طباعة هذه الصفحة

المرأة الجزائرية والثورة التحريرية

مناضلات صنعن الحدث يروين ملحمة الحرية

سيف الإسلام بوفلاقة جامعة عنابة

لعبت المرأة الجزائرية دوراً ريادياً منقطع النظير في دعم ثورة التحرير المظفرة، ولم تكن بعيدة عن أجواء الثورة الجزائرية العظيمة، «فالبطش الاستعماري وسلب الممتلكات وسياسة التجهيل، عانت منها المرأة الجزائرية أشدّ المعاناة، وفاقت في كثير من الأحيان معاناتها معاناة الرجال أنفسهم.
عاشت المرأة طوال فترة الاستعمار في حالة من الجهل والكبت والحرمان لم يعرف لها التاريخ مثيلاً، فلا هي نالت حظاً من التعليم ينير لها دروبها، ولا زوجها نال حظه من العلم حتى يحفظ لها حقوقها...
ومع إطلالة القرن العشرين وانتشار الحركات الوطنية والجمعيات الإصلاحية، بدأت المناداة بتعليم المرأة وضرورة أن تنال حظها من التعليم. كانت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين رائدة في هذا المجال، حيث فتحت المدارس للفتيات وشجّعت على تعليمهن وخروجهن من البيت من أجل العلم، وبدأت الفتاة الجزائرية تطرق أبواب المدارس والمعاهد، وأصبحت تدرك حقيقة ما يدور في وطنها، وبدأ إحساسها بهذا الواقع يترجم إلى أقوال ثم أفعال أسفرت عن إنشاء (جمعية النساء المسلمات الجزائريات) يوم:24 / 06 / 1947م، لمساعدة المسجونين السياسيين من رجال الحركة الوطنية الجزائرية.
 وكنتيجة حتمية لتطور الأحداث السياسية على الساحة الوطنية الجزائرية قبيل الثورة، تطور الوعي الوطني لدى الجزائرية التي لم تعد تقبل أن تظل معزولة عن تيار الأحداث، بل أصرّت على المشاركة فيها وهذا ما خلق لدى المرأة استعداداً نفسياً للمشاركة في أهم حقبة من تاريخ الجزائر، ألا وهي مرحلة الثورة.
التحق بالجبال مئات الفتيات الجزائريات خوفاً من اعتداء جنود العدو على شرفهن، وفضّلن العيش في الجبال الوعرة والكهوف المظلمة مع جيش التحرير، حيث يأمنّ على شرفهنّ وكرامتهنّ، وقد قمن بواجبهن في مساعدة المجاهدين على أكمل وجه.
 ولم يقتصر دور المرأة على الإيواء والمساعدة وتحضير الطعام، بل تعداه إلى المشاركة الفعلية في المعركة، كان هناك المجندات داخل صفوف الثورة ويقسمن إلى:
* المجندات المتعلمات: وقد بدأن العمل في المدن في صفوف الفدائيين.
* المجندات غير المتعلمات: ومعظمهن من سكان الريف والبادية حيث توجد قلاع الثورة.
* الشعبيات المحبات: وهنّ جموع المواطنات بالمدن والقرى والجبال واللائي كنّ فخورات بالثورة ورجالها.
* المناضلات في جبهة التحرير الوطني.
وما نشير إليه أن هناك عدة مراجع أشارت إلى بطولات ونضال المرأة الجزائرية أثناء ثورة التحرير المظفرة، وتطرقت لكفاحها، وتضحياتها ضد الاستدمار الفرنسي، ومن أوائل هذه المؤلفات كتاب الباحثة المجاهدة أنيسة بركات درّار الموسوم: «نضال المرأة الجزائرية خلال الثورة التحريرية»، والذي أكدت فيه على الدور الرائد الذي أدته المرأة الجزائرية في سبيل تحرير وطنها، وتحديها لقوات العدو ولكل أنواع وسائل التعذيب والاضطهاد.
وذهبت من خلاله إلى أن مشاركة المرأة الجزائرية في ميدان الكفاح المسلح جنباً إلى جنب مع الرجل قد أحدث انقلاباً جذرياً في المفاهيم والأفكار، فجيش التحرير الوطني استقبل «المرأة المجاهدة بفخر واعتزاز ونظرَ المجاهد إليها نظرة الأخ لأخته وعاملها باحترام وتقدير، لأن هذه المجاهدة أتت مثله لتحمل مشعل الثورة والمجد وكل واحد منهما وهب نفسه، في سبيل تحرير الوطن من براثن الاستعمار وتحقيق نفس الأهداف السامية.
