طباعة هذه الصفحة

شواطئ عذراء وخدمات تبهر المصطافين بالشلف

تنس قبلة العائلات والمغتريبن

و.ي. أعرابيي

 تتربع ولاية الشلف على شاطئ ساحلي يمتد على طول 120كلم يحتوي على 27 شاطئا محروسا بالواجهة البحرية للولاية، وهذه الأخيرة مركز ملاذ آلاف المصطافين ممن يستهويهم الحر الشديد والجوّ الثقيل بالبلديات الوسطى، والمناطق المجاورة لها، التي تعرف نزوحا يوميا، يتخيل لزائريها أنها خالية على عروشها، غير أن تردي الخدمات المقدمة، وانعدام الهياكل وقلة النظافة صارت من النقاط السوداء في غياب مبادرات المنتخبين المحليين الذين طالما اشتكوا من ضعف مداخلهم الجبائية.

جولتنا عبر شواطئ الولاية لرصد حالة المصطافين وتحركات العائلات، وكذلك شباب المخيمات والمهيكيلن في الجمعيات والنوادي وبعض الأسر من المغتربين ممن اختاروا مناطق بعينها على نواحي أخرى، بفعل عوامل قالوا عنها: “أنها مريحة وتساعدهم على الاستمتاع بنسائم البحر بغض النظر عن انعدام الخدمات، مادام فيه الأمن والطمأنينة، يقول كل من خالد وسفيان من نواحي فرنسا، وبالضبط “نيس كوت دازير” و”موبيلييه” اللذان جاءا لقضاء عطلتيهما عند ذويهم بعين مران وبوقادير، حسب تصريحاتهما المفعمة بحب الوطن وحديثهما عن الفريق الوطني لكرة القدم وإنجازاته المحققة التي تحدثوا عنها كثيرا.
شواطئ عذراء وشريط غابي يلامس زرقة البحر:
على الرغم من البرامج التي خصصتها الدولة والمشاريع التي طالما عملت على تجسيدها لدفع مسار التنمية السياحية والإمكانيات الطبيعية المتوفرة والتي قلما نجدها في ولايات ساحلية، بهذا الامتداد الذي تعلق به المصطافون، رغم النقائص كون شريط الولاية يمتد على مسافة 120 كيلومتر من شواطئ بني حواء وواد قوسين والتراغنية وبوش غال إلى مدينة تنس وواد القصب، وواد المالح، وسيدي عبد الرحمان، وداتي وعين لحمادي والقتلة والمرسى والقطار وبو أحمد وعشرية وعين البقرة وغيرها من الأماكن المريحة التي تستقطب آلاف الزوار والمصطافين والقاطنين تحت صخورها وظلال أشجارها.
هذه الصورة الرائعة، يقول عنها جمال من كلية الهندسة بجامعة حسيبة بن بوعلي بالشف: “مثل هذه الأماكن العذراء التي تستغيث بحاجة إلى من يستثمر بها، ضمن مشاريع سياحية، فبقاؤها على هذه الحال هدر للثروة الاقتصادية والسياحية التي هي الأساس في تنمية أي بلد.
يواصل حديثه بحسرة: “انظر إلى هذا الشاطئ (يقصد بني حواء وبوشغال بعدما رافقنا إليه صحبة ابن عمه المقيم في فرنسا، عبد الرزاق)، أليس من العيب أن تحرم هذه الأمواج الهائلة من المصطافين من التمتع بهياكل في مستوى تطلعاتهم وأذواقهم” وهنا سرد لنا وجه المقارنة بين شواطئ جارة للجزائر أقل من شواطئنا لكن استغلالها كان بمنتهى البراعة والذكاء والاستثمار المنتج الذي يدر أموال طائلة من العملة الصعبة”.
ويقضي جمال وابن عمه عبد الرزاق المغتربان يومياتهما بين الشاطئين الأول مكشوف والثاني يحيط به شريط غابي وبعض الأراضي الفلاحية المتاخمة لأشجار الكروش الباسقة.
مناظر تستنجد.. فهل من مغيث؟
