طباعة هذه الصفحة

العـــلاقـات العـربيـة الصينيــة: طريـق الحرير النموذج الأمثل للتعاون

أ.د.إسماعيل دبش أستاذ في العلوم السياسية والعلاقات الدولية جامعة الجزائر 3

من المنطلق الإنساني والتاريخي والحضاري (حضارة عمرها أكثر من 5000 سنة) لا يمكن تصنيف الصين إلا كقوة أمامية. مسيرة ومضمون حضاري بمنطلق فكري متميز يعتمد تمجيد العمل، الاحتكام للعقل، تثمين الإنسان ورفض القهر والهيمنة والاعتداء (الكونفيوشيسية)، وبمكاسب علمية سبّاقة في الابتكار والتطور الصناعي. الصينيون سباقون في صناعة الورق وفي فن صهر البرونز وقبل أكثر من 3000 سنة استخدموا الأدوات الحديدية وأدخلوا صناعة الفخار بما فيها الفخار الأبيض والملون وأبدعوا في نسيج الحرير ودخلوا في صناعة الفولاذ وكانوا سباقين في تطوير الرعاية الصحية والإنسانية خاصة في مجال الطب. وبالصين قامت نهضة ثقافية وحضارية إنسانية كبرى قادها فلاسفة ومفكرن وفي مقدمتهم كونفوشيوس والإستراتيجي سون وو المعروف بسون تسو الذين كانوا وراء المرجعية البنّاءة والثقافة الإنسانية المتميزة والحضارة العملية المنتجة لقيم وممارسات المجتمع الصيني المعاصر. يمكن هنا ذكر البعض من معالم وقيم هذه الحضارة والتي تبدو في مجملها سهلة الفهم والإدراك ولكن صعبة التطبيق. بمعنى أن الصينيون يجسدون السهل الممتنع بمرجعية حضارة بناءة وهادفة بما فيها حتى التكيف مع أفكار وصناعة وتكنولوجية الآخرين بما يتلاءم وواقع الصين والشعب الصيني. حتى الاشتراكية الصينية فهي تتماشى مع العمق الإجتماعي والحضاري للشعب الصيني:

1 . العمل: من الصعب تصور صيني ولو عجوزا يخرج من بيته صباحا وليس له إرادة وعزيمة للإنتاج وفعل شيء ما، ليحس أولا أنه موجود وثانياً لإعالة نفسه بنفسه ومن خلال ذلك خدمة المجتمع وبلده. من مظاهر ارتباط الصيني بالعمل والإنتاج أني ذات مرة شاهدت تحقيقا تلفزيونيا قام به صحفي فرنسي من داخل الصين لقناة تلفزيونية فرنسية، ومن بين الأسئلة التي وجهها الصحفي الفرنسي لأحد الصينيين الذي كان رفقة أفراد من عائلته وجيرانه منهمكين في فتح الطريق الذي انغمر بالثلوج، ماذا لو أنكم قررتم ألا تفتحوا الطريق المنغمر بالثلوج، أجابه الصيني أن هذه الفكرة لن تخطر في أذهاننا أصلاً. تصوروا كيف أن الصيني يريد أن يعمل وينتج تحت أي ظرف أو شروط صعبة، ولا ينتظر الدولة أو يلقي باللوم عليها في أعمال هو قادر عليها. تمنيت أن يكون هذا نموذجا يُقتدى به في بلداننا على الأقل في النظافة وحماية البيئة، والتي هي مسؤولية فردية وأخلاقية قبل كل شيء، وعدم انتظار الدولة للقيام بالنظافة. تقديم الخدمة عند الصيني مهما كان نوعها هي إنتاج وشرف ويتباهى بها ويثمنها ويعمل من أجل إنجاحها وإعطاء أحسن صورة لها، من خلال التنظيم والترتيب والكيفية، وإظهار حبه لها والتباهي بتأديتها، من سائق سيارة أجرة، أعوان بالفنادق، عمال بالحدائق والأماكن العمومية، بائعين، عمال بالمصانع والمؤسسات الاقتصادية والتجارية والمالية والخدماتية، عمال أرض، إطارات موظفين مسؤولين، مثقفين...الخ.
