طباعة هذه الصفحة

مختصون في السلامة المرورية وعلم الاجتماع والنفس يؤكدون:

السائق الجزائري يفتقد للثقافة المرورية بالرغم من أنه الضحية الأولى

سعاد بوعبوش

 نقص السكر في الدم وقلة النوم يؤثران على التركيز وردة الفعل

تسببت حوادث المرور خلال شهر رمضان في حصد أكثر من 70 ضحية وإصابة أكثر من 2600 آخرين بجروح متفاوتة الخطورة، سيما خلال الدقائق الأخيرة قبل الإفطار أو في الساعات الأولى من الصباح، صانعة بذلك تراجيديا زرعت الألم وسط العائلات الجزائرية وخلّفت وراءها الكثير من الآثار النفسية والخسائر المادية والاقتصادية.
الظاهرة عرفت منحى تصاعديا خلال رمضان رغم مختلف الحملات التحسيسية والتوعوية التي قامت بها الأجهزة الأمنية من السلك الأزرق والأخضر وكذا المجتمع المدني، إلا أن ذلك لم يكبحها فجعل منها إرهابا حقيقيا يترصد بالجزائريين سبّبه تهور العنصر البشري الذي يبقى السبب الرئيس في حوادث المرور.
«الشعب» وفي متابعتها لحوادث المرور المرتفعة بالرغم من كل الجهود للتخفيف منها، تحدثت إلى مختصين في السلامة المرورية وتحسّست العامل النفسي والاجتماعي الذي يقف وراء سلوك السائق أثناء قيادته للمركبة، بهدف تحليل الحوادث التي أصبحت إشكالية حقيقية تضرب استقرار الأسر الجزائرية.

كوّاش: العادات السيئة والصوم يؤثران على فيزيولجية السائق

في هذا السياق أوضح أمحمد كواش الخبير الدولي في السلامة المرورية والطبيب العام أن ارتفاع حوادث المرور خلال شهر الصيام يجب أن تستوقفنا لأنها مرتبطة بعدة أسباب بداية بانخفاض نسبة السكر في الدم ما يؤثر على سلوك السائق، سواء بالتوتر، أو بقلة التركيز ما يؤثر على ردة الفعل مع السياقة التي هو بصددها، خاصة إذا اجتمع ذلك مع قلة النوم الناتج عن تراكمات أو الاستيقاظ باكرا.
وقدم المتحدث معلومة علمية تفيد أن أي سائق يبقى أكثر من 17 ساعة دون نوم يصبح تركيز الكحول في دمه 0.5 غرام/لتر، وأكثر من 24 ساعة يصبح 1 غرام/لتر، ما يجعل دمه «حامضيا» دون السكر فعليا بل بسبب قلة النوم، مذكرا بان القانون الجزائري يعاقب على نسبة 0.5 غرام/لتر، وهي ظاهرة منتشرة جدا خاصة لدى العاملين لدى المتعاملين الاقتصاديين في الشهر الفضي لاين تعرف الحركة التجارية أوجّها سيما على الخطوط الطويلة، وبالتالي إذا اجتمعت هذه العوامل فالتحديات المرورية التي سيواجهها السائق ستكون خطيرة جدا.
وذكّر الخبير في السلامة المرورية بنقطتين يتمّ إهمالها وهي السياقة مباشرة بعد الإفطار وبعد وجبة السحور، حيث يشعر السائق بالتخمة وتتقلص تركيزه بفعل عدم وصول الأوكسجين إلى الدماغ بسبب توجهه نحو المعدة من أجل عملية الهضم.
في المقابلن، تطرّق كواش إلى فئة أخرى غير السائقين وهي إهمال الأولياء لأبنائهم سيما المراهقين وتركهم يتجوّلون بالدراجات في الشوارع المكتظة بالحركة المرورية، مشيرا إلى تسجيل أكثر من ألف حادث مرور بسبب الدرّاجات خلال الثلاثي الأول من سنة 2021، وانتشار الباعة من الأطفال على مستوى الطريق السريعة والسيّارة، والمعروفة بكثافة حركتها المرورية.
وحسب المتحدّث أظهرت أغلبية الإحصائيات، أن حوادث المرور تقع في النصف ساعة الأخيرة من يوم الصيام، وذلك لقيادة أغلب السائقين بطريقة وكأنهم في سباق مع الزمن للحاق بالإفطار مخالفين بذلك شروط السلامة المرورية في النقل والمرتبطة أساسا بالسرعة المفرطة بالمناورات والتجاوزات الخطيرة.
واغتنم كواش الفرصة ليذكر ببعض التعاليم الدينية في هذا المجال في حديث نبوي للرسول عليه الصلاة والسلام الذي يقول فيه «ليس من البر الصوم في سفر»، بالإضافة إلى القواعد عالمية على غرار منع الاتحاد الدولي للنقل الجوي لقائد الطائرة الصوم أثناء قيادة الطائرة خاصة بالنسبة للخطوط الطويلة.

