طباعة هذه الصفحة

د. ميلود ولد الصديق  لـ «الشعب ويكاند»:

الإتحاد الإفريقي... نقطة ضوء في سراديب أفريقيا المظلمة

حوار: عزيز.ب

في الذكرى 19 لتأسيسه المصادفة لـ9 جويلية 2002، ارتأت «الشعب» أن تعود في حوار مع الدكتور ميلود ولد الصديق، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، إلى أسباب وظروف ميلاد الإتحاد الإفريقي، والوقوف عند إنجازات وحتى إخفاقات هذه الحاضنة القارية، التي مافتئت تلعب أدوارا محورية في إعادة إنعاش آمال الشعوب الإفريقية وتواجه التحديات التي تعترض طريقها نحو الاستقرار والتنمية.

تطرّق الدكتور ولد الصديق إلى مسار تحوّل منظمة الوحدة الإفريقية التي تأسست سنة 1963 إلى الإتحاد الإفريقي، وتناول أهداف ومهام المنتظم القاري الجديد، كما عرّج على أجهزته المختلفة، وانتهى إلى تقييم عقدين من وجوده.
-  «الشعب ويكاند»: في قمّة دوربان بجنوب أفريقيا في 9 من جويلية 2002،تمّ الإعلان عن تأسيس الإتحاد الإفريقي ليحلّ محل منظمة الوحدة الأفريقية، ومنذ قيامه وهو يطمح لأن يكون كياناً جامعاً وداعما لدول فرّقها الاستعمار وأرهقتها النزاعات والأزمات.
ما تعريفكم لهذه الحاضنة القارية، سبب قيامها ومهامها وهل التحوّل إلى اتحاد حمل جديدا ولم يكن مجرّد تغيير اسم؟
 
 د. ميلود ولد الصديق: تعود فكرة توحيد دول افريقيا إلى عام 1957 عندما نادى بها الزعيم الغاني كوامي نكروما، حتى قبل أن تستقل الكثير منها. وبرغم الحماس الثوري الذي كان يشتعل في جنبات القارة السمراء ضد الاستعمار، وبساطة الهدف المشترك في ذلك الوقت وهو التحرر من الاحتلال والقضاء على العنصرية، استغرق تحويل الفكرة إلى واقع ملموس - ولكن في أدنى صوره للوحدة وهو منظمة الوحدة الأفريقية - حوالي ست سنوات عندما أعلن عن قيامها عام 1963 ومنذ أول مؤتمر لها في القاهرة عام 1964.
كان الهدف الأساسي للمنظمة الوليدة، هو تحقيق التضامن والتعاون المشترك بين دول القارة للقضاء على ما تبقّى من الاستعمار وإسقاط النظام العنصري في جنوب أفريقيا. وقد نجحت في ذلك إلى حد كبير وتحررت كل الدول الأفريقية تباعا وسقط النظام العنصري نهائيا في جنوب أفريقيا عام 1994. وهنا بدأ التفكير في مرحلة جديدة للتعاون بين دول القارة، التي بلغ عددها 53 دولة، للنهوض بشعوبها اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا ومواجهة تيار العولمة الذي يجتاح العالم والتصدي لمحاولة تهميش القارة اقتصاديا وسياسيا وبرز تياران:
الأول: يرى الإبقاء على منظمة الوحدة الأفريقية وتطوير أجهزتها وأهدافها، باعتبارها محل اتفاق بين جميع الدول تقريبا، بدلا من فتح باب الخلافات والصراعات على شكل المنظمة التي ستحل محلها وتولي المناصب القيادية فيها.
الثاني: هو إقامة منظمة جديدة تحتفظ بالمبادئ الأساسية المتفق عليها في المنظمة القديمة، مثل عدم السعي لتغيير الحدود الموروثة عن الاستعمار بالقوة المسلحة، وعدم التدخل في شؤون الدول الأعضاء، مع وضع أهداف ومبادئ جديدة تتماشى مع روح العصر واحتياجات التنمية.
انتصر التيار الثاني وتم الاتفاق على منظمة جديدة في شكل اتحاد على غرار الاتحاد الأوروبي، له من الأجهزة والمؤسسات ما يمكنه من تنفيذ الأهداف الموكلة إليه.
وقد تمثلت أهم هذه الأهداف في:  
 
