عيد الأضحى يحدث حركية في السوق

انتعـاش تجـارة المواشـي والنشاطات ذات الصلــة

سعيد بن عياد

 تحسين الاستثمار الفلاحي وتربية الحيوانات ضمن إستراتيجية جوارية
 ثروة حقيقية يمكن أن تساهم في تنمية الموارد وتنشيط الصناعة التحويلية

بعثت تجارة الماشية حركية دؤوبة في السوق على مستوى المدن، حيث تشهد الأحياء والسكنية نشاطا متميزا من خلال دخول كبش العيد كمادة تجارية محفزة حررت عدة نشاطات ذات صلة مثل الحدادة وتأجير المحلات والنقل العمومي والحراسة والبحث عن الزبائن، وجد فيها البطال والموظف والمتقاعد فرصة لتحقيق دخل إضافي ولو في فترة زمنية بين شهر وأسبوعين.
علاوة على ثقل المناسبة الدينية، ذات التداعيات الاقتصادية بالنسبة للبعض كونها مصدر دخل إضافي وللبعض إنفاق، وان كان ضروريا من جانب الشريعة الإسلامية لمن لديه القدرة، فإنها موعد اقتصادي وتجاري بامتياز تتداخل فيه المصلحة بالقيم المرجعية، ليجد كل واحد موقعه على درجة ما يتوفر لديه من مال.
لأول وهلة يشتكي الجميع من لهيب الأسعار بدءا من الموال الذي يكثر الصراخ ويبحث عن مبررات الغلاء، والتي فيها جانب موضوعي مثل كلفة تربية المواشي على غرار العلف، إلى المستهلك متوسط ومحدود الدخل الذي يتقدم طواعية إلى “مقصلة السوق” مخيرا بين إدخال الفرحة في قلب أسرته من عدمها أو مجبرا بقاعدة تقديم الأضحية التي تجر معها عدة أنشطة ثانوية لكنها مربحة لأصحابها.
 يسجل ارتفاع في أسعار المواشي مع اقتراب يوم النحر بحيث بلغت بورصة كبش العيد المكتمل والجذاب