2 . الانضباط: يعرف الصيني موقعه وأين تبدأ وتنتهي صلاحياته ولا يخرج عن هذا الإطار ويأخذ بالتوجيهات والواجبات التي تعطى له ولا يتصرف إلا من خلالها. لا يبادر إلا بما هو مخول له ولا يتدخل في شؤون الغير أو صلاحيات الآخر. عندما يكلف بمهمة يؤديها ولا يخرج عن هذا الإطار. الصيني لا يتصرف كشريك لصاحب المعمل أو كطرف موازي للمسؤول عنه. فهو يعتبر نفسه منتجا بالمؤسسة أو المعمل ونجاحها هي مهمته. المطالبة بالحقوق تأتي بعد تأدية الواجب وعادة تأدية الواجب كاملاً يؤدي إلى الحصول على الحق. بالصين هناك المعمل والعمل والعامل كل متكامل من أجل ضمان الإنتاج. محتوى وسلوك أخلاقي إنساني عالي المستوى سهل الفهم ولكن صعب التنفيذ بسبب غياب الإرادة.
3 . احترام الوقت: الصينيون يجسدون السهل الممتنع وهو احترام الوقت ويطبقون مقولة «أن الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك». الوقت بالنسبة للصيني هو عمل وإنتاج ومنفعة. تثمين وتقييم الوقت هي من أرقى القيم الأخلاقية والسلوكية. عدم احترام الوقت ليس فقط مساس بقيمته المعنوية والمادية بل مساس بالعلاقات الإنسانية والتزامات الطرف الآخر والآثار السلبية المترتبة عن ذلك لدى الجميع. من بين مظاهر التزام الصيني بالوقت إذا كان عندك مثلا موعد مع مسؤول صيني كمدير شركة مثلاً فإنك تجده في الوقت بالضبط، هو وطاقمه الإداري بمدخل المؤسسة عند الباب لاستقبالك بحفاوة وبروتوكول متميز. الهدف الآخر من ذلك هو أنهم يحسسونك بالانضباط بالوقت مسبقاً، حيث تأخرك يصبح غير مقبول لأنك تعرف مسبقاً بحكم التقاليد الصينية أن هناك أناساً واقفين خارج المؤسسة في انتظار استقبالك. من مظاهر احترام الوقت كذلك أن الصيني لا يضيع الكلام أو النشاط غير المنتج فعندما تقابله أثناء العمل وتحاول الحديث معه خارج الموضوع لا يتجاوب معك لأن برنامجه محدد ومكثف ومرتب... الذي لا يتكلم ينتج كثيراً بسرعة وإتقان، والقائمة طويلة لمثل هذه المظاهر.
4 . الثقة في النفس: ذهنية الصيني وثقافته مشحونة بمرجعيتهم الحضارية المتأصلة بما فيها اعتبار دولتهم مركز العالم وليسوا بحاجة للتوسع. حصانة ومحتوى الحضارة الصينية في القناعة بأن العالم يجب أن يكون أسرة واحدة، وضرورة الاعتماد على النفس، واستيعاب الحكمة المفيدة، خلقت في المجتمع الصيني ثقة بالنفس، واعتزاز بقوميتهم. يعتبرون حضارتهم مصدر إلهام وتجارب نموذجية للآخرين بما فيها الغرب. الصيني يتكلم أو يحاور أو يتصرف مع الغير بما فيها دول عالم الشمال (أوربا وأمريكا الشمالية) دون عقدة وينطلقون من مبدأ المعاملة بالمثل مع الوعي بخلفية الهيمنة التي مارسها الغرب ضد الصين بدءاً باحتلال البرتغاليين لمنطقة ماكاو (القرن 16)، حرب الأفيون (1840) واحتلال هونغ كونغ من طرف بريطانيا (1842)، ودعم الغرب بقيادة الولايات المتحدة لفصل تايوان عن الأرض الأم بعد الحرب العالمية الثانية. يمكن هنا ذكر مظهر من مظاهر ثقة الصيني بنفسه، أنه بعد تأسيس جمهورية الصين الشعبية (1949) صرّح الناطق الرسمي بالبيت الأبيض قائلا أننا لا نعترف بهذه الدولة، فرد ماو تسي تونغ القائد الصيني قائلا «نحن دولة تعترفون بها أو لا تعترفون فهذه مشكلتكم وليست مشكلتنا».
