طباعة هذه الصفحة

الأستاذ الجامعي محمد حشماوي:

تحققت مكاسب والضعف في مؤشرات التنافسية والشفافية والابتكــار

حاوره: سعيد بن عياد

يشخص محمد حشماوي استاذ الاقتصاد بجامعة الجزائر المؤشرات الحالية لمناخ الاستثمار مقدما خيارات تحسين المؤشرات الجوهرية لبلوغ النجاعة ومن ثمة بانجاز أهداف النمو، كما يسلط الضوء على مختلف جوانب قاعدة الشراكة الأجنبية التي تمنح أفضلية للجانب الوطني مبرزا في هذا الحوار استمرار ضعف الشراكة الاقتصادية الوطنية في مختلف القطاعات بالرغم من وجود عناصر ايجابية في السوق الاستثمارية.
بخصوص تشخيص المؤشرات الراهنة للاستثمار وما ينبغي القيام به للرفع من النجاعة يوضح استاذ الاقتصاد بجامعة الجزائر محمد حشماوي أن» المناخ الإستثماري هو مجموعة من العوامل السياسية، الاقتصادية، القانونية والاجتماعية والمؤشرات والأدوات التي تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على القرارات الاستثمارية وتوجهاتها، هذه العوامل يمكن أن تكون عوامل مساعدة على جذب الاستثمار كما يمكن أن تعمل على طرد الاستثمار مشيرا إلى أن الاستقرار السياسي، الحكومة الاقتصادية، حجم السوق والأداء الاقتصادي، درجة المنافسة، الموارد البشرية المؤهلة، مدونة قوانين العمل واستقرار التشريعات، شفافية المعاملات التجارية والتسهيلات والحوافز الجمركية والجبائية، وحركة رؤوس الأموال والأنظمة المالية والمصرفية الحديثة والبنى التحتية كلها عوامل تشكل في حالة وجودها بيئة استثمارية ملائمة تساعد على جذب الاستثمار وفي حالة غيابها أو وجودها بشكل سلبي فإنها تعمل على طرد الاستثمار.
 ولذلك إن تقييم المناخ الاستثماري بالجزائر يحتاج إلى دراسة تأثيرية على حجم الاستثمارات والأداء الاقتصادي ومكانه أو رتبة الجزائر في المؤشرات النوعية والكمية العالمية للمناخ الاستثماري، علما أن الجزائر عملت من خلال الإصلاحات السياسية والاقتصادية والبرامج التنموية المختلفة على تحسين مناخ الاستثمار، لكن رغم فرص الاستثمار المتاحة وتوفير الكثير من العوامل المؤثرة إيجابيا في هذا المناخ كالاستقرار السياسي والأمني والحفاظ على التوازنات الاقتصادية والمالية الكبرى والتغييرات في القوانين المتعلقة بالاستثمار والتحفيزات الجبائية والمالية تبقى الجزائر تعاني من ترتيبها العالمي المتدني في العديد من المؤشرات كمؤشر التنافسية، مؤشر الأداء الاقتصادي، مؤشر الحرية الاقتصادية، مؤشر الشفافية، مؤشر القدرة على الإبداع ومؤشرات أخرى.
فالتأخر حسبه في هذه المؤشرات يدل على أنّ الجزائر، رغم المجهودات المبذولة لتوفير بيئة استثمارية ملائمة لا زالت أمامها تحدّيات متعددة لبلوغ الأهداف المرجوة من الاستثمارات الوطنية والأجنبية وهذا بسبب وجود الكثير من العراقيل والمعوقات لهذه الاستثمارات، وتتلخّص هذه المعوقات في ثقل الإدارة وبيروقراطيتها وتداخل المهام فيما بينها، فإذا كان قرار الاستثمار يتطلب بضعة أيام في بعض البلدان فإنه يحتاج إلى شهور بالجزائر. كما تشخّص هذه المعوقات إيضا في عدم استقرار التشريعات والقوانين وتعدد الإجراءات الجمركية والجبائية وتعدد الجهات الراعية للاستثمار بالإضافة إلى مشاكل العقار وضعف الجهاز المصرفي وضعف السوقال مالية الخ.. كل هذه العوائق تستدعي المزيد من الجهود والإصلاحات على جميع الأصعدة لتوفير بيئة استثمارية ملائمة تساعد على جذب الإستثمار بدل طرده.
فرص ثمينة تفتقر للترويج الاستثماري
وحول رؤيته لشروط تحسين مناخ الاستثمار والرفع من النجاعة أشار محدثنا إلى أنه بالرغم من توافر العديد من الفرص الإستثمارية في العديد من القطاعات الإقتصادية، كقطاع الخدمات، قطاع الصناعات الغذائية، قطاع الصناعات المكانيكية، قطاع  الزراعة ورغم الجهودات المبذولة لتحسين البيئة الاستثمارية من خلال برامج دعم النمو الاقتصادي منذ مطلع الألفية الثالثة، والتي حققت بعض النتائج الإيجابية كتحسين مؤشر البنى التحتية ومؤشر التنمية البشرية بفضل الاستثمارات العمومية لا زالت هذه البيئة الاستثمارية في حاجة إلى المزيد من التحسينات لتصبح قادرة ومنافسة على جذب الاستثمارات، فالمستوى الضعيف لتسويق فرص الاستثمار لا يعكس الواقع الحقيقي لهذه الفرص وهذا يتطلب سياسة ترويجية فعّالة ضمن استراتيجية متكاملة للترويج. كما يتوقف توفير مناخ استثماري ملائم على تطوير وتحديد الجهاز المصرفي وتفعيل المنافسة بهذا القطاع بتنويع الخدمات وجودتها ومواكبة التطورات التكنولوجية الحديثة والتشجيع على الاندماج في الأسواق المالية العالمية وتطوير أسواق رؤوس الأموال بحيث أصبحت هذه الأسواق وجهة الإدخار وتوظيف الأموال من جهة، ومصدرا أكثر استقرارا وأقل تكلفة لتمويل المشاريع الاستثمارية من جهة ثانية.
وعلى صعيد الحوكمة السياسية والاقتصادية، على الجزائر تعزيز الديمقراطية والشفافية على جميع الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ومحاربة الفساد والبيروقراطية وذلك بتحديث الإدارة واستعمال الوسائل التكنولوجية الحديثة في المعاملات والأعمال الإدارية والتجارية والمالية وتعزيز القوانين الرادعة لهذه الظواهر السلبية. فتوفير هذه الشروط وإيجاد حلول لمشكلة العقار وأسعار الصرف وحركة رؤوس الأموال والأرباح تساعد بشكل كبير في وضع مناخ استثماري منافس ومستقطب بالاستثمارات الوطنية والأجنبية.
قاعدة 51/49 تحتاج للمرونة والشراكة مصدر للتنويع
وبشأن ما إذا كانت قاعدة ٥١ / ٤٩ تعيق الاستثمار بالشراكة يؤكد الأستاذ حشماوي أن إقرار هذه القاعدة عرف جدلا واسعا وسط السياسيين والاقتصاديين والمستثمرين فمنهم من رحب بهذا الإجراء ومنهم من انتقده واعتبره عائقا للاستثمار. لذلك يضيف» ينبغي وضع هذا الإجراء في سياقه بحيث جاء في ظرفية اقتصادية عالمية وطنية متأزمة، فانعكاسات الأزمة الاقتصادية العالمية من جهة وانخفاض أسعار أهم مورد للجزائر وارتفاع التحويلات إلى الخارج والفراغات القانونية في القوانين الضابطة للاستثمارات الأجنبية من جهة ثانية دفعت بالجزائر إلى إقرار هذا الإجراء لتأطير الاستثمار والحفاظ على التوازنات المالية».
 فهذا الإجراء سيزول بزوال أسبابه، لكن الآن يحتاج إلى مرونة في تطبيقه بالإضافة إلى حق المستثمر الأجنبي في اختيار شريكه أو شركائه ينبغي السماح لمن يملك الخبرة والتكنولوجية وتقنيات الإدارة الحديثة بإدارة هذه المشاريع، كما ينبغي عدم تطبيق هذا الإجراء على جميع القطاعات الاقتصادية حتى لا تشكل عائقا للاستثمار ومن ثم عائقا لتحقيق أهداف التنمية. فينبغي أن يقتصر هذا الإجراء على القطاعات الإستراتيجية التي يمكن أن تتغير حسب الإستراتيجية التنموية، وترك باقي القطاعات للمفاوضات والاتفاقات حتى تكون هناك مرونة أكثر في التعامل مع الشريك الأجنبي.
وبخصوص الشراكة الوطنية التي لا تزال محدودة ومسببات ذلك خاصة عنصر أوضح أنه في ظل الوضع الاقتصادي الصعب الذي تمر به الجزائر، من انخفاض أسعار النفط بـ ٧٠ ٪ وتآكل الاحتياطات من العملة الصعبة وضعف إيرادات الصادرات خارج المحروقات وسقف الإنتاج الوطني كلها تشكل تحديات ينبغي رفعها للحفاظ على وتيرة التنمية والشراكة تبقى خيار من الخيارات الضرورية لمواجهة هذه التحديات، فبفضل الشراكة المحلية والأجنبية تستطيع الجزائر الحصول على مصادر جديدة لتحويل وتنويع اقتصادها وإحلال إرادتها التي أصبحت تشكل عبئا ثقيلا على خزينة الدولة. ويخلص الأستاذ إلى انه «بالاعتماد على الشراكة بشرط أن تكون متنوعة ومتعددة وأن تكون على أساس مبدأ «رابح - رابح» يساعد على كسب الخيرات وتحويل التكنولوجيات الحديثة وتعزيز القدرة التنافسية للمؤسسة الجزائرية وترقية الصادرات خارج المحروقات للانتقال من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد منتج.