حرفي كسر قيود الإعاقة على كرسي متحرك

فتيحة / ك

يعتبره سكان منطقته، وكل من يعرفه في المدية بأنه المثال الحي للنجاح .. استطاع بإرادته وعزيمته أن يشق طريقا صعبا في مجتمع ينتظر منه مزيدا من التكفل بالمعاق حركيا . تمكن من فرض نفسه بممارسة حرفة الخياطة التي حققت له استقلالا ماديا و عيشا كريما....هو حسين خليلي واحد من الذين كسروا قيود الإعاقة واستطاعوا توقيع أسمائهم بأحرف من ذهب.  قصة نضال ترصدها «الشعب».

أصيب حسين خليلي بالشلل بسبب ارتفاع الحمى في الثانية من عمره ... تدهورت حالته الصحية بسرعة بسبب بعد المسافة، و انعدام وسائل النقل آنذاك -فترة السبعينات- ما حال دون نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج هكذا سرد لنا قصته الكاملة مقدما أدق التفاصيل.
...عشر سنوات بمستشفى «مصطفى باشا»
بقاؤه دون علاج في تلك اللحظة أدت إلى إصابته بشلل في الجزء السفلي من جسده ما جعل والده يصاب بحالة من الهلع والخوف جعلته يتحدى كل الصعاب ويدق جميع الأبواب علّه يجد الدواء الشافي لولده، ولكن باءت كل محاولاته بالفشل...هذا الأب العنيد لم يستسلم للقدر وراوده أمل كبير في شفاء ابنه الذي كان يراه يخطو خطواته الأولى كأي طفل طبيعي، فرفض بقاءه معاقا طوال حياته.
هنا فكر الأب بفطرته البسيطة أن الحل يكمن في الذهاب إلى مستشفى «مصطفى باشا» الجامعي بالعاصمة بعد أن سمع عن وجود أطباء أكفاء يعملون به بالإضافة إلى توفره على آلات طبية متطورة...وبالفعل شد رحاله إلى العاصمة رفقة ابنه، أين تم تشخيص حالة ابنه بكل دقة، و أعطاه الأطباء أملا في شفائه ولكن شريطة بقاء حسين بالمستشفى لمدة محددة....
مضت الأيام والسنوات وهو على تلك الحالة ...فلم يتحسن وضعه الصحي عما كان عليه قيد أنملة، ... ببلوغه سن الثانية عشر عزم حسين مغادرة المستشفى رغم رفض والده وعاد إلى البيت ودفء العائلة الذي افتقده لسنوات عديدة....
انطلاقة جديدة....
وسط العائلة وجد حسين نفسه مع أخواته اللائي كُنّ  يتقن الصناعة التقليدية كالطرز والخياطة، وبعد سنتين تمكن من تعلم هذه «الصنعة» اليدوية و استطاع بأنامله الصغيرة مساعدتهنّ في أعمالهن خاصة إذا كنَّ ملتزمات بطلب  كميات كبيرة من تلك المنتجات التقليدية التي يريد أصحابها إنهاءها بسرعة، ... هكذا واصل العمل في هذا المجال وانفرد به بعد زواج أخواته وارتباطهنَّ بمسؤوليات جديدة لم يعرفنها من قبل.
احترف حسين خليلي الطرز «غرزة الحساب» منذ سن السادسة عشر، وعلى مدار خمس وعشرين سنة استطاع تحقيق نجاح باهر في هذا العمل وأثبت موهبته المبدعة في الرسم و الطرز، رغم كل الظروف المحيطة كالإعاقة التي تمنعه من المضي قدما في تحقيق حلمه، نجاحه أعطى لكل المشككين في قدرة المعاق درسا في أن الإرادة أقوى من أي شيء يمكنه أن يحد من طموحات المرء أو يجعل اليأس يتغلغل إلى نفسه.
... لم يتوقف حسين خليلي عند ممارسة الحرفة التقليدية في منزله بل وسّع نشاطه إلى المشاركة في المعارض الوطنية في مختلف ولايات الوطن، ما فتح له أفاقا جديدة في مجال تخصصه ولم يقف الكرسي المتحرك عائقا أمام تقدمه رغم أن الناظر إليه من بعيد يظنه عاجزا مستسلما لواقعه المعاش خاصة وأنه ترعرع في منطقة نائية، ولكن هيهات أن يكون كذلك،  لأنه في جوهره شخص يفكر بإيجابية و لا يرى العطاء واثبات الذات مرادفا للجسم السليم....
 استفاد حسين خليلي في 2011 من قرض مصغر قيمته 10 آلاف دج لشراء المواد الأولية التي يحتاجها في حرفته و عمله اليومي كالخيط والقماش و مختلف المعدات من إبر وآلات خياطة ....، اجتهاده و نشاطه مكناه من تسديده كاملا في 2014، ليستفيد من قرض ثاني أواخر الشهر الجاري، أثنى حسين خليلي كثيرا على ما تقدمه الدولة من إعانات للمعاقين الذين هم في أمس الحاجة إليها خاصة وان المجتمع يحكم عليهم مسبقا بالفشل.
لذلك اعتبر القرض المصغر الذي تقدمه الوكالة الوطنية لتسيير القرض المصغر دعما حقيقيا للشباب و المواهب الخلاّقة التي تبحث عن إثبات وجودها في مجتمع لا يعترف إلا بالقوي.
و لأن الحياة لا تخلو من المنغصات، تمنى حسين خليلي في نهاية حديثه إلى «الشعب» أن يتوسع نشاطه أكثر بمساعدته  في كراء محل ومسكن لأنه يعيل أخته الأرملة وأبنائها،... هو تحد آخر يقف أمامه بكل قوته ما  يعكس القوة التي يملكها هذا الرجل الذي يبلغ من العمر 45 سنة رغم انه على كرسي متحرك...هي الإرادة التي تصنع المعجزات، لذلك علينا أن نتأمل جيدا في تفاصيل حياته كي نعي الحقيقة التي جسدها على أرض الواقع.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 18049

العدد 18049

الإثنين 16 سبتمبر 2019
العدد 18048

العدد 18048

الأحد 15 سبتمبر 2019
العدد 18047

العدد 18047

السبت 14 سبتمبر 2019
العدد 18046

العدد 18046

الجمعة 13 سبتمبر 2019