5 . الاعتماد على النفس: الصيني من سنّ الطفولة إلى سن الشيخوخة، كفرد أو كعائلة أو كمجتمع أو كقيادة ينهض في الصباح وكله عزيمة لفرض وجوده كما هو وتوظيف نفسه للمحيط الخارجي للاستفادة منه وليس انتظار الطرف الآخر لإعالته أو التضامن معه أو التوسل له. ثقافة الاعتماد على النفس كونت لدى الصيني روح الابتعاد على الاتكال وانتظار الغير لإيجاد الحلول للمشاكل التي قد تواجهه أثناء تأدية عمله أو واجبه أو التزاماته المهنية ودون تضييع الوقت بطلب التفاصيل والتي كثيرا ما تستعمل من طرف العمال والموظفين بعالمنا العربي كحجة أو مبرر للتهرب من الواجب والمسؤولية والعمل المنتج.
6. الوطنية المتجذرة: تتميز حضارة الصين العريقة بغرس وطنية قوية عميقة لدى الصيني لدرجة التضحية بالمصالح الخاصة من أجل حماية وطنه وإبراز أرقى صورة عن بلده . في الحدث العالمي الكبير الذي احتضنته الصين والمتمثل في تنظيم الألعاب الأولمبية (أوت 2008) والتي نجحت فيها بامتياز لسبب أساسي هو مشاركة الجميع كمتطوعين في كل نشاط أو تنظيم للحدث. المتطوع يدفع من جيبه حتى تكاليف التنقل والاتصال الهاتفي من أجل إنجاح مهمته. الآباء والأمهات كانوا دعما ماديا ومعنويا لأبنائهم وبناتهم لإنجاح الحدث.
7 . تجذر الثقافة التجارية والليبرالية لدى الصيني: ليس صعبا أن نجد جوابا لماذا الصينيين تكيفوا بسرعة مع اقتصاد السوق والليبرالية رغم أن النظام السياسي نظريا اشتراكي المحتوى والهيكلة. إن الصيني بطبيعته عبر المراحل التاريخية للصين (قديما مع العرب ومن خلالهم مع الأفارقة كان طريق الحرير) كان دائما يمارس التجارة واقتصاد السوق وحتى أثناء أشد مراحل الاشتراكية (1949 تاريخ انتصار الثورة - 1978 بداية الإصلاحات والتحديثات الأربعة).
سياسة الصين الحالية اختيار أمثل في توظيف المركزية الديمقراطية من الجانب السياسي حفاظا على الوحدة الوطنية واستكمال استرجاع أراضيها من جهة وضمان الاستقرار الاجتماعي لأكثر من مليار و300 مليون صيني. مسؤولية يفترض أن يشاركها الجميع خاصة الدول الكبرى لأن ذلك ليس فقط لخدمة الشعب الصيني والوحدة الصينية بل خدمة لاستقرار العالم وخاصة العالم الغربي الذي يتحسس للهجرة. تصوروا فقط لو أن 10 مليون صيني هاجر للغرب كيف سيكون موقف وسلوك الدول الأوربية ودول أمريكا الشمالية. هم الآن رافضين الأعداد المحدودة من المهاجرين ناهيك عن ملايين من الصينيين. على الغرب ترك الصين وشأنها فإنها كما هي الآن حل لربع سكان العالم. إمكانيات الصين أقل بعشرات المرات من إمكانيات أوربا ولكنها تُعيل شعباً تعداده حوالي خمس مرات سكان أوربا. هنا يجب التذكير أن اقتصاد الصين كدولة يأتي في المرتبة الثالثة أو الثانية في العالم، ولكن من حيث الدخل الفردي فإنها تحتل المرتبة 106 بعد عشرات الدول من عالم الجنوب.