• سيادة واستقلال الدول الأعضاء.
• المساواة بينها.
• احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للآخرين.
• حظر استخدام القوة أو التهديد بها.
• إدانة الاستيلاء على الحكم بشكل غير دستوري.
• منح الدول الأعضاء الحق في طلب التدخل لإحلال السلام والأمن ومواجهة مدبري الانقلابات.
• تعزيز المؤسسات الديمقراطية.
• احترام حقوق الإنسان.
• إدانة الإرهاب. باعتبارها من المبادئ التي استقر عليها العرف على الصعيد العالمي.
 
- بعد عقدين على تأسيسه، ماذا عن حصيلة الإتحاد الإفريقي، وهل استطاع أن يحقّق بعضا من تطلّعات الشعوب الإفريقية؟
 وجد الاتحاد منذ تأسيسه عقبات لا حصر لها، لكن ثمة ما يدعو للتفاؤل الحذر بتحقيق ولو جزء يسير من طموحات الشعوب فيما يتعلق بالديمقراطية التي بدأت تجد لها موضع قدم في سراديب أفريقيا المظلمة بعد طول انتظار وقمع وتمسك بالسلطة من جانب قادة التحرير، بدعوى أن أهداف الثورات لم تكتمل وأن الشعوب غير مهيأة بعد للديمقراطية على الطريقة الغربية. والدليل على ذلك، أنه في عام 1973 كان عدد الرؤساء الأفارقة المنتخبين «ديمقراطيا» ثلاثة فقط، ثم ارتفع في عام 2001 إلى 35 رئيسا. وفي عام 1980 كان العسكريون يحكمون 43 دولة أفريقية لكن العدد تقلص إلى تسع دول فقط عام 2001.
ولأن الحكم الديمقراطي هو الباعث دائما على الاطمئنان على الاستثمار والثقة والمصداقية في عيون الآخرين، فإن نتيجته دائما تكون التشجيع على جذب الاستثمارات والمساعدات الخارجية اللازمة للتنمية ومكافحة البيروقراطية والفساد وعودة رؤوس الأموال المهاجرة والعمالة الماهرة حتى ولو كانت ديمقراطية غير كاملة بالمفهوم الغربي.
 
-  تعصف بالقارة الإفريقية عديد الأزمات والتوترات، و الملاحظ أن البحث عن الحلول يجري دائما في الخارج أو حول طاولة تنصّبها أطراف خارجية كما هو الحال مع الأزمة الليبية. كيف تقرأون حضور الإتحاد الإفريقي في حلحلة أزمات القارة، ومع ما يسجّل من غياب أو إخفاق، كيف لهذه الحاضنة أن تضطلع بدورها لسدّ الأبواب أمام التدخلات الخارجية؟

 على الرغم من الأزمات الكثيرة التي عايشها الاتحاد الأفريقي منذ تأسيسه، ابتداءً باسم منظمة الوحدة الأفريقية، فإن نتائج تولّيه حل هذه الأزمات لا تتناسب مع مسيرته وخبرته الطويلة. ويواجه الآن ازدياد وتيرة غيابه عن الساحة تدريجاً، بعد عدد من الإخفاقات التي لازمته في حل النزاعات الأفريقية، المستمرة منها والناشئة.
لذا فمنذ الوهلة الأولى التي تقرر فيها إنشاء الاتحاد الإفريقي كبديل لمنظمة الوحدة الإفريقية، تم العمل على وضع استراتجيات قادرة على الاستجابة للرهانات التي تفرضها العولمة، وعملت على إيجاد الآليات والأجهزة الكفيلة بتحقيق أهداف الاتحاد، وعلى رأسها إنشاء مجلس السلم والأمن الإفريقي كجهاز يعنى بقضايا السلم والأمن في إفريقيا، إلى جانب إطلاق مبادرة الشراكة الجديدة من اجل التنمية في إفريقيا (نيباد) كآلية للنهوض بإفريقيا في المجالات التنموية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، بالإضافة إلى أجهزة أخرى لا تقل أهمية كمحكمة العدل الإفريقية وبرلمان عموم إفريقيا، غير أن هذا جميعه لم يكن كافيا أو ذا جدوى لمنع التدخلات الأجنبية بسبب سلب القرار السياسي والاقتصادي منها.
 
