الخبير الدولي في المياه أحمد كتاب لـ «الشعب»:

هكذا تستطيع الجزائر مجابهة شح الأمطار

زهراء.ب

 تجاوز السيناريو التشاؤمي بإستراتيجية لا تتوقف على سقوط الأمطار

 المستقبل في مياه البحر وغرس ثقافة محاربة التبذير

تستطيع الجزائر مجابهة آثار شح المياه في البلاد، بوضع استراتيجية تدوم 10 سنوات على الأقل، ولا تتوقف بعودة تساقط الأمطار، لأن الأمر يستدعي وضع مخارج للسيناريوهات المحتملة مثلما ذكر الخبير الدولي في المياه أحمد كتاب، خاصة على ضوء تأثيرات التغييرات المناخية على معدل التساقطات المطرية.
واقترح جملة من الحلول، لتفادي «السيناريو التشاؤمي» في صيف 2021 و2022 منها رفع مشاريع محطات تحلية مياه البحر، يتوقع أن توفر حوالي 50 بالمائة من المياه مستقبلا، إلى جانب تعزيز التضامن المائي بين الولايات في إطار تحويل المياه، وتوسيع استعمال المياه المعالجة خاصة في الفلاحة التي تستهلك 80 بالمائة من مياه السدود والباطنية، ومحاربة تسرب تبذير المياه.
ثمّن الخبير الدولي والمستشار في مجال المياه وعضو مؤسس للمجلس العربي وأكاديمية فرنسا للمياه أحمد كتاب في تصريحه لـ»الشعب»، دعوة الحكومة القطاعات المعنية إلى وضع مخطط استعجالي لاحتواء ظاهرة شح المياه، الناجم عن تسجيل نسبة هطول أمطار بمعدل أقل من المتوسط في الأشهر. وقال «تحركت في الوقت المناسب لتهيئة الظروف لتجاوز السيناريو التشاؤمي في الصيف المقبل، ولكن هذه المجهودات يجب أن تستمر، ولا تتوقف بمجرد هطول الأمطار في جانفي وفيفري القادمين، لأنه إذا تم معالجة المشكل في هذه الفترة، ماذا عن صيف 2022 خاصة في ظل التغييرات المناخية وتأثيرها على معدل التساقطات المطرية؟».
ويقول كتاب إن مشكل نقص المياه في الجزائر ظهر بحدة بعد سنة 2000، وقبل هذا التاريخ أي منذ 1962 إلى غاية 2000، لم تول الدولة حسبه أهمية لقطاع الري، وكانت الجهود مصوّبة نحو قطاعات أخرى مثل الصناعة والفلاحة.
ولكن بعد بروز مشكل نقص المياه، اتجهت لبناء السدود حيث وصل عددها اليوم إلى 85 سدا، وساد الاعتقاد أن الإكثار من السدود لتخزين مياه أمطار الشتاء لاستعمالها في فصل الصيف لتلبية احتياجات المواطنين من مياه الشرب أو احتياجات الفلاحة والصناعة سيحل المشكل بنسبة 80 بالمائة، لكن معدلات تساقط الأمطار أصبحت أقل من المتوسط وتراجع معها منسوب مخزون السدود.
بعد ذلك –يضيف كتاب- تحولت الدولة إلى استغلال المياه الجوفية في منطقة متيجة، لكن مخزونها نقص كذلك، وبقيت المشكلة قائمة، ثم تم التوجه إلى تحلية مياه البحر لكن ليس بالحجم الكبير ولكن بكميات قليلة وصلت إلى مليوني متر مكعب في النهار، حوالي مليار متر مكعب في السنة.
وأمام التغيرات المناخية وتأثيراتها على نسبة هطول الأمطار، بدأت تلوح في الأفق مشكل ندرة المياه في صيف 2021 لو تبقى الأمور على حالها، لذلك الأحسن من الآن التفكير في التعامل مع الوضعية، حتى ولو امتلأت السدود شهري جانفي وفيفري القادمين، لأننا سنعود إلى نفس الوضعية ويطرح نفس المشكل في صيف 2022.
ولحل المشكل القائم، والمشاكل المحتملة مستقبلا، أوصى الخبير في المياه بحشد الإمكانيات المادية اللازمة لإنجاز محطات تحلية مياه جديدة، مؤكدا أن «المستقبل هو في تحلية مياه البحر، وبدل أن نذهب بقوة للاستثمار في هذا المجال ذهبنا بسرعة بطيئة، فـ 13 مشروعا لا يلبي جميع الطلب، ويمكن مضاعفة قدرة إنتاجها» لأن القدرات الحالية لنحو 13 محطة منتشرة بالتراب الوطني لا تلبي الطلب الزائد على المياه، فمثلا محطة المقطع بوهران تنتج 500 ألف متر مكعب في اليوم، و9 محطات أخرى تنتج كل واحدة منها 100 ألف متر مكعب، مثل محطة فوكة وقليعة، مفضلا إنجاز محطات مثل محطة ولاية وهران، لأن وجود 5 محطات مثلها ترفع قدرة الإنتاج إلى 5 ملايين متر مكعب.
حتى من ناحية التكلفة، أكد أن مشاريع تحلية مياه البحر لا تكلف كثيرا مقارنة، بما تظهره أرقام تحويل المياه من السدود والصحراء، وتقدر تكلفة مياه البحر في الجزائر العاصمة حوالي 75 دينارا للمتر مكعب، وفي هران 50 دينار للمتر مكعب، في حين تصل تكلفة مياه السدود في بعض المناطق إلى 100 دينار للمتر مكعب، كذلك بالنسبة لمياه الآبار، استخراجها ونقلها على مسافة كيلومترين لا يعادل تكلفة نقلها على مسافة 200 كلم.
ومن بين الحلول التي اقترحها الخبير كتاب ترشيد استعمال المياه الجوفية، بعد العودة لاستغلالها في ظل شح الأمطار، ولكن يجب أن يكون ذلك بصفة عقلانية، وتشجيع الفلاحين على استعمال المياه المعالجة في السقي، بدل الاعتماد على المياه الباطنية ومخزون السدود، حيث تستهلك الفلاحة 80 بالمائة منها، 7 ملايير متر مكعب استهلكته فقط سنة 2019، ولو رفعت قدرة إنتاج محطات المياه المعالجة إلى مليار متر مكعب، وووجّهت للفلاحة، لحولت المياه الصالحة المستعملة للري نحو قطاعات أخرى، وجنّدت لضمان تزويد المواطنين بحاجياتهم اليومية.
من جهة أخرى، شدد كتاب، على ضرورة تعزيز التضامن المائي بين الولايات، من خلال العمل على توسيع مشاريع تحويل المياه، مشيرا إلى أن هذا الإجراء معمول به على مستوى بعض الولايات كولاية تيزي وزو التي تمنح جزءا من مخزونها لولايتي العاصمة وبومرداس، ويمكن القيام بنفس الخطوة بين ولايات الجنوب والهضاب العليا، وتحويل المياه من الصحراء إلى ولايتي الجلفة وسطيف ولكن بتجنيد التقنيات والوسائل اللازمة.