 من الواضح أن هذه المجاهدة التي مارست مختلف الأعمال وتحمّلت أصعب المسؤوليات، قد أثبتت وجودها في كفاح بلادها وشكلت قوة سياسية فعالة وإيجابية، وفي ذلك يقول ميثاق مؤتمر الصومام الوثيقة السياسية الأولى للثورة الجزائرية عام 1956م:
«توجد في الحركة النسائية إمكانيات واسعة تزداد وتكثر باطراد، وإنا لنحيّي بإعجاب وتقدير ذلك المثل الباهر الذي ضربته في الشجاعة الثورية الفتيات والنساء والزوجات والأمهات، ذلك المثل الذي تضربه جميع المجاهدات اللائي يشاركن بنشاط كبير، وبالسلاح أحياناً في الكفاح المقدس من أجل تحرير الوطن، ولا يخفى أن الجزائريات قد ساهمن مساهمة إيجابية فعالة في الثورات الكثيرة التي توالت وتجددت في بلاد الجزائر منذ سنة 1830 ضد الاحتلال الفرنسي، وأن المثل الذي ضربته أخيراً تلك الفتاة القبائلية التي رفضت الفتى الذي تقدم لخطبتها لأنه ليس من المجاهدين، لدليل على ما تمتاز به الجزائريات من المعنوية السامية والإحساس النبيل».
 إن المرأة الجزائرية، على اختلاف مستوياتها وطبقاتها الاجتماعية سواء كانت في المدينة أو في الريف، تمكنت من التغلب على العراقيل والعقبات والضغوط الاجتماعية القاسية التي تجابهها وساهمت مساهمة فعالة وإيجابية في الكفاح.
 ومن بين الرؤى المعمقة، التي قدمت صورة وافية عن جوانب متنوعة من نضال وجهاد وتضحيات المرأة الجزائرية، رؤية المجاهد والباحث الدكتور محمد قنطاري، التي قدمها من خلال كتابه الموسوم بـ: «من بطولات المرأة الجزائرية في الثورة وجرائم الاستعمار الفرنسي».

شهيدة لم تمت القصة الكاملة
 تحدث الدكتور محمد قنطاري بإسهاب عن قصة المجاهدة البطلة، فاطمة خليف، التي تعتبر رمزاً من رموز الثورة الجزائرية، وأطلق عليها اسم الشهيدة التي لم تمت، وقد وصف ملحمتها وصفاً دقيقاً، وأكد على أنها واحدة من البطلات الخالدات، التي تعرضت لكل أصناف التعذيب الوحشي على يد العسكريين الفرنسيين، فقطعوا يديها، وهي تنظر، وأودعوها سجناً معلقاً بين السماء والأرض، ووضعت حملها فيه، ويديها مقطوعتين، وثدييها مشوهين بوسائل التعذيب الجهنمية.
 تطرق الدكتور محمد قنطاري مع بداية روايته لقصتها إلى بيئتها، ونضالها السياسي، فهي تنتمي إلى بلدية (الألف شهيد) بني سنوس، تلك البلدية الخالدة في تاريخ الكفاح الجزائري، فبعد أن كان عدد سكانها في بداية الثورة الجزائرية سنة 1954م، 3 آلاف نسمة، استشهد منهم على يد قوات الاستدمار الفرنسي 1070 شهيد، فقد حفر اسمها في تاريخ الجزائر.
 ويذكر أنه منذ اندلاع الثورة الجزائرية أضحت (بني سنوس) منطقة محرّمة وملغمة من طرف الجيش الفرنسي، فاضطر رجالها، ونساؤها إلى الالتحاق بصفوف المجاهدين من جيش التحرير الوطني في جبال المنطقة، ومن تخلف عن الالتحاق والإسراع بالركب، فقد أودع من قبل القوات الفرنسية في المعتقلات، والمحتشدات، والسجون، وأحيطوا بما يزيد عن أربعة آلاف جندي فرنسي من رجال الكمندوس، والمظليين، كما تدرب بجبالها قادة الحركات التحريرية الإفريقية.
 بالنسبة لنضال فاطمة خليف السياسي، ذكر المؤلف أنها فتحت عينيها على بطش المستعمر الفرنسي الذي سفك دم والدها، وقال إنها لم تكن تفهم، وهي صغيرة لماذا يقتلون الرجال والنساء والأطفال الأبرياء؟ ولماذا يلجأون إلى الإبادة الجماعية للشعب الجزائري؟ ولماذا يحرقون الأحياء بالبنزين والنابالم؟ ولماذا تغتصب الفتاة أمام والديها وعمّها وأخيها؟ ولم تكن تعي لماذا يدفن الأحياء جماعياً في حفرة واحدة؟ ولماذا تبقر بطون الحوامل، ويراهن الجندي الفرنسي على ما في بطنها أوَلد هو أم بنت؟

لماذا يقتلون الرجال والنساء والأطفال؟
 ويشير الدكتور قنطاري إلى أن هذه الأسئلة قد أرهقت فاطمة وحيّرتها، ومع مرور الأيام تنامى حسّها السياسي، وأصبحت مولعة بتتبع الأحداث ومتابعة الأخبار. ونظراً لأن جميع أفراد عائلتها ومنطقتها كانوا من المناضلين الثائرين ضد الاستدمار الفرنسي الذي اغتصب وطنهم، ودينهم الإسلامي، ولغتهم العربية، فقد كانوا يأخذونها أحياناً، وهي ماتزال شابة لحضور اجتماعات جبهة وجيش التحرير الوطني بمنطقتها مع بعض المناضلات والمجاهدات، وتدريجياً أصبحت عائلتها مركزاً لجبهة التحرير الجزائرية المسلحة في سنواتها الأولى، وكان دورها تموين المجاهدين، وتخزين الأسلحة، والذخيرة الحربية.
إضافة إلى إيواء الجرحى والمرضى من المجاهدين والمجاهدات، لاسيما منهم الذين يأتون من المناطق الداخلية للوطن، ويعتصمون بجبال بني سنوس، أو حينما يكونون في طريقهم إلى القواعد الخلفية للعلاج على الحدود المغربية الجزائرية عبر جبال (عصفور) في الأيام الأولى التي تلت تفجير الثورة الجزائرية.
 وتحدث الدكتور قنطاري عما روته له في حديث شخصي عن معركتها الأولى، بتاريخ 6 جويلية 1956 بعبدوس - بوسدرة وغيرهما، حيث دامت ثلاثة أيام بلياليها بين القوات الفرنسية ووحدات جيش التحرير الوطني من المجاهدين. شاركت فيها الدبابات والمدرعات، ما يزيد عن عشرين طائرة حربية، وستة فيالق من رجال الهندسة الميكانيكية أغلب جنودها من اللفيف الأجنبي من رجال الكمندوس. كل هذه القوات مجتمعة انطلقت في عملية تمشيط من تلمسان، مغنية، سبدو، الغزوات وغيرها من الجهات.
وأسرعت أفواج جيش التحرير بمساعدة أفراد الشعب الجزائري بالمنطقة بتحطيم جسر (تزاريفت) مع تخريب الطرق كثيرة المنعرجات، بدأت المدفعية والطائرات تقصف مواقع المجاهدين والقرى والمداشر المجاورة لتحضير أرضية الهجوم. التحم الجيشان في معركة شرسة تكبّد فيها الجيش الفرنسي 200 قتيل واستشهد 45 مجاهداً».
 وتضيف فاطمة: «في هذه المعركة استشهد والدي بالرصاص وأغلبية أفراد عائلتي، وأحرق منزلنا، ولم يعد لنا بيت نأوي إليه. رافقت بعض أخواتي اللائي بقين على قيد الحياة مع عائلات المداشر الفارة والتحقنا بالجبال»، وقد واصلت فاطمة جهادها، وقامت بتضميد جروح المجاهدين، وسهرت على شفائهم وراحتهم، والاتصال بأفراد الشعب في القرى المجاورة».
 وروت فاطمة للدكتور قنطاري أنه «في بداية نوفمبر 1956م ألقت القوات الفرنسية القبض عليها وهي مصابة بجروح بليغة إثر معركة دامية دامت يوماً كاملاً، حيث أُخذت مقيّدة بالأغلال، وملابسها ممزقة، حافية القدمين تمشي والدماء تنزف منها، ورغم حالتها المرثية، فقد سلط عليها جنود الاحتلال وزبانيته أبشع أنواع التعذيب، والإهانة المعنوية والضرب الجسدي ومختلف الوسائل الكيمياوية والأوساخ والكي بالنار والكهرباء، وجرح مختلف مواقع جسمها خاصة الحساسة منه ودهنها وطلائها بالأملاح، وقد استمرت عملية التعذيب عدة أيام».
 وذكر المؤلف أن فاطمة بقيت ثلاثة أشهر تحت التعذيب للحصول على معلومات تتعلق بمخازن الأسلحة وذخيرتها الحربية ومراكز التموين وعدد المجاهدين، وأفراد الشعب الذين يموّلونها بالمال، والأطعمة، ولكنها لم تقدم أية معلومات لقوات الاستدمار الفرنسي، ولم تنبس ببنت شفة، وتحملت كل أنواع التعذيب.
وفي شهر مارس1957 ألقت بها القوات الفرنسية في قريتها، وأخذها بعض أفراد عائلتها ممن بقوا على قيد الحياة، وقدموا لها علاجاً بسيطاً جداً، وعلى الرغم من جراحها الخطيرة والمتعفّنة فقد أجبرتها مصالح الأمن العسكرية الفرنسية على القدوم يومياً إلى مركز مخصص للإمضاء والتنقيط، ونظراً للظروف الصحية الصعبة التي كانت تمر بها فاطمة فقد قررت القيادة الثورية لجبهة التحرير الوطني الجزائري تهريبها ليلاً إلى أحد مراكز العلاج السرية.
 ويشير الدكتور قنطاري، إلى أن فاطمة روت أن العدو الفرنسي قد تكبّد خسائر فادحة في الأرواح، لأن جيش التحرير كان مسلحا بأسلحة حديثة أرسلها أحمد بن بلة ورفاقه بالخارج على متن الباخرتين (دينا وفاروق) في ربيع سنة 1955م إلى الموانئ المغربية لإدخالها إلى الجزائر لدعم المجاهدين، وتسليح المسبلين.
 ويشير الدكتور محمد قنطاري إلى أن ما سُرد من أحداث هذه القصة الواقعية المؤلمة، لا يختصر ما توالى في حياة فاطمة من ضروب المحن، ويصف محنتها التي تلت هذه المحن بقوله: «شاءت طبيعة تحرير الوطن استمرار المعارك، التي كان المجاهدون بشجاعتهم الفذة يسجلون فيها الانتصار تلو الآخر، الأمر الذي أثار فضيحة القوات الفرنسية وآل بها إلى تعزيز طاقاتها القتالية من عدة وعتاد».
 ويؤكد المؤلف على أنه من خلال اطلاعه على الوثائق والصور، وقيامه بتحقيقات ميدانية، وشهادات مسجلة مع من عايشن الأحداث، وتعرضن للاغتصاب، إضافة إلى اعترافات القادة العسكريين والجنود الفرنسيين والحركى العملاء، فإن عمليات التفتيش العسكرية الفرنسية، وأجهزتها الأمنية كانت تتم على المشبوه في انتمائهم إلى جبهة وجيش التحرير الوطني فيقومون بتفتيش منازلهم، وحينما لا يجدون الرجال كانت تؤخذ البنت البكر أو الزوجة أو الأم من طرف العساكر إلى المراكز العسكرية كرهينة لتسليم الأخ، أو الزوج، أو الأب إلى القوات الفرنسية فتتعرض للتعذيب والاغتصاب.
 وعند الانتهاء يتم التخلص منهن بالقتل الجماعي، ومن تتمكن من الفرار تذهب إلى منزلها الأسري أو الأبوي فتنتحر، أو تقوم بعمليات استشهادية ضد القوات الفرنسية لتمحو أثرهن، أما في البوادي فقد كانت القوات الفرنسية تقوم بعمليات التمشيط وإلقاء القبض على عدد كبير من النساء والفتيات، ونقلهن إلى المراكز والثكنات العسكرية وإلى المحتشدات والمعتقلات لتعذيبهن واستغلالهن.
 ويؤكد الدكتور قنطاري على أن هناك شهادات قد يجفّ القلم عن تدوينها ويعجز اللسان عن وصفها والنطق بها، ولا يتصور العقل البشري ما قام به الجيش الفرنسي والأجهزة الأمنية والعملاء، من جرائم ضد الإنسانية.
 وروى المؤلف قصة الأسيرة الطالبة الفرنسية الآنسة «كوماس»، التي تمّ أسرها وقدمت شهادتها على حسن المعاملة التي لقيتها من قبل المجاهدين، وتعرض بعدها لحياة المعتقلين السياسيين، وأشار في هذا الشأن إلى أن مؤسسة السجن تقوم باستمرار، وبدون إعلام، بعمليات تفتيش المناضلين بشكل عنيف، حتى تطمئنّ من محاولات الفرار، ومن حيازتهم على آلات، وأدوات مختلفة تستعمل في الفرار.
أما خلاصة الكتاب التي جاءت في ختامه، فقد كتبها العلاّمة الشيخ محمد الصالح الصديق، الملقب بعمدة المؤلفين الجزائريين، قدم فيها في البدء لمحات عن نضال، وتضحيات وكفاح الشعب الجزائري.