طباعة هذه الصفحة

من “نحن والتراث” إلى “مذبحة التراث”

أيـن هو الفكر العربـي المعاصـر؟

محمد سعيد بوسعدية

يشير عنوان المقال إلى كتابين بارزين: الأول “نحن والتراث، قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي” للمفكر المغاربي محمد عابد الجابري، والثاني “مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة” للمفكر المشرقي جورج طرابيشي.

صدر الكتاب الأول في سنة 1980، وكان بمثابة تمهيد للمشروع الجابري في نقده للعقل العربي حيث أصدر تباعا: تكوين العقل العربي؛ بنية العقل العربي؛ العقل السياسي العربي؛ العقل الأخلاقي العربي؛ ثم أنهى مشروعه بمدخل إلى القرآن الكريم، ففهم القرآن الحكيم: التفسير الواضح حسب ترتيب النزول. أما الكتاب الثاني “مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة” للطرابيشي، فقد صدر في سنة 1993، وكان هو الآخر بمثابة مدخل إلى مشروعه الكبير في “نقد نقد العقل العربي”، حيث اصدر تباعا: إشكاليات العقل العربي؛ وحدة العقل العربي؛ العقل المستقيل في الإسلام، ثم ختم مشروعه بكتاب “من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث، النشأة المستأنفة”.

3 - من نكسة 1967 إلى نكسة الربيع العربي 2011: ماذا بقي من الفكر العربي المعاصر؟
إذا كانت نكسة 1967 أنتجت لنا صراعا إيديولوجيا بين التيارات السياسية المختلفة (الناصرية-البعثية-اليسارية-القومية-الإسلامية) والتي جسّدتها المدارس الفكرية السابقة الذكر في مناظراتها الفكرية وسجالاتها الأدبية، فإنّ نكسة الربيع العربي - رغم  مرور عقد من الزمن على أحداثه ومآلاته ومخرجاته - لم تكن بمقدورها إحداث سجال فكري ولا حوار أدبي بمستوى الجدال الذي حدث بعد نكسة 1967.
لا ننفي ظهور بعض الدراسات تخصّ مسارات ومخرجات الربيع العربي من قبل باحثين مستقلين ومن بعض الدوائر الأكاديمية والمراكز البحثية المؤدلجة؛ فهناك دراسات ترى في الربيع العربي مؤامرة خارجية: كـ«الربيع العربي .. ثورات أم مؤامرات” لعلي كريم حسن؛ و«متلازمة أمريكا، هل هو ربيع عربي أم سايكس بيكو جديدة؟” لصلاح المختار؛ و«فبراير: خدعة الثورة وحقيقة المؤامرة” لمصطفى الفيتوري؛ و«أمريكا والربيع العربي، خفايا السياسة الأمريكية في المنطقة العربية”؛ لجيهان عبد السلام عوض.
دراسات أخرى ربطت الربيع العربي بالحركات الإسلامية؛ البعض منها ترى دورها إيجابي في تحقيق تطلعات الشعوب العربية التواقة إلى الحرية والديمقراطية، والبعض الأخرى ترى دورها سلبي، حيث قفزت على نتائجه وأهدرته في المهد. من هذه الدراسات نذكر: “الإسلاميون وتحديات الحكم في أعقاب الربيع العربي” وهو كتاب جماعي من تحرير حامد القويسي وعصام البشير وجواد الحمد؛ و«وثائق الربيع العربي والصحوة الإسلامية” لحسن محمد الزين؛ و«ثورات الربيع العربي وتأثيرها على الإسلام السياسي وعمليات الإصلاح في الوطن العربي” لميلاد مفتاح الحراثي ومحمد عبد الغفور الشيوخ. لا نغادر جو هذه الدراسات دون ذكر كتاب عبد الإله بلقزيز المعنون “ما بعد الربيع العربي أسئلة المستقبل”؛ وكتاب عزمي بشارة المعنون “الثورة التونسية المجيدة: بنية ثورة وصيرورتها من خلال يومياتها”؛ وكتاب هاشم صالح المعنون “الانتفاضات العربية على ضوء فلسفة التاريخ”، وهو خلاصة لعدد هام من الكتابات والنظريات الغربية والعربية التي تعاطت مع الربيع العربي.
هذه نماذج من دراسات وأبحاث قام بها باحثون نعتقد أنهم مستقلون، ومهما كان فهم يعبرون عن رؤية إيديولوجية لأحداث سياسية لازالت آثاره سارية المفعول إلى يومنا هذا، وذلك على غرار مؤلفي عبد الإله بلقزيز وهاشم صالح، وأخرى تبقى مؤدلجة تابعة لمراكز بحثية على غرار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الذي يرأسه عزمي بشارة. ونحن إذ نثمن هذه المجهودات البحثية والفكرية في سياقاتها العربية، نعتقد من وجهة نظرنا، أنها لم ترتق لمستوى الفكر العربي الكلاسيكي أو النهضوي ولا الكفاحي الإيديولوجي بتعبير أركون. فأغلب الدراسات لازالت تحوم وراء حجج المؤامرات الخارجية والداخلية بدل البحث عن أركيولوجيا المجتمعات العربية التي لازالت تعيش عصر ما قبل الدولة.   

