طباعة هذه الصفحة

منشغلا بمعركته الخاسرة في الصحراء الغربية

المغرب يعجز عن احتواء احتجـاجـات الحسيمة

فضيلة دفوس

بينما توجّه المملكة المغربية بوصلة اهتمامها تجاه أفريقيا، وتركّز جلّ اهتمامها لسدّ منافذ الشرعية في وجه الشعب الصحراوي، أخذ ضجيج الغاضبين المتفجّر بمدينة الحسيمة  منذ نهاية  اكتوبر الماضي يتصاعد ويشتدّ، منذرا بأزمة نراها تستفحل وتجرّ السلطات إلي مأزق حقيقي، خاصة بعد أن فشلت كل محاولاتها ومبادرتها في إزالة فتيل التوتر.
رغم مرور أزيد من ستة أشهر على اندلاعها كردّ فعل غاضب على مصرع بائع السمك محسن، فإن الاحتجاجات التي تشهدها مدينة الحسيمة الواقعة بريف المغرب، لم تفقد زخمها ولا حدّتها، بل على العكس تماما، فهي ماضية في الاتساع رغم ما يواجهه المحتجون من عنف تارة، ومن مسيرات مضادة ووعود لا تنفذ على أرض الواقع تارة أخرى.
وقد حذّر ناشطون من مغبة الاستهانة بالاحتجاجات، واعتبروا أن الدولة أخطأت عندما تجاهلت مطالب المحتجين، مؤكدين ضرورة فتح حوار مباشر مع المعنيين، ومشدّدين على أن خيارات الردع وأسلوب التجاهل أو استخدام العنف من طرف الدولة لا يمكنه أبدا أن يطفئ نار الغضب الشعبي المتنامي.
إن المملكة بشهادة النشطاء، جرّبت جميع الخيارات الردعية من أجل إنهاء ما أسموه حراك الحسيمة، بدءا بسياسة التجاهل والهروب إلى الأمام، مرورا باستخدام العنف، ووصولا إلى اخراج مسيرات مناوئة، لكن رغم ذلك، فإن رقعة الاحتجاجات تتسع يوما بعد يوم مشكّلة تحديا كبيرا يجد المغرب صعوبة خارقة في مواجهته.
القطرة التي أفاضت الكأس
بدأت الاحتجاجات في مدينة الحسيمة بشمال المغرب مباشرة بعد سحق بائع السمك محسن فكري في 28 أكتوبر الماضي داخل شاحنة للنفايات، وقد اعتقدت السلطات حينها بأن الأمر يتعلق بردّ فعل غاضب سرعان ما ينتهي وتعود المدينة المتمرّدة إلى حياتها الطبيعية، لكن رهان الدولة كان خاسرا، حيث تمدّدت رقعة الاحتجاجات وتوسعت مطالبها من الدعوة إلى محاسبة ومعاقبة المتسببين في مصرع فكري إلى المطالبة بتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لسكان المنطقة.
 وحسب المتتبعين للشأن المغربي، فإن منطقة الريف ظلّت دوما تعيش أزمة كبيرة مسّت الجانب الاقتصادي والاجتماعي، فكل القطاعات الاقتصادية بالإقليم مفلسة بالكامل أو على حافة الافلاس بدءًا بقطاع الصيد البحري (الشريان الحيوي الذي يغذي سكان الجهة) والذي انهار بشكل شبه كلي خاصة بعد هجرة البحارة ومراكبهم إلى المواني الأخرى، وكذلك قطاع التجارة الذي يشهد ركودًا إلى جانب القطاع السياحي الذي لم يتحسن بعد.
ومن أبرز المطالب التي رفعها المحتجون، الإسراع بالكشف عن مآل التحقيق في ملف وفاة محسن فكري والإفراج عن المعتقلين على خلفية الأحداث الأليمة التي أعقبت احتجاجات «إمزورن» و»بني بوعياش» وإعطاء الأولوية للمطالب ذات الطبيعة الاجتماعية المتعلقة بالصحة والتعليم والتشغيل عبر خلق مؤسسة جامعية ومستشفى للسرطان، وخلق فرص للشغل عبر تقديم تحفيزات وامتيازات ضريبية للمستثمرين.
المطالب كما يبدو مشروعة، لكن الاستجابة لها لم تكن في مستوى تطلّع سكان المنطقة، حيث يردّد المحتجون الذين يهزّون الشوارع مند نهاية العام الماضي، أن ما قدّمته الدولة حتى الآن، هي حلول آنية ترقيعية تجعل المواطنين يفقدون الثقة فيها وفي وعودها.
 كما يندد المحتجون بطغيان الهاجس الأمني للدولة الذي يخلق مزيدا من الاحتقان الاجتماعي والسياسي، خاصة  - كما يضيفون ـ وأن السلطة «جيشت «مجموعة من الأفراد يجوبون الشوارع بسياراتهم ويرددون شعارات تقدح المتظاهرين وساكني الريف ويتهمونهم بالخيانة والطموح الانفصالي، ليرد بعض المحتجين وتتدخل قوى الأمن وتحدث المواجهة.
تحذير من انفجار وشيك