- من بين الهياكل الهامة للاتحاد الإفريقي، مجلس السّلم والأمن، ومن خلال اسمه يتحدّد دوره في هيكلة السلام والأمن القاري، ما تقييمكم لدور هذا الجهاز وهل استطاع فعلا أن يحقّق الاستقرار في القارة؟  
 يمكن القول إن إنشاء مجلس السلم والأمن الإفريقي يعبر عن نضج سياسي كبير لدى القادة الأفارقة، باعتبار أنه يمثل الآلية الأنسب للتعامل مع ظاهرة عدم الاستقرار السياسي والأمني الذي تتخبط فيه إفريقيا. وقد حاول هذا الجهاز، منذ نشأته، أن يتعامل بشكل إيجابي مع العديد من القضايا التي هددت استقرار القارة الإفريقية، مثل ما كان مع الانقلاب العسكري في موريتانيا، والصراع حول السلطة في كل من «توغو» و»كوت ديفوار»، والحرب الأهلية في «بورندي»، والصراع في دارفور... رغم هذه التدخلات من قبل مجلس السلم والأمن الإفريقي، إلا أن فاعلية المجلس في بلوغ النتائج المرجوة تبقى دون المستوى، وذلك راجع لوجود جملة من التحديات التي تعرقل نشاطه.
 
- عادت الجزائر في شهر ماي الماضي لتتولى الرئاسة الدورية لمجلس السلم والأمن الإفريقي للمرة الثالثة بعد انتخابها بأغلبية ساحقة؟
 تترأس الجزائر مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي منذ شهر ماي، حيث سعت، بما لا يدع مجالا للشكل، إلى تعزيز أجندة السلام والأمن في إفريقيا، كما سعت مع نظرائها في المجلس إلى مواجهة التحديات الحالية في القارة الأمنية والاقتصادية والسياسية، بما في ذلك مشاكل مالي وليبيا والصراع حول الصحراء الغربية..  
 
- متاعب إفريقيا كثيرة ولا تنحصر في الجانب السياسي فقط، ما أجندة الاتحاد الإفريقي لجعل القارة السّمراء تتغلّب على وضعها الاقتصادي الصعب؟
 التحدي الأكبر الذي يواجه الاتحاد، إضافة الى المعضلات السياسية في القارة السمراء، يتمثل في مدى نجاحه أو فشله في التغلب على الوضعيات الاقتصادية المهترئة لدوله. لذا، في اعتقادي، أن أجندة الاتحاد الاقتصادية تتمثل في: تنفيذ خطة إنعاش وتنمية القارة للقضاء على الفقر والجهل والمرض وتنشيط الاستثمارات ورفع معدلات النمو الاقتصادي إلى 7 بالمائة والتعليم والصحة والنهوض بقطاع المعلومات والاتصال والطاقة والإسراع بخفض الديون وتوفيره مساعدات للتنمية من الدول الغنية بمقدار 0,7 بالمائة من إجمالي إنتاجها القومي وتخفيف عدد الفقراء إلى النصف بحلول عام 2015 وتنشيط وحماية الديمقراطية وحقوق الإنسان وتعزيز آليات منع النزاعات وحلها، واستخدام القوة إذا لزم الأمر لفرض السلام وحفظه.
 