التكفل بالضحايا يفعّل مبدأ الأولوية

وبخصوص التكفل بضحايا بحوادث المرور، أكد كواّش بحكم كونه طبيب عام فإن تهور السائقين يزيد الضغط على المستشفيات، سيما خلال  ساعات الإفطار  بداية باستنفار مصالح  الحماية المدنية والاستعجالات التي تحرم في أغل الأحيان من لحظة الإفطار فتتحول قاعة الاستعجالات إلى مسرح للدماء للقتلى والجرحى، ومنهم من يدخل مباشرة إلى غرف العمليات .
في المقابل أشار المتحدث إلى أن حوادث المرور تلغي كل الحالات المستعجلة الوافدة، فتصبح الأولوية لضحايا إرهاب الطرقات ويتم إهمال باقي الحالات الاستعجالية، أذا علمنا أن الحوادث هذه تتسبب بما معدله 10 قتلى يوميا وفي العالم يتوفى شخص كل 24 ثانية، وفي مقارنة مؤلمة للأسف يقول أن: «الجائحة المرورية أخطر من جائحة كورونا».

د. خمقاني: السفر ليلا لمدة طويلة

من جهته د. في علم الاجتماع عبد الحميد خمقاني، أوضح أن ارتفاع حوادث المرور خلال الشهر الفضيل مرتبط بسلوكات وعادات السائق كتفضيل السفر ليلا لمدة طويلة لتفادي الاكتظاظ المروري، ما يجعل يعاني من قلة النوم والنعاس دون أخذ قسط من الراحة، وهو ما يتنافى مع طبيعة الجسم التي خلق بها وهي أن الليل للنوم ، مشيرا إلى أن القواعد الأوروبية تطبق مبدأ ما بين 50 - 100 كلم أي كل نصف ساعة سياقة.
ويرى د. خمقاني عقلية الإنسان الجزائري لها خصوصية معينة ناتجة عن الضغوطات التي عاشها لعقود ما انعكس ذلك على سلوكه الاجتماعي في تعامله مع الآخر ومحيطه، وبالتالي فهو يحرص على اغتنام فرصة رمضان للإفطار مع العائلة مقارنة بسائر أيام السنة، لهذا تجده في حالة قلق مستمرة سيما ساعة قبل الإفطار.
وحسب المتحدث تنامي حوادث المرور جعل منها ظاهرة اجتماعية بحق لأنها مرتبطة ارتباطا وثيقا بالإنسان، فهو المتسبب الأول فيها والضحية فيها، ما يؤكد غياب الثقافة المرورية التي ترهنها سلوكات اجتماعية رعناء ومتهوّرة لا تتناسب مع شروط السلامة المرورية  رغم أنها محدّدة سلفا وتخفيضها لا يكون إلا باحترام قواعد وإشارات المرور.

بن حليمة: إعادة النظر في منح رخصة السياقة ضروري

 مسعود بن حليمة الطبيب النفسي وعضو مجلس التوجيه والمتابعة للمركز الوطني للوقاية والأمن عبر الطرقات، قدّم صورة سوداوية عن مرتكبي حوادث المرور، حيث يرى أن الثقافة المرورية منعدمة لدى الجزائري رغم أن قانون المرور المعمول به هو عالمي وليس خاص فقط ببلادنا.
وأوضح بن حليمة أن تزايد حوادث المرور يترجم سلوكات غير سوية فالمتسبب الرئيس هو العنصر البشر في الطريق رغم وجود الإشارات والقواعد وتحديد السرعة التي تعد صديقة للسائق، إلا انه لا يحترمها، ما يجعل هذا السائق المتهور ـ حسبه ـ في خانة الإنسان المريض، وبالتالي لابد من نزع رخصة السياقة الخاصة به ففي كثير من الأحيان تسجل حوادث بسبب الإفراط في السرعة التي تتجاوز 120 /سا بالرغم من أن الإشارة تحدّدها بـ 60 وهو ما يدفع للتساؤل لماذا لا يحترم الجزائري إشارة المرور.
ونفس الأمر بالنسبة لشهر الصيام يرى بن حليمة أنه من غير المفهوم كيف للسائق أن يصبر على 16 ساعة صيام ولا يصبر على 5 دقائق تأخير،  ما يؤكد - حسبه - أنه انسان متهور ومنتحر وهو التشخيص الوحيد وليس هناك تفسير آخر تلائم مع طريقة تفكيره وتعامله مع الطريق والوقت، ولهذا يجب على سائقي المركبات أن يعوا أن الصيام ليس على المأكل والمشرب بل حتى على الأذى وهو الأمر الذي يندرج من تربيته وسلوكاته التي تؤثر على سياقته فيضع نفسه ومحيطه بالكامل تحت رحمة المقود.
في المقابل، حمّل عضو مجلس التوجيه والمتابعة للمركز الوطني للوقاية والأمن عبر الطرقات مدارس السياقة المسؤولية والمهندس المرور المسؤولية في منح رخص السياقة، حيث يتعين - حسبه - طلب موافقة الطبيب النفسي وطبيب الأمراض العقلية، وطبيب العيون وهو أمر طالب به عدة مرات وبإعادة النظر في كيفية منح رخصة السياقة وتحيين القانون النظم لها.
من جهة أخرى، شدّد بن حليمة على أهمية التكوين سيما بالنسبة لسائقي المركبات الكبيرة كالشاحنات والحافلات، لمعرفة الناحية الفيزيائية للمركبة وكذا تكوين نفسي وأخلاقي، داعيا إلى إسناد النقل للوزن الثقيل والنقل الحضري إلى مراكز التكوين المهني ولمدة ثلاث سنوات، فالمسؤولية كبيرة على عاتق هذه الفئة.