قصة من عمق المجتمع ...

دافعت عن سلم وهناء بناتها فجنى الوالد المتسلط علقم الموت

استطلاع: لينة ياسمين

كشفت جمعيات مهتمة بأمور المرأة خاصة تلك التي تهتم بظاهرة العنف الممارس ضدها أشكالا وألوانا من القصص والأمثلة التي تفطر القلب، لحجم الألم والعذاب والأفعال غير الأخلاقية، التي تعرضت لها بنات حواء في المجتمع، وفي ظل التشريعات والدساتير التي تدعو إلى احترام المرأة وتقدير جنسها، إلا أن واحدة من هذه الأمثلة يبدو أنها ستتميز عن باقي قصص العنف ضد «حواء»، خاصة وأن البطلة الضحية هي « أم» أرادت الدفاع عن بناتها وكرامتهن جميعا،

 من عدو لها ولهن، لم  يكن بالإنسان الغريب أو القرصان الشرير، أو  قاطع طريق يهوى الخطف والاختطاف والاعتداء المخيف، أو المغتصب لنزوة أو فعل غير أخلاقي استهواه وافقده الصواب والعقل، بل كان من كل أولئك المذكورين «الوالد» الذي جعله رب الخلق، قيما على رعاية بناته وتربيتهن أحسن التربية والتعليم.
«الشعب» تعود في تفاصيل الحكاية، وكأنها تستغور وتعود بالتاريخ إلى عهد العائلات التي تمّ الحكي عنها بكتاب «البؤساء» الأشقياء، وتروي في متناقضات، ما حدث مع  «الأم» المعذبة والمعنفة والبطلة والمتهمة بجرم القتل في آن واحد.

 التسول مهنتهما صيفا

 كانت السماء صافية خالية من سحاب يستظل به الناس في يوم حار، لا تقوى حتى الطيور والحيوانات أن تتحرك فيه، ولم تكن حركة السير بالكثيرة، فالغالبية أخذ عطلة صيفية ممتعة بحثا عن مكانا ينتعشون ببرودة مياه البحر ويفرحون، وما تبقى من المارة هم كبار من العجزة والشيوخ، وبعض العاملين الذين ما يزالون ينتظرون فرصة العطلة والاستجمام، وتجار نصبوا بسطات وفتحوا متاجرهم لعرض سلعهم وبيعها، سط تلك المعالم والرسوم، كان في شارع عام مكان لا هو بالظليل ولا بالمشمش، جلست به بنتان في العاشرة والسابعة ربيعا، لا تتحركان وقد مدتا امامهما منديلا باليا وضعت فيه دنانير قليلة، وظلت تلك الصورة و كأنها جامدة، حتى مر بهم شخص بالغ حملهما معه في مساء ذلك اليوم الحار، وكأنهما قطعتا ثلج ذابتا من الحرارة، لا تقويان على السير ودخلا وهما يتبعان ذلك الشخص البالغ إلى كوخ من قصدير بحي فقير، وإرتميتا على فراش كانت والدتهما قد جهزتها لهما، ولم يطلب لا شرابا منعشا أو طعاما يقوي جسميهما الضعيفة، بل استسلمتا إلى نوم عميق دون نبس كلمة ولا حرف، وطلب الشخص البالغ شرابا باردا وقهوة على الفور وهو يزمجر ويردد كلمات عنيفة، كان ذلك الشخص البالغ «الوالد»، لم تتردد «الأم» في الجري وإحضار ماء بارد، وعلامات الخوف والرعب ظهرت على محياها، وناولته الماء وهي تقف مستعدة، وكأنها جندي في معسكر ثكنة ينتظر الأوامر ويمتثل لها، ثم تمدد وغرق في نوم سريع، و»الأم» الخائفة، عادت إلى أعمالها تحضر بعضا من طعام العشاء قبل أن يفيق.