هي مناظر تجلب الأنظار، لكن عيون المنتخبين عنها غائبة وكأن الأمر مرتبطا بتهيئة الشوارع والأرصفة والإشراف على توزيع السكان وشق قنوات الصرف الصحي، والتي وإن كانت ضرورية إلا أن استثمار إمكانيات المنطقة وتحويلها إلى ثروة دائمة ضروري كما يشير الشاب عبد المجيد، الذي وجدناه أمام دلاء من التين والعنب يجلبها يوميا ليعيل أسرته في غياب نشاط مهني بعدما يئس من البطالة التي أقعدته ثلاث سنوات بعد التخرج من الجامعة ولما عرضنا عليه فكرة التقدم إلى أجهزة تشغيل الشباب أشار بقوله: “حاولت مرارا لكنني فشلت أمام تعنت...” وأحجم عن الكلام، قرأت في عيونه توهج رفض الكشف عن هويته ومنطقته.
لم أكن على دراية أنني سأقحم نفسي في طبيعة النشاط اليومي والعمل الذي يتبناه مثل هؤلاء في حياتهم بالنظر إلى طبيعة الموضوع، غير أن صيفات هؤلاء تجرك جرا بسلوكاتهم وتموقعهم على الشريط الساحلي والأغاني التي يؤديها البعض رفقة آلة الدف والقرقابو التي أخذتنا مع بعض الفضوليين الذين يحلمون بالإستقرار بالوسط الغابي والتمتع بجماله وهدوئه خاصة في مثل هذه الأوقات الملهمة حسب الشاعر محمد غاني بلبل غابات الونشريس ببلدية الكريمية الذي يفضل اصطحاب أشعاره لمغازلة البحر، حسب قوله.
هذا، وقد غادرنا المكان الملهم على أمل أن نعود ونجد العذراء بمفاتنها قد زفت إلى عشرات الشباب والمستثمرين لينقذوها ويبعثوا فيها الروح والنماء والنشاط التنموي الذي يدر على أصحابه بالربح الوفير والمال الكثير، ليكون الصيف صيفين، صيف البحر والعطلة وصيف تحريك الجانب الإقتصادي والتنموي لهذه المناطق التي تمتلك كنوزا لكنها فقيرة، وهو ما يعكس المفرقة العجيبة التي تميز هذه المناطق التي تبحث عمن يأخذ بيدها.
وسط الرمال الذهبية بـ”داتي” و”الدشرية” يحلو المقام
على بعد حوالي 90 كيلومترا من عاصمة الولاية، ينتصب شاطئ داتي والدشرية ببلديتي سدي عبد الرحمان والمرسى، حيث يتحمل المصطافون وخاصة العائلات منهم طول المسافة التي يقطعونها للوصول إلى موقعهما، وعادة أصحاب السيارات والمركبات الخاصة هم من يحظون بالإلتحاق بهذين الشاطئين والمكوث بهما إلى غاية غرس خيوط الشمس مساءا في مياه البحر، حينها يمتزج الإحمرار بالزرقة لتمنح للمصطافين جواز سفر يدغدغ الشعور ويبعث الغوص في التأمل والإلهام وركوب الأحلام على أضواء الشمس المكسرة، هكذا وصف اللحظة أحد الموهوسين بهذه المواقف والتي مع الأسف لا يمتلك ناصية الشعر ولاهو قائله حسب ما أكد لنا المقاول علي من حي الزيتون بمدينة الشلف، الذي شد الرحال إلى داتي والدشرية المعروفتان برمالهما الذهبية، فاذا كان الوصول إلى الشاطئ الأول عبر منحدر غير مهيئ بإتقان فإن الثاني به مسلكا يسمح لعجلة السيارة أن تلامس الأمواج. فعلى الرغم من غياب أدنى الخدمات فالزائر يلقى الراحة والأمن والتمتع بالرمال الذهبية مع مستوى مسطح بالشاطئ يسمح للعائلات بأطفالهم التمتع بالسباحة على مسافة أزيد من متر داخل البحر وهو ما تفضله العائلات خاصة العجائز منهن، في وقت أن شاطئ الدشرية أطول مسافة في عمق البحر حيث يجاوز 140متر، الأمر الذي يجعل الطفل الذي يبلغ السنتين بإمكانه التمرغ وسط رماله التي تنساب كما تنساب حبات اللجمان تحت أسفل أصابع الرجلين. الأمر الذي جعل المصالح الأمنية تشدد الرقابة على عملية تهريب رماله خاصة بالدشرية المحاذية لحدود ولاية مستغانم، حسب ما علمناه بعين المكان.
قلة المضلات وغلاء مواقف السيارات... هاجس يلاحق المصطافين
