البذور الحلقة الضعيفة في سلسلة إنتاج الحبوب

دور مخابر البحث في تنمية أصناف محلية ملائمة وذات كثافة إنتاجية

سعيد بن عياد

الحلول لا يمكن أن تتأتى إلاباالعلم والبحث والحرص على رفع التحدّيات

«المعارك الدائرة حاليا عبر العالم تدور حول الغذاء وبالذات القمح والماء، والجزائر من البلدان المعنية أكثر بالنظر لحجم الإنفاق في تمويل عمليات استيراد كميات معتبرة، في وقت تتوفر فيه على موارد لها ثقل في المعادلة، من أراضي خصبة ومياه وسوق ناشئة».
تمثل البذور الحلقة الضعيفة في سلسلة إنتاج الحبوب، خاصة بعد أن تسللت أصناف من البذور المعدّلة لا يتعدى استغلالها موسما واحدا وتحتاج إلى مرافقة بأنواع خاصة من الأسمدة التي بدورها تنعكس سلبا على حالة التربة بحيث تفقد مكوناتها العضوية فتصبح مع مرّ الزمن غير صالحة للزراعة.
المفارقة في هذا القطاع الاستراتيجي أن منحى الاستيراد يفوق بكثير منحى الإنتاج المحلي، الذي يتأكد في كل موسم انه يتوفر على طاقة إنتاجية بفضل التربة وشساعة المساحة والمناخ في ظلّ تدعيمها ببرنامج السقي الفلاحي واسع النطاق.
في هذا الإطار، يبقى دور مخابر البحث التابعة لقطاع الفلاحة، وبالذات شعبة الحبوب، في صلب النقاش الدائر بشأن الخيارات الواجب انتهاجها لتقليص الاستيراد وتنمية الإنتاج الوطني، وهو منعرج حاسم في إرساء أسس التحرر من التبعية لبلدان تعتبر الجزائر سوقا مربحة، ومن ثمة من مصلحتها أن تعرقل كل مسعى يقود إلى بناء ومقومات زراعة محلية صلبة.
المعارك الدائرة حاليا عبر العالم تدور إلى جانب النفط، حول الغذاء وبالذات القمح (الذهب الأصفر) بنوعيه الصلب والليّن والماء (الذهب الأزرق)، وتعتبر الجزائر من البلدان المعنية أكثر بالنظر لحجم الإنفاق في تمويل عمليات استيراد لكميات معتبرة، في الوقت الذي تتوفر فيه على موارد لها ثقل في المعادلة، من أراضي خصبة ومياه وسوق ناشئة.
لذلك يتم إدراج هذا الملف في صدارة أولويات مرحلة التحول الاقتصادي الذي يرافق مسار التحول السياسي الجاري في ظل اتجاه الشركاء إلى طاولة الحوار الشامل والمفتوح انطلاقا من أرضية مشتركة تتمثل في خدمة المصلحة الوطنية انسجاما مع التطلعات التي يعبر عنها الشعب الجزائري، في لحظة ولادة لجزائر جديدة تقوم على قواعد المبادرة والشفافية والمنافسة النزيهة، خاصة وان البلاد تزخر بموارد بشرية وطبيعية تساعدها على الانطلاق مجددا باتجاه النمو وخلق الثروة.
هذا المسار القائم على عنصري الزراعة تتقدمها الحبوب والمياه يؤسس حقيقة لبناء اقتصاد اخضر مطابق لمعايير حماية البيئة بحيث يترتب عنه حتما تحسين معدلات الإنتاج وبالتالي تقليص الاستيراد وتوسيع الاندماج المحلي من حيث اليد العاملة في كل الاختصاصات والإمكانيات المادية بفضل انتعاش الصناعة التي تستفيد من هذا التحول المصيري الملح أكثر فأكثر في هذا الظرف.
بهذا الخصوص يبرز دور مخابر البحث في تنمية البذور المحلية ذات القدرة على المقاومة والكفاءة الإنتاجية من حيث الكثافة والنوعية، مما يعطي معنى ملموس لعلاقة الجامعة بعالم الاقتصاد في شقّ الفلاحة منه، وبالتالي المساهمة من الأساس في إرساء اقتصاد المعرفة، ذلك أن الحلول لا يمكن أن تتأتى سوى من العلم والبحث والحرص على رفع التحديات.
غير أن مثل هذا الطموح، الذي يبقى في المتناول إذا ما تظافرت الجهود والتفت حول خيار التخلص من الاستيراد الفاحش، يتطلب إعادة ترتيب العلاقة بين إدارة القطاع الزراعي ومحيطه الجامعي للعمل بشكل وثيق حول ملف البذور من اجل بلوغ الأهداف الكبرى في المدى المتوسط والطويل، علما انه لم يعد للخزينة العمومية القدرة على تحمل وتيرة إنفاق مرهقة بالنظر لتراجع المؤشرات المالية.
يتحمّل المزارعون في هذا الجانب مسؤولية أيضا من حيث ضرورة بذل الجهود في مجال تربية البذور التي تلائم التربة بحسب كل منطقة، خاصة وأن تاريخ الفلاحة وبالذات في مجال الحبوب يحفظ للأجيال السابقة مكاسب تؤكد مدى القدرة على إعادة إنتاجها اليوم، لكن بالعمل المخلص والمثابرة وإدراج الفلاحة مهما كانت مساحتها صغيرة ومحاصيله متدنّية ضمن التوجه الوطني للمساهمة في النمو عن طريق إنتاج الثروة والرفع من معدّل القيمة المضافة.
من الجانب الآخر ينبغي التوضيح أن لترشيد استهلاك المواد المنتجة من الحبوب ومشتقاتها تأثير ايجابي في تعزيز حوكمة تسيير المال العام المخصص للدعم وتموين السوق بمختلف المواد واسعة الاستهلاك، فلا يمكن أن تستمر ظاهرة تبذير الخبز والإلقاء به في النفايات في وضح النهار، كما تعكسه مشاهد يومية عبر مدن وقرى وحتى في أرياف، كانت في وقت مضى مصدر إنتاج هذه الثروة وتصديرها إلى أسواق عالمية، مستمدة قوتها من قيمتها الغذائية.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18126

العدد18126

الأحد 15 ديسمبر 2019
العدد18125

العدد18125

السبت 14 ديسمبر 2019
العدد18124

العدد18124

الجمعة 13 ديسمبر 2019
العدد18123

العدد18123

الجمعة 13 ديسمبر 2019