحية، ولكن كان داء السكري لا شيء أمام فرضية بتر رجلي بسبب تعفن فيه، في تلك اللحظة فكرت في كل ما مرّ بي في حياتي وتمنيت أن يكون تشخيص الأطباء خاطئا، توسلت كثيرا ألا يفعلوها ولكنهم ..».
يتوقف هنيهة ليواصل حديثه فيقول: ''لم أعِ ما فعله الأطباء إلا عندما استفقت من التبنيج، أول ما قمت به هي محاولة تحريك رجلي ولكني لم اشعر به، وضعت يدي بصعوبة لألمسه ولكني لم،....، إن كنت لم أتقبل المرض فأنا لا أتقبل ذاتي بعد بتر رجلي لأنني اشعر وكأنني نصف إنسان، نظرات المجتمع التي يرمقني بها كل من أمر أمامه جعلتني أتمنى الموت في كل دقيقة وثانية أتنفس فيها، أنا اليوم شخص عاجز لا أتحرك إلا بعُكازين، المرأة التي أحببت ونجحت من أجل تأمين مستقبلنا معا تركتني لأنني ليست الرجل المناسب لها لأنني ناقص ـ فحسب رأيها ـ كيف لي أن احمل أبنائي وأنا معاق وبلا رجل أقف عليها، معاملتها تلك كانت أكبر صدمة بالنسبة لذلك أنا اليوم مكتفي بالأكل والشرب في انتظار ساعة الراحة الأبدية''.

السرطان  دمرّ حياتي

''مُنى ـ س'' سيدة في الأربعين من عمرها تحدثت عن حالتها الصحية ومرضها الذي استدعى بتر ثدييها الاثنين لإبقاء على حياتها، من يجالسها يجدها حزينة على كل ما ضيعته في حياتها بسبب خطوة لم يكن بالإمكان تفاديها، تصف حالتها قائلة: ''تزوجت برجل أحببته كثيرا ولم أتخيل حياتي بدونه، عشت معه أربع سنوات كُللت بطفلين زادا من حبي وتقديري لزوجي وظننت أن سعادتي اكتملت ولكن هيهات أن تعيشها في الحياة.
في السنة الماضية أجريت فحص شامل بعد توعُكات صحية متكررة وبعد ظهور نتائج التحاليل أصبت بصاعقة كبرى عندما قدمتها لطبيبي الخاص  لأنها اثبت إصابتي بسرطان الثدي، نقطة تحول مهمة في حياتي لأن الأطباء أكدوا ضرورة نزع الثدي وفي وقت لاحق الثاني أيضا نزع''.
تنفست بعمق لتضيف قائلة: ''في البداية كنت أقف أمام المرأة وأتأمل منظر جسدي المشوه لم أتقبله أبدا وأصبحت اشعر حينها أنني مجرد كائن بشري ليس برجل ولا امرأة لأنني فقدت أهم قيمة جمالية في المرأة، وما زاد الأمر مرارة وألما أن زوجي رفض جسدي الجديد الناقص وفضل تطليقي ليتزوج بأخرى «مُكتملة» الأعضاء، وبالفعل أنا اليوم أعيش مع أهلي وأحاول في كل يوم كل تلك الصدمات التي تعاقبت على رأسي تباعا، الحمد للّه فقط أنني لم أُطرد من وظيفتي بسبب ذلك، ولكن أصبحت مصدر مُهم في محيط عملي للغمز وللمز فكلما مررت باثنين من زملائي تهامسا وطبعا لن تخرج ملاحظاتهم عن حالتي الصحية والدمار الشامل الذي ألحقته بعائلتي''.

السكري أبقاني وحيدة

''منيرة ـ ن'' ٥٠ سنة امرأة ماكثة بالبيت تعيش مع أهلها منذ خمسة عشرة بعد طلاقها من زوجها تقول عن سبب ذلك: ''عشت مع زوجي حياة عادية وطبيعية وطوال العشرين سنة لم يتضمر مني أو يشتكي من تصرفاتي أبدا، ولكن شاء القدر أن أصاب بداء السكر ي بعد وفاة والدي في حادث مرور مروع.
في البداية تقبلت المرض وتعايشت معه بصفة طبيعية تماما ولكن مع تطور المرض استدعى الأمر بتر رجلي فكانت الكارثة التي تحل على أسرتي لأن زوجي لم يهضم الأمر، ولكنه أبقاني في البيت لبضعة شهور ولكن قلقي وتوتري جعل نسبة السكر ترتفع وأصاب بالعمى بسبب ذلك''.
تسكُت قليلا لتضيف قائلة: ''عمياء وعرجاء هذه هي صفتي التي جعلت زوجي يطلقني ويرمي بي إلى أمي المُسنة حتى يستطيع إعادة بناء حياته من جديد والمدهش في الأمر انه اخذ أطفالي متحججا بعجزي عن تربيتهم بسبب المرض والإعاقة.
سرق السكري مني كل أحلامي التي كانت تصنع أمالي وقلب حياتي رأسا على عقب،...، لا ولن ألوم زوجي على ما فعل لأنه فكر في الحل الأنسب للجميع، حقيقة انه ليس بالأفضل بالنسبة لي ولكن المهم أن الأطفال بخير معه لأن الواقع يقول إن حياتي انتهت بامتناع النور من الولوج إليها''.

في مفترق الطرق بسبب الغرغرينا

''أمين ـ ش'' ٢٥ سنة شاب في ربيع العمر حدد موعد بتر ساقه في الأسبوع المقبل يتحدث عن حالته وعن حياته الجديدة فيقول: ''لن أتكلم عن مرض الغرغرينا  ولا عن سبب بتر ساقي ولكن أريد أن اسأل عن الأيام التي بقيت في دفتر حياتي، فكيف سأعيش مبتورالذراع وأنا شاب يريد بناء مستقبله، من النساء من ستقبلني زوجا عاجزا لا أستطيع مَسكها بكلتا يدي، كيف سأساعدها وأنا لا استطيع حتى مساعدة نفسي،...، بسبب الغرغرينا تلك دمرت حياتي كلها''.
 يضيف قائلا: ''لا يمُهني أن أحيا أو أموت فأنا بشري ناقص بمجرد بتر ذراعي سيتم بتري من المجتمع وأصبح مجرد من عضويتي الاجتماعية وان اثبت العكس أرى في عيون كل من يراني نظرات التحسر والشفقة، هي سهام قوية ستجعلني أتمنى الموت في كل دقيقة ألف مرة''.

لا تتوقفوا عند فعل ''بتر''

هؤلاء جميعا وآخرون لا يسعنا المجال لذكرهم يتشاركون في الألم والحزن والإقصاء بسبب نظرة المجتمع القاصرة والتي تجعل منهم بشر بأجساد غير كاملة، تهميش جعلهم يائسين يتمنون الموت في كل مرة.
قسوة الحياة مارست طقوسها عليهم، ولكن لا يمنع ذلك من أن يمتلك الواحد منهم بصيص أمل لأن الإنسان فاعل وأن فقد احد أعضائه ولنا في كثير من الأسماء المثل القوي على ذلك، التفاؤل بغد أفضل هو الوسيلة الوحيد التي يمتلكها هؤلاء من أجل إثبات وجودهم رغم كل الإقصاء الاجتماعي الذي يعانونه داخله.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17794

العدد 17794

الإثنين 12 نوفمبر 2018
العدد 17793

العدد 17793

الأحد 11 نوفمبر 2018
العدد 17792

العدد 17792

السبت 10 نوفمبر 2018
العدد 17791

العدد 17791

الجمعة 09 نوفمبر 2018