8 . التوظيف البناء والإيجابي لتجارب الغير: الصينيون لا يضيعون وقتهم في تكوين لجان لدراسة المشاريع والتخطيط لها قبل الإطلاع على تجارب الآخرين ومحاولة الاستفادة منها. يعرف الصيني مسبقاً أنه أن تشكيل لجان محلية وتنظيم اجتماعات مملة واستهلاكية لا تقود إلاّ للركود ومضاعفة البيروقراطية والنظرة الأحادية للأشياء.
استطاع الصينيون أن يستفيدوا وينتفعوا من تجارب الغير ويستغلونها لدرجة أن الشركات العالمية الكبرى المعروفة في مجال الصناعة والتكنولوجيا هي موجودة الآن في الصين وتصدر لدول مصادر نشأتها بأوربا وأمريكا الشمالية. المدن والقرى الصينية هي ورشة إنتاج صناعي واقتصادي وتكنولوجي بكيفية ونوعية استطاعت أن تتوسع وبكثافة في الأسواق الأوربية والأمريكية، لدرجة أن نائب الوزير الأول الصيني السيد وانغ كيشان (Wang Qichan) خلال زيارته إلى الولايات المتحدة الأمريكية للمشاركة في منتدى اقتصادي صيني - أمريكي (27-29 جويلية 2009) وجّه نصائح للأمريكيين متضمنة ضرورة تحديث اقتصادهم مع سرعة الاقتصاد والصناعة التكنولوجية العالمية تفادياً لمضاعفة الأزمة المالية التي تعيشها الولايات المتحدة الأمريكية.
9 . الإدارة العلمية بتوظيف واستغلال الكفاءات في مختلف المجالات ورسكلتها دورياً لتساير أحدث التطورات العلمية والتكنولوجية. ما ينقصنا في الوطن العربي أن الإدارة موجودة والعلم أو الكفاءات موجودة، ولكن الجمع بين الاثنين لا يرقى لمستوى إعطاء دفعة قوية وسريعة للتطور الصناعي والتكنولوجي.
10 . البحث العلمي بالصين أولوية قصوى في سياسية وبرامج الصين الوطنية. تخصص الصين سنوياً نسبة تتراوح ما بين 2 و3% من الميزانية للبحث العلمي، ومخطط لها أن تصل إلى 3.5 و4.5% من ميزانية الدولة. خلافاً للدول العربية التي لا تتجاوز نسبة 0,25% من الدخل القومي، مع التباين من دولة عربية إلى أخرى.
11 . التعامل مع الحصار: لم يضيع الصينيون الوقت كثيرا من أجل مواجهة الحصار الذي عاشه بلدهم لأكثر من 30 سنة (من 1949 إلى نهاية السبعينيات من القرن الماضي). دخول الصين إلى منظمة الأمم المتحدة (1971) واسترجاع مكانتها في مجلس الأمن كان مسارا دبلوماسياً لم يرافقه مسار سياسي واقتصادي إلا بعد إقامة العلاقات الدبلوماسية الرسمية مع الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1978. عملت الصين على اختراق الحصار من خلال الاتصال بالشعوب ودعم حركات التحرير وتكثيف الاتصالات الدبلوماسية مع الدول التي أقامت معها علاقات دبلوماسية وتصرفت على أسس اقتصادية بناءة وإيجابية مع دول عالم الجنوب كما سيذكر لاحقا.
«يتبــــع»