- ما تقييمكم للتعامل مع الانقلابات العسكرية وهو المرض المزمن الذي مازال لصيقا بأفريقيا؟
 ينص «الميثاق الإفريقي للديمقراطية والانتخابات والحكم الرشيد» الذي أقر عام 2007 ودخل حيز التنفيذ في 15 فيفري 2012 على أنه يحظر تولي قادة الانقلابات في إفريقيا أي مناصب سياسية لعقابهم على ما فعلوه من قلب للحكومات الديمقراطية بقوة السلاح.  
وإذا كنا نتحدث عن 186 انقلاب عسكري و26 صراعًا كبيرًا على السلطة في إفريقيا، فقد جاءت نتائجها كارثية أثرت على ضعف التنمية في القارة واستمرار عدم الاستقرار، وتسببت في مقتل ما يقرب من 10 ملايين إفريقي وتحويل ما يقرب من 40 مليونًا إلى لاجئين أغلبهم فقد الأمل في العودة إلى بلاده نتيجة انعدام الأمن، فيما لا تزال دول تعاني من المذابح حتى الآن وانضمت دول جديدة للقائمة عقب الانقلابات الأخيرة في إفريقيا منذ 2012 حتى لآن.  
لذا، يمكن القول إن تعامل الاتحاد الإفريقي مع عشرات الانقلابات العسكرية وتولي عسكريين للسلطة وعزلهم للرؤساء المنتخبين بصورة غير حاسمه، خالف فيها ميثاقه أحيانا، ليؤكد أن خروج القارة السمراء من دائرة الانقلابات هو أمر صعب وسيظل لفترة من الوقت مرتبطا بالقارة الإفريقية، ما يجعل تداعياته فيما يخص ضعف التنمية وعدم الاستقرار مستمرين.  
 
- لا شكّ أن نجاح أي منظمة في أداء مهامها مرهون بتوفّر المال واستقلالية الحصول عليه، فما هي مصادر تمويل الإتحاد الإفريقي؟
 «بدون استقلالها أفريقيا لا تعنى شيئاً، ومع استقلالها يمكنها أن تصبح كل شيء»، هذه تصريحات جاءت على لسان رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي السابق موسى فقي، لتشير إلى مدى أهمية استقلال عملية تمويل ميزانية الاتحاد الأفريقي لتحقيق الاستقلال الفعلي للمنظمة عن أجندة الدول الخارجية، والتي قد تتقاطع في كثير من الأحايين مع الأجندة الأفريقية.
وفق تقرير رئيس رواندا بول كاجامي، المنوط به مسألة تقديم أجندة للإصلاح المؤسسي للاتحاد، بما في ذلك عملية التمويل، أشار في تقريره (جانفي 2017)، إلى حجم الفجوة التمويلية بين الإيرادات القارية والمنح الخارجية، ففي عام 2014 بلغت ميزانية الاتحاد 308 ملايين دولار، تم تمويل أكثر من نصفها من الجهات المانحة. هذه الأرقام وغيرها تمثل مدى فداحة عدم الاستقلال المالي للاتحاد الإفريقي في تشغيل جداول سياساته ما يشكل حرجا كبيرا في تكريس مبدأ الاستقلالية في القرار.
 
-  ما هو تقييمكم جهود الاتحاد في مكافحة الإرهاب، خاصّة وأن الحبل متروك على الغارب لدول أجنبية تتصارع على إعادة توزيع مناطق النفوذ بالقارة؟
 مع تنامي اعتداءات الجماعات الإرهابية والتدهور الأمني في وسط مالي وبوركينا فاسو والنيجر بهذا الشكل الدراماتيكي، لاتزال الوحدات السياسية في إفريقيا تخضع لإملاءات الدول الكبرى وسياساتها... ورغم الجهود المتعلقة بمشروع تشكيل قوة مشتركة التي قد أعلن عنها في 2015، فان الواقع مازال في مرمى الدول الاستعمارية التي تتحكم في مفاصل الأمن والسلم الأفريقيين.
 
^ بين الآمال والإخفاقات، كيف تقيّمون مسيرة عقدين من عمر الاتحاد الإفريقي؟
^^ لايمكن بأي حال تقييم مسيرة منتظم سياسي له أدوار محورية في إعادة بعث آمال القارة في بضعة أسطر، فالأمر يترك للندوات والملتقيات المتخصصة... ولكن ما يمكن الإشارة إليه، أن ثمة توجس من استمرار بعض السياسات التي تفقد الاتحاد جدواه الذي وجد من أجله... مثل استمرار انعدام الثقة بين الحكام واختلاف المصالح والتوجهات وغياب الديمقراطية وتغير الأمزجة الشخصية وكثرة حدوث الانقلابات العسكرية (أكثر من 100 انقلاب منذ عام 1960) وكلها عوامل تنخر في هيكل الاتحاد، ما يعني أمام المنتظم عديد التحديات لتجسيد طموحات الشعوب وآمالها.