يجد المصطافون حرجا عندما يصلون إلى هذين الموقعين ويصطدمان بمظاهر لم تكن في الحسبان رغم وجود أحد الشبان المكلفين بالسهر على هذه العملية والإشراف عليها، فقلة المضلات التي لاتتعدى المائة غير كافية لتلبية الطلب المتزايد خاصة أيام الحر الشديد رغم ارتفاع اسعارها التي تفوق 500 دج، حيث يجبر المصطافين على المكوث تحت لسعة الشمس الحارقة لساعات وهو ما يعرض هذه العائلات وخاصة أطفالهن إلى أمراض وأخطار صحية كضربات الشمس أين تصل موجة الحر إلى حدود 45 درجة أمام البحر. في وقت تهرب بعض العائلات إلى جذوع أشجار الغابات المتآكلة للإحتماء بها في انتظار لطافة الجو وانخفاض درجة الحرارة.
ومن جانب آخر، يتحين بعض الشباب الفرصة لإبتزاز المصطافين في غياب مصالح المراقبة والجهة المشرفة على الشواطئ، حيث يفرض هؤلاء منطقهم من خلال رفع سعر توقف السيارات فبعد ماكان بـ50 دج قبل شهر رمضان، ارتفع السعر إلى 100دج وهو ما جعل البعض يدخلون في مشاحنات كلامية مع المصطافين تطلب التفكير في شق طريق مع الإسراع في انطلاق مشروع الطريق السريع الرابط بين تسمسيلت وتنس مرورا بالشلف التي انطلقت بها الدراسات .
حفلات صيف الكورنيش.. رقص وألعاب للأطفال بمسرح الهواء الطلق وشاطئ تنس
على وقع الأغنام العصرية يجد المصطافون والعائلات والشباب الهاوي للطرب “الرايوي” متعة الحفلات كالتي أقامها نصر الدين حراوي بمسرح الهواء الطلق المحاذي لشاطئ تنس والميناء، أين عاش هؤلاء طبوعا متنوعة لعدة أصوات أعقبت هذا الحفل بحضور فرقا محلية وجمعيات نشيطة في الميدان، خاصة تلك التي أقيمت تضامنا مع أهلنا في غزة على وقع صيف الكورنيش الذي عرف هتافات تشيد بموقف الجزائر إلى جانب هؤلاء الذين يتصدون للغطرسة الإسرائيلية في همجيتها ضد الأطفال والنساء والشيوخ، بعدما فقد العدوّ كل معالم المقومات الإنسانية. ومن جانب آخر فتح فضاء لألعاب الأطفال للتمتع والترفيه بين الأرجوحة والعجلات الكهربائية، مما خلق أجواء عائلية حميمية وأنشطة مازالت بحاجة إلى تدعيم وتطوير بالنظر إلى العدد الهائل من الزوار والمصطافين الذين يتوافدون يوميا إلى آخر ساعات من اليوم الموالي.
تغطية أمنية لـ”مخطط دلفين” وحضور دائم لأعوان الحماية
أثار تواجد المصالح من درك وشرطة، ارتياح المصطافين وزوار شواطئ الشلف الـ27، حيث توزعت هذه الفرق بصورة منتظمة ومدروسة سواء في النقاط السوداء الخاصة بالحركة المرورية، أو بالمناطق الغابية على مستوى الطريق الوطني رقم 11 و19 الرابطين بين تنس والشلف وتيسمسيلت وتيبازة والشلف ومستغانم، وهي المحاور التي تعرف حركة مرورية كثيفة، حسب المصالح المختصة، ناهيك عن السدود للتحم في سرعة مستعملي الطريق حفاظا على أرواحهم وممتلكاتهم، وهذا بتوفير كل الإمكانيات والوسائل، يشاركهم فيها قسم الشرطة داخل المدن ومحيطها، ناهيك عن الدروس التوعوية والتحسيسية التي تلجأ إليها هذه المصالح مع أصحاب المركبات. وهي إشارة لتوطيد العلاقة وتقريب هذا الجهاز بالمواطن الذي صار عنصرا مشاركا في آداء المهمة ـ يقول أحد عناصر الدرك ـ الذي تحدثنا إليه بمركز عمله.
ومن جانب آخر، لقيت عملية فتح مراكز لأعوان الحماية ووضع فرق متقدمة خاصة بمداخل الغابات، ارتياحا كبيرا بين صفوف السكان والمواطنين والمصطافين، خاصة في مثل هذه الظروف، أين تكثر حوادث الحرائق المخربة للثروة الغابية. بالإضافة إلى مصاحبة المصطافين ومرافقتهم عند الشواطئ للحيلولة دون تسجيل حوادث الغرق التي لم تسجل إلا حالات قليلة بالنظر إلى الأعوام المنصرمة ـ يقول أحد الأعوان ـ زيادة على عمل حراس الشواطئ.