طباعة هذه الصفحة

السياحة تعـزّز مركزها في المشهد الاقتصـادي

خيـار السياحـة الحمويـة، التاريخيــة والدينيــة أقـــلّ كلفــة

سعيد بن عياد

تطهير العقار بجدّ وشفافية مع متابعة فعّالة للمشاريع

تأبى السياحة إلا أن تبقى بارزة في المشهد الاقتصادي الراهن، لكن كمحرك ساكن، لا يزال يتطلع إلى بلوغ وتيرة نمو مقبولة بالرغم من تسجيل بعض التحسنات في الأداء وطاقة استيعاب الطلب الداخلي بالأخص في موسم الاصطياف.
حسان مرموري، وزير السياحة القادم من الجنوب، بإرادة العمل على انجاز ما ينتظر قطاعه ضمن مخطط الحكومة الذي يدرج السياحة في مقدمة المجالات التي يراهن عليها في بناء اقتصاد متنوع وإحداث “القطيعة الايجابية” مع المحروقات، أشار مؤخرا إلى أن طاقة الاستيعاب السياحي على مستوى الشواطئ والمركبات والفنادق بلغت أعلى المستويات من خلال رصد مؤشرات الإقبال ودرجة تلبيتها.
غير انه أكد أن العمل لا يزال ينتظر الكثير في انتظار استلام مشاريع سياحية مختلفة يجري انجازها وتستدعي تسريع وتيرة العمل في الورشات لإدراك الآجال تحسبا لارتفاع درجة التنافسية في السياحة على صعيد الأسواق الإقليمية والعالمية حيث تعدت بعضها مستويات متقدمة في الجذب السياحي من خلال تنويع العروض وتسويق تجاري فعّال لها.
لا تزال المعضلة تكمن في ارتفاع أسعار الإيواء الفندقي وضعف الخدمات وقلة التكفل مقارنة بوجهات في الخارج تعرف كيف تكسب إقبال الزبائن من خلال الحضور والاستجابة للطلب بكل أشكاله ناهيك عن النظافة.  ينطلق التحوّل من إعادة تصحيح هذه المعادلة لكبح هجرة السياح الجزائريين وإعادة ربط ثقتهم في الوجهة المحلية التي تحتاج أيضا إلى ترقية المحيط الإنساني، خاصة وان عوامل النجاح متوفرة أبرزها مناخ الأمن والسكينة ووفرة المواد الغذائية.
لكن السياحة ليست إطعاما وإيواء أي سياحة الاستجمام فقط بقدر ما هي سوق واسعة يمكن الاستثمار في جوانب عذراء منها بأقل كلفة مثل السياحة الحموية والدينية والتاريخية.  تتوفر البلاد على مواقع للمياه المعدنية في الهضاب العليا والجنوب يمكن تطويرها إلى محطات صغيرة ومتوسطة الحجم تتناسب مع القدرات الراهنة الطبيعية والاقتصادية وإدراجها في المنظومة الشاملة للتنمية المحلية.  لا ينبغي البقاء رهينة تصوّرات لمشاريع ضخمة بصيغة المركبات التي تتطلب موارد مالية مرتفعة، إنما يمكن التأسيس لانجاز مشاريع محلية يمكن ان تتطور مع الوقت وفقا لدفتر شروط صارم ودقيق يراعي جانب البيئة والاستغلال العقلاني للمياه الطبيعية الباطنية مع إدراج نشاط استرجاعها للتصفية والتطهير لاستعمالات أخرى.
كما للمواقع التاريخية التي ترمز لمختلف المراحل التي مرّت بها الجزائر خاصة تلك التي لا تزال تقاوم الزمن وأخرى شاهد حي لمرحلة الوجود الاستدماري وثورة التحرير التي اقتلعته من جذوره بفاتورة تبقى كمفخرة لجيل نوفمبر ذات أهمية وثقل في الترويج للتنوع السياحي بحيث يوجد فراغا كبيرا في جذب هذا النوع من السياحة الموجه لفئات محددة بما في ذلك إمكانية عرض خدمات للمهتمين من وراء البحر، علما أن في أوروبا خاصة يوجد نشاط منتظم في هذا الشأن من خلال جولات وزيارات مؤطرة لفائدة زبائن يستهويهم التاريخ وتحفزهم الذاكرة، ناهيك عن الباحثين والدارسين لفائدة مراكز ومعاهد متخصّصة.
 حتى السياحة الدينية قادرة على أن تساهم في تنمية هذا القطاع بفضل محطات لزوايا ومساجد ومواقع يمكن أن تستهوي الكثيرين شريطة توفير الشروط المطلوبة للتكفل بهم من مرافق إيواء مواتية تستجيب لمعايير الجذب وإطعام محلي بالخصوص، مما يعطي فرصا للصناعة التقليدية والطبخ المحلي للنهوض لتلعب دورها في الرفع من وتيرة النمو مع وضع الربح المباشر هدفا ثانيا بعد الأول المتمثل في تأكيد ديمومة النشاط وربط الصلة الوثيقة بالزبائن.
 في خضم هذا التوجه الذي ينبغي الانطلاق في تجسيد معالمه مبكرا حتى يكون موسم السياحة الشتوية في الموعد المقبل، ينتظر أن تنخرط الجماعات المحلية وكل المتدخلين في ديناميكية الدفع بالسياحة المحلية المنفتحة على النشاطات ذات الصلة بالسوق مثل الصناعة التقليدية التي يجب أن تخرج من طابعها المحدود لتنفتح على المجتمع من خلال مراجعة قوة العرض ومستويات الأسعار وكل النشاطات الأخرى على بساطتها من إطعام محلي خالص وبيئة نظيفة ووسائل تنقل تقليدية.
للإشارة، عدة بلدان حققت قفزة بأبعاد اقتصادية بإمكانيات قليلة حيث عرفت كيف تستثمر في الخصوصيات المحلية وتسويقها من خلال استثمارات تقوم على الجانب اللامادي للسياحة وترويج تنوعها الثقافي إلى درجة أن هناك وجهات عبر العالم تستقطب السياح بأعداد قوية تبحث عن نفس جديد في ظل تكفل لا يتطلب موارد كثيرة.
 في هذا الإطار، فإن الانطلاق من مقاربة جديدة للتشخيص والاستشراف مغايرة للأسلوب التقليدي القائم على التقارير الإحصائية والتلاعب بالأرقام يمثل مفتاح الخروج من الوضعية الراهنة إلى رحاب سوق سياحية أكثر حركية وزخم في النشاط بالمدلول الاقتصادي والمالي، تحكمها ورقة طريق النجاعة، تبدأ بتطهير العقار السياحي بجد وفعالية وفي شفافية إلى متابعة انجاز المشاريع الجارية وبعث استثمارات ذكية ومندمجة تضع السياحة في جوهر مشاريع متكاملة ذات كلفة أقل وجاذبية أكثر.