استقبلت الأحزاب السياسية في عمومها أحداث الحسيمة بلغة اللامبالاة كالعادة، دون أن تسجل مواقفها في بيانات رسمية إزاء الاحتقان الشعبي المتواصل بمدينة الحسيمة، فيما التزمت الحكومة الصمت المطبق، غير أن هناك هيئات حقوقية وسياسية بادرت إلى التنديد بـ»التدخل الأمني العنيف»، ودعت السلطات السياسية إلى تنمية منطقة الريف.
واستنكرت جماعة العدل والإحسان في بيان لها، ما وصفته بـ»الحملة الإعلامية التضليلية التي تروجها وسائل الإعلام الرسمية في قلبها للحقائق من أجل تجميل وجه المخزن، وأجواء العسكرة التي تتعرض لها الحسيمة ونواحيها من تطويق وحصار ومطاردة».
من جهتها، أدانت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان استعمال القوة في منع التظاهر السلمي والتعبير عن الرأي، راصدة إنزالات أمنية كثيفة بمختلف أنواعها وصورها.
أما حزب «النهج الديمقراطي» اليساري فقد وصف أجواء وقائع الحسيمة بـ»المهينة لكرامة الريفيين الذين يتعرضون لنوع من التركيع السياسي شبيه بما تعرض له أباؤهم وأجدادهم خلال مراحل دامية عرفها تاريخ الريف المثخن بالجراح»، محملًا المسؤولية لـ»الدولة المخزنية  وبعض النخب السياسية الرجعية التي أنتجت في الريف مزيدًا من الخراب والتدمير الذي انفجر في وجهها كقنبلة»، كما يقول الحزب.
سياسة الهروب إلى الأمام لا تحل المشكلة
يصر المحتجون على مواصلة حركتهم إلى غاية تنفيذ مطالبهم، ويقولون بأن الدولة أخطأت عندما تجاهلت مطالب المنتفضين بالحسيمة وراهنت على عامل الزمن لطيّ صفحة هذه الاحتجاجات، لكن هاهي الاحتجاجات تتمدّد وتتوسّع وسياسة الهروب إلى الأمام لن توقفها، بل ما يوقفها، كما يشدّد قادة الاحتجاج - هو حوار مباشر دون وسطاء يبحث تنفيذ المطالب وفق الأولويات.
ويؤاخذ المحتجون تعامل الدولة مع هذا الحراك، حيث جرى تكليف وزارة الداخلية بهذا الملف رغم أن مطالبهم ذات طابع اقتصادي واجتماعي «وهذا يدل على أن الدولة ما زالت تعتمد المقاربة الأمنية بعيدا عن المقاربة التنموية»، كما يقولون.
 كما أدان نشطاء الاحتجاجات سياسة التضليل التي تتبعها الدولة مع هذه الأزمة، وتشير آخر التعليقات الرسمية على ما يحدث في الحسيمة وضواحيها إلى اتهامات مباشرة لوسائل الإعلام بممارسة التضليل، حيث نقلت وكالة الأنباء الرسمية بالمغرب عن والي جهة طنجة تطوان الحسيمة محمد اليعقوبي قوله إن وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي تصور الحسيمة مدينة مشتعلة «وهذا تضليل حقيقي، وتغليط لجمهور واسع، وتبخيس للجهود التنموية التي بذلتها الدولة في السنين الأخيرة».
وقلّل المسؤول المذكور من أهمية الحراك الذي تعرفه المنطقة، معتبرا أنه لا فرق بينه وبين المظاهرات التي شهدتها مدن أخرى من المغرب «لكن المحرضين ـ كما أضاف - يحاولون إعطاء صورة خاطئة عن المنطقة التي عرفت استثمار حوالي 25 مليار درهم (نحو 2.5 مليار دولار) خلال 12 سنة في برامج تنموية مختلفة بإقليم الحسيمة».
 يبدو بأن المغرب الذي ركز اهتمامه في المدة الأخيرة على إعادة تثبيت قدميه في افريقيا بغية محاصرة الجمهورية الصحراوية في القارة السمراء، ثم انشغاله بنهب ثروات الإقليم الذي يحتله وينتهك حقوق شعبه، غفل عما يعيشه من أزمات داخلية، كأزمة تشكيل الحكومة التي تمّ ّتجاوزها  بشقّ الأنفس ، ثم انفجار الوضع بالحسيمة و التهديد الذي يرافقه مع اصرار البعض على الانحراف بالمطالب الاجتماعية الى رفع مطالب انفصالية خطيرة .
و أمام هذا الوضع المحتقن، على المغرب ان يعيد حساباته ،سواء تعلّق الامر  بطريقة معالجة الوضع بالحسيمة، أو بموقفه المتعنت من القضية الصحراوية التي عليه أن يسوّيها وفق ما تقرّه اللوائح الأممية ليتفرّغ لشؤونه الداخلية التي يبدو بأنه تجاهلها تماما وهو يخوض معركة خاسرة ـ طال الأمد أو قصر ـ في الصحراء الغربية.