محاربة التسريب والتبذير من بين الأولويات

يقدر حجم المياه الشروب الضائعة سنويا بين 20 و30 بالمائة وتصل في بعض الولايات 50 بالمائة، وهو ما بات يفرض وضع إستراتيجية لمحاربة التبذير والقضاء على التسربات، يقول الخبير كتاب، عن طريق تنظيم حملات تحسيسية وتوعوية تشترك فيها جميع الفعاليات، ابتداء من الأئمة في المساجد المعلمين والأساتذة في المدارس، في الجامعات ووسائل الإعلام، مقترحا تنظيم أيام دراسية للصحافيين يؤطرها مختصين في قطاع الموارد المائية لإمدادهم بمختلف المعلومات والأرقام التي تمكنهم من توعية كل فئات المجتمع، أو بث ومضات إشهاري وقت الذروة في القنوات التلفزيونية.
من جهة أخرى، نبّه الخبير كتاب، إلى ضرورة تشجيع تكوين الرصاصين عبر مراكز التكوين المهني، لأن حجم المياه المتسربة من أنابيب البيوت أومن العدادات كبير، ينبغي لفت انتباه أرباب العائلات لإصلاح مثل هذه الأعطاب، وتوفير من قدم هذه الخدمة لهم، متسائلا عن فائدة الحرص على تخزين المياه في السدود ثم يضيع ثلثه في الأنابيب أو قنوات الصرف الصحي، ولهذا التحسيس والتوعية عنصران مهمان لوقف إهدار هذه الثروة الهامة.
واقترح كتاب إدراج الكلفة الحقيقية للماء في الفاتورة باللون الأحمر، وبالأخضر الكلفة التي يدفعها المواطن، مبرزا أن الماء يصل المواطن بسعر 9 دينار للمتر مكعب، في حين تقدر التكلفة الحقيقية بين 50 دج و75 دج للمتر المكعب بالنسبة للمياه المحلاة، والفرق تدفعه خزينة الدولة وهذا ما قد يدفعه للحفاظ على المورد الهام.
من جهة أخرى، شدّد كتاب على ضرورة نزع الأوحال من السدود، التي تصل سنويا إلى 30 مليون متر مكعب من التربة المترسبة، وهذا يجعلنا نخسر 30 مليون متر مكعب من الماء، وهنا يمكن تجاوز هذا المشكل بالعناية بمحيط السدود عن طريق تشجير حوافها، التشجير سيكون دوريا وليس مناسباتيا.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 18459

العدد 18459

الأحد 17 جانفي 2021
العدد 18458

العدد 18458

السبت 16 جانفي 2021
العدد 18457

العدد 18457

الجمعة 15 جانفي 2021
العدد 18456

العدد 18456

الأربعاء 13 جانفي 2021