 شجار لسبب تافه

أفاق الرجل وطلب طعاما على الفور، لم يكن جاهزا، ارتعشت الأم  وتبدلت تصرفاتها، وردت عليه انتظر قليلا وسيجهز، وقبل أن تكمل آخر حرف، فاجأها بصفعة اسقطتها أرضا، وصرخ في وجهها وعنفها، وخرج وهو يتمتم ويتلفظ بكلام نابي أيقظ الصغيرتين وتركهما وهو يختفي في ظلام طويل ترتعشان بجنب الأم، التي ظلت عاجزة عن الوقوف، لكنها تحاملت على نفسها ونهضت، وراحت إلى موقدها ـ يعرف محليا بـ « الطابونة « ـ واستكملت تحضير الطعام، وعادت إلى صغيرتيها  رتبت على رأسيهما وأخرجت لهما قطعتي سكر، ليطمئنهما ويذهب عنهما الخوف، وتبادلت معها حديثا قصيرا عن الدراسة والمدرسة، وعن احلامهن، خاصة وأن ابنتها البكر كانت تحلم بأن تكون محامية تدافع عن المظلومين، وعادت إلى موقدها وأطفأته تنتظر عودة الرجل البالغ، بعد أن أطعمت البنتين ونامتا مطمئنتين، عاد الرجل البالغ وهو يترنّح، ولم يكن من الأم إلا أن اخذته إلى فراشه وهو ينتعل حذاءه،  استسلمت بدورها إلى غفوة جفن، والرعب يسيطر عليها .....
أطلت شمس اليوم التالي بحرارة تلفح الصفيح القصدير والأجسام الضعيفة، حولت كوخ الصغيرات إلى موقد حار أو شبه حمام معدني، نهض الجميع ما عدا الرجل البالغ، كان شخيره يصم الأذان ورائحته تزكم الأنوف، حضرت الأم الحنون فطورا من حليب كيس بلاستيكي تدبرت حالها والرجل البالغ يغط في نومه، وأخذت دنانير لشراء خبز وحليب، والصغيرات يشربن ويطعمن خبزا طازجا، نهض الرجل البالغ  صرخة مرة واحدة «اين قهوتي»، تسلل الرعب إلى أطرافها وفي سرعة حملت صينية القهوة إلى فراشه وهي صامتة وعيناها شاخصتان، ودون سابق إنذار أو نبس بكلمة تعنيف صفعها من جديد ليسقطها أرضا، وكرر على مسامعها أريد قهوة في كأس كبير من فخار وليس في كأس من بلاستيك، وارتشف حليبه دفعة واحدة واغتسل بعد أن فرغ، ونادى الصغيرتين، تعاليا وعجلا لنخرج، ارتعبت الصغيرتان هذه المرة وتسمرتا في مكانهما ولم تقدرا على  الحراك، تقدم الرجل البالغ وسحب إحداهما من شعرها وصرخ في أذنيها بأعلى صوته، إزدادتا رعبا وتجمدتا ونادتا والدتهما أن تنجدهما من الرجل البالغ، وهنا تغير المشهد وحدث ما لم يكن في الحسبان.

الأم اللبؤة ...

استجمعت الأم كل قواها وتغيرت ملامحها وشخصت ناظرها في الرجل البالغ وتقدمت منه، وأخذت في لقطة سريعة بيد صغيرتها، ودفعته إلى الخلف، اصطدمت قدماه بكرسي خشبي، وسقط في لقطة سريعة غير محسوبة وارتطم بثقل جسمه ورأسه على «الطابونة»، وأخذ ينزف وهو لا يتحرك، والجميع من بنات حواء في ذهول، وما هي إلا لحظات، حتى عاد وعي الأم ... أخرجت صغيرتيها وابتعدت بهما عن منظر الدم ونادت في الجيران تصرخ «لقد قتلت زوجي ووالد ابنتي» في دهشة وذهول كمن فقد عقله، وسلمت نفسها للأمن وهي تهذي وتردد «ابنتاي لا تخشيا سأعود» ....
 في المحكمة دق الجرس وحضر الدفاع والمحامون، ووضعت «الأم» في ردهة خاصة بالمتهمين، وأعلن القاضي بدء المحاكمة، وطلب المناداة على الشهود، حضر بعض الجيران والصغيرتان، وبدأ القاضي يسأل وهي «تجيب ولا تتوقف في أدب وحشمة، وجاء الدفاع وقال بأن «الأم» كانت تعاني من قهر «الرجل» وسلطته، وأن هذا الأخير حول حياة الصغيرتين إلى حياة «التسول ومدّ اليد» خاصة في عطلتهما الصيفية، رغم أن واحدة منهما كانت مجتهدة في دراستها ونتائجها ممتازة، والرجل البالغ كان مدمنا وكثير الضجر، و»الأم» لم يكن لديها قصد أو نية جنائية في قتله، بل أرادت إبعاده عن صغيرتيها، ومن سوء الصدفة أن قدماه زلت على كرسي وسقط على «الطابونة» ليصاب في رأسه، وهنا نطق القاضي بعد أن استمع إلى المحلفين وعاد من مداولة لم تدم طويلا، وأعلن أن «الأم» متهمة بجرم القتل الخطأ، وفي تلك اللحظة كل شد بناظريه و تجمد يرقب كلمات القاضي، ونطقها وقال بأنها وأطال في النظر إليها وصور العذاب الذي كانت تلاقيه والصفعات والضرب، وبنتيها تتسولان، دارت وجالت تمر في مشاهد لا تتوقف، وقال إن محكمته الجنائية أصدرت حكما بـ «البراءة»، «الأم»، وما كادت تلك الأحرف تخرج وينطق بها لسان القاضي وتصل إلى مسامعها، حتى سقطت مغشيا عليها في لقطة مؤثرة عاطفية، جرت الصغيرتان والدموع تفجرت بقوة نحو «الأم» وفضاء قاعة المحاكمة لا يردد إلا كلمة «أمي أمي»، وعاد وعيها، وضمت صغيرتيها والكل سبقته دموع الفرحة والحق، وعاد الجميع يحمل قصة «الأم» التي لا تنسى.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17698

العدد 17698

الثلاثاء 17 جويلية 2018
العدد 17697

العدد 17697

الإثنين 16 جويلية 2018
العدد 17696

العدد 17696

الأحد 15 جويلية 2018
العدد 17695

العدد 17695

السبت 14 جويلية 2018