 4 - سقوط الإيديولوجيات، بروز الهويات القاتلة والتقوقع في إطار الدولة-الوطنية
 لا نعود في هذه الفقرة إلى كتاب فوكوياما “نهاية التاريخ والإنسان الأخير”، ولا إلى كتاب صامويل هنتنغتون “صراع الحضارات”، ولا أيضا إلى كتاب أمين معلوف “الهويات القاتلة”. نريد فقط استقراء واقع الفكر العربي والأوضاع السياسية للمجتمعات العربية في العقد الأخير، خاصة بعد أحداث الربيع العربي.

4-1 سقوط المدارس الإيديولوجية أو السرديات الكبرى في الساحة العربية   
أول سقوط مدوي للإيديولوجية العربية مسّ الناصرية والقومية-البعثية بعد نكسة 1967، ولو أن إرهاصات هذا السقوط تعود إلى فشل الوحدة العربية بين مصر الناصرية وسوريا القومية في سبتمبر 1961. كان الحلم الناصري والقومي-البعثي يتمحوران حول الوحدة العربية سياسيا من المحيط إلى الخليج، واسترجاع فلسطين التاريخية من الكيان الصهيوني، فجاءت نكسة 67 كضربة موجعة وقاسية لهذا الحلم لتعيد النظر في تطلعات هذه الإيديولوجيات، خاصة الناصرية التي أخذت في الأفول بعد موت جمال عبد الناصر، وقُبرت تماما بعد زيارة الرئيس أنور السادات للقدس المحتلة.
حاول اليسار الماركسي والإسلامي-الإخواني على الخصوص سدّ الفراغ الإيديولوجي الذي مسّ التيار الناصري وزعزع التيار القومي-البعثي، وحاولت السلط العربية من جهتها إعادة البناء الفكري والإيديولوجي للمجتمعات العربية بالاعتماد على التيار الإسلامي لقبر الناصرية كلية من جهة، ومجابهة اليسار الماركسي الذي استعاد أنفاسه هو الآخر بعد نكسة 67، من جهة أخرى.
لم يستطع التيار اليساري-الماركسي احتلال مكانة مرموقة في المجتمعات العربية حتى في المقرات النخبوية كالجامعات والمعاهد العليا. إرهاصات سقوطه بدأت مع الثورة الإيرانية التي شارك فيها اليسار الإيراني بكل تشكيلاته، إلا أنّ الغلبة رجعت إلى رجال الدين الشيعة وعلى رأسها الإمام الخميني الأمر الذي أعطى دفعا للتيار الإسلامي الحركي العربي رغم التباين العقدي بين الخمينية الشيعية والحركات الإسلامية العربية ذات الأغلبية السنية. جاء “الجهاد الأفغاني” ضد “الإمبراطورية الماركسية”، وصعود الوهابية إلى مسرح الأحداث العربية، وبروز الصحوة الإسلامية ليزيدوا الطين بلة على التيار اليساري-الماركسي الذي عرف الموت السريري بسقوط الاتحاد السوفيتي.
لم يبق في الساحة العربية إلّا السردية الإسلامية كإيديولوجية سياسية لازالت تحلم في خطاباتها باسترجاع الخلافة وقيام الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة الإسلامية لتحقيق العدالة الاجتماعية. وقد لاقى هذا الخطاب الإيديولوجي رواجا لدى الشعوب العربية بعد أحداث الربيع العربي كما تؤكده الدراسات المشار إليها سابقا، وهذا ما حصل بالخصوص في كل من مصر وتونس والمغرب، حيث وصل التيار الإخواني إلى سدة الرئاسة والحكومة عن طريق الانتخابات. إلّا أنّ تسارع الأحداث السياسية في هذه البلدان أفشل المشروع الإسلامي الإخواني الذي عرف تراجعا سواء عن طريق القوة (حالة مصر) أو عن طريق الانتخابات (حالتي تونس والمغرب).
إنّ سقوط السرديات الكبرى بمختلف تشكيلاتها يكون قد أثّر سلبيا على الفكر العربي المعاصر الذي عرف شللا وانطواءً فكريا، رغم أنّ هذا السقوط يمثل في حدّ ذاته مادة أدبية للسجال الفكري لدى النخبة العربية للبحث عن الأسباب والنتائج واقتراح الحلول المناسبة.

4-2 بروز الهويات القاتلة في الساحة العربية
سقوط الإيديولوجيات الكبرى في الساحة العربية أنتج في المقابل هويات دينية-طائفية وأخرى عرقية قاتلة بتعبير أمين معلوف. لقد استطاعت السرديات العربية الكبرى فيما مضى أن تجمع بين المسلم والمسيحي والشيعي والسني والماروني والقبطي والعربي والكردي والأمازيغي والإفريقي. فحتى في بلد طائفي مثل لبنان أو عرقي مثل السودان، كانت الناصرية أو البعثية-القومية على سبيل المثال تجمع بين الماروني والمسلم وبين الشيعي والسني والدرزي في حالة لبنان، وبين العربي والإفريقي في حالة السودان.
لقد تقوقعت الطوائف الدينية والعرقية حول شيوخها وقياداتها التي راحت تستغل الأوضاع المزرية لكسب مواقع سياسية وريوع اقتصادية في ظلّ الدولة-الوطنية، وأنتجت بذلك وعيا مغايرا وفكرا طائفيا وعرقيا خطيرا على وحدة كيان الدولة-القومية، وأمست سببا للشقاق وانحلال الدولة وتقسيمها، كما حدث بالسودان الذي فقد جنوبه بعد أن كان الاتجاه القومي-العربي يحلم بالبقاء مع مصر لتكوين دولة النيل الكبرى غداة الاستقلال.    
 
4-3 التقوقع في ظلّ الدولة الوطنية والحفاظ عليها
يتفق التياران القومي والإسلامي في أدبياتهما السياسية على أنّ الدول الوطنية العربية هي من إفرازات الاستعمار الغربي واتفاقيات سايكس بيكو، بينما يختلفان في مشروعها السياسي في إعادة بناء ما فوق الدولة-الوطنية (supranationale). كان حلم القوميين يتمثل في توحيد العرب من بغداد إلى نواكشوط تحت قيادة موحدة، فيما كان حلم الإسلاميين يكمن في إعادة إحياء الخلافة ونقلها إلى عاصمة عربية، بعد أن أسقطها وألغاها أتاتورك في اسطنبول.
صورة الواقع العربي مغايرة تماما للحلمين القومي والإسلامي، فنظرة خاطفة على الجامعة العربية التي تضم 22 دولة، نلاحظ أنّ أنظمتها السياسية متباينة ومختلفة، تتراوح من الملكية المطلقة إلى الملكية شبه النيابية، ومن نظام رئاسي مغلق إلى نظام رئاسي شبه نيابي، ومن نظام مركزي-يعقوبي إلى نظام فيدرالي، وهو الأمر الذي يصعب من كل محاولة توحيدية للأقطار العربية حتى كأقطاب جغرافية. الوضع السياسي ازداد تعقيدا بعد أن أصبحت بعض الدول الوطنية العربية تعيش شقاقا يهدّد وحدتها كما هو الحال في ليبيا وسوريا واليمن ونسبيا في العراق. دفع هذا الوضع بالنخبة العربية إلى التقوقع فكريا في ظل الدولة الوطنية قصد الحفاظ عليها من كل محاولة لتشتيت الوطن إلى دويلات كما حدث مع جنوب السودان ومازال قد يحدث مع غربه في منطقة دارفور وهي حالة ما تحت الدولة الوطنية (infranationale).
سيشهد الفكر العربي المعاصر - إن وُجد - انقساما وتشتيتا قياسا إلى تعدّد الدول العربية، وقد تتطور إلى أقطاب خليجية وشامية ونيلية (نسبة إلى واد النيل) ومغاربية وهو الحد الأقصى الذي يمكن الحلم به مستقبلا رغم أنّ العرب يمثلون كتلة جغرافية وتاريخية وثقافية-دينية-لغوية واحدة.       

 الجزء الثاني والأخير