بعد أن حوّلته العصابة إلى «صناعة»

تتبــع آثــار الفساد ومكافحته في كل القطاعات

سعيد بن عياد

«إنّ شعار «اتّهام الجميع» يقود مباشرة إلى الانهيار، ذلك إن الإقصاء المطلق والعشوائي له نتائج وتداعيات عكسية لا يمكن أن تتحمّلها الأجيال»  بلغ الفساد وتيرة صناعية (صناعة الفساد) مثلما تكشف عنه يوميات مكافحته على مستوى آليات القضاء وأجهزة تتبع أثاره في كل القطاعات وعلى كافة المستويات لهرم المنظومة الاقتصادية والإدارية، التي ينتظر منها أن تستعيد حيويتها خاصة بعد أن حسمت الدولة خيار العودة إلى العمل لبناء اقتصاد منتج وتنافسي تحكمه معايير المبادرة والجودة والنجاعة.

 أمر طبيعي أن يتعثر مسار النمو في ظل هيمنة العصابة التي تمكنت من إحكام القبضة على مفاصل دواليب القرار الاقتصادي والإداري والسياسي قبل أن تسقط من برجها العاجي المغشوش بفضل يقظة والتزام القيادة العليا للمؤسسة العسكرية التي أدركت درجة الخطر على الأمن الوطني الشامل، ومن ثمة ضرورة وضع حد للمغامرين وإزاحتهم من المشهد.
مكاسب لم يكن أحد يتصورها تحقّقت استجابة لمطالب الشعب الجزائري وتجسيدا لتطلعات الحركة الاحتجاجية في نسختها الأصلية التي كانت تنادي بإنهاء توجه خطير كان سيؤدي بالبلاد إلى انهيار محتمل يصعب حينها النهوض منه مجددا.
من أبرز تلك المكاسب علاوة على الزج بالفاسدين والمفدسين في السجن لمحاكمتهم في انتظار جلب الذي فضلوا الفرار والتخفي في عواصم غربية، حيث يستنزفون الأموال المنهوبة بدون وجه حق، إعادة بعث ثقافة حماية المال العام حسن تدبيره لفائدة المجموعة الوطنية، في وقت يتزايد فيه هاجس تراجع مستوى احتياطي الصرف بالعملة الصعبة أمام ارتفاع سقف التطلعات التنموية المشروعة.
في هذا الإطار، فإن الدخول الاجتماعي وبالذات الشق الاقتصادي منه يعتبر منعرجا جديدا باتجاه إعادة وضع مسار النمو على السكة السليمة، وهو ما يرتقب أن يتضمنه قانون المالية للسنة القادمة عن طريق بناء ميزانية ترتكز على معيار خلق الثروة وإنتاج القيمة المضافة، واستئصال بؤر الفساد في مختلف القطاعات، حيث لا تزال بعض بقاياه من خلال أذناب العصابة تراقب وتترصد وتنتظر، أي تعثر تعتقده، والأخطر التسلّل إلى الشارع للعمل على محاولة توجيه مطالب «الحراك» والتأثير في أهدافه.
أمام التحديات المصيرية التي تلوح في الأفق، الاقتصادية منها والاجتماعية والأمنية، بكل المخاطر التي يمكن أن تنجم عن سوء التعاطي معها في لحظة تراجع للوعي وضعف تقدير جانب المسؤولية تجاه الوطن والشعب، جراء تعصب البعض لمواقفه وسوء تقدير البعض للعواقب التي يقود إليها الإفراط في الأنانية الحزبية والتزمّت الإيديولوجي، ليس هناك من مخرج من الأزمة سوى عودة كافة الشركاء إلى مسار الحوار الشامل ضمن المعايير التي يقتضيها التغيير الضروري، وبالتالي إبعاد وإقصاء الأشخاص الطبيعيين المتورطين في الفساد.
إنّ شعار «اتهام الجميع» يقود مباشرة إلى الانهيار، ذلك إن الإقصاء المطلق والعشوائي له نتائج وتداعيات عكسية لا يمكن أن تتحملها الأجيال، التي تتطلع لإدراك درجة متقدمة من الرفاهية والتنمية، في وقت تزخر فيه البلاد بموارد بشرية مؤهلة ولها الكفاءة، والتي يمكنها أن تساهم بفعالية في رفع التحديات وفقا لمقاربة ترتكز على المنافسة والإبداع والمبادرة ضمن التوجهات التي ترسم معالم المرحلة المقبلة التي تقودها النجاعة والالتزام بانجاز الأهداف المسطّرة.
غير أن مكافحة الفساد كخيار استراتيجي تقتضي العمل بشكل مكثف على مستوى ترسيخ ثقافة حماية المال العام والحرص على توظيفه بطريقة جيّدة من خلال توسيع نطاق أخلقة الحياة العامة، كصمام أمان يمنع الفرد أو المؤسسة أو المرفق العام من الوقوع في حقل الفساد، انطلاقا من قناعة راسخة بأن المصلحة الفردية تكمن في مدى قوة المصلحة العامة، وبالتالي من الضروري العمل حول تعزيز هذه الأخيرة لتكون القاسم المشترك بين أفراد المجموعة الوطنية، حتى يمكنها مواجهة العولمة والخوض في معاركها الشرسة للفوز بحصص في الأسواق وحماية الموارد من خطر الضياع.
حقيقة توجد عمل كبير ينتظر إصلاح المنظومة القانونية ذات الصلة مثلما داع إليه ووزير العدل من أجل تمكين العدالة من العمل في هدوء وضمن الآجال التي تتطلبها معالجة ملفات مكافحة الفساد، خاصة وأن حجما معتبرا بلا شك من الأموال المنهوبة تم تحويلها إلى الخارج، ويستدعي أمر التكفل بها وقتا وجهدا كبيرين، علما أن العصابة كانت قد وظفت إصلاح المنظومة القانونية لتمرير مشاريع تبين أنها تقلل من طابع جرائم الفساد بتصنيفها جنحة، وتقليص هامش تحريك الدعوى العمومية بوضع شروط تعيق مبادرة التنديد بالفساد في الحقل الاقتصادي بالأخص.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18121

العدد18121

الثلاثاء 10 ديسمبر 2019
العدد18120

العدد18120

الإثنين 09 ديسمبر 2019
العدد18119

العدد18119

الأحد 08 ديسمبر 2019
العدد18118

العدد18118

السبت 07 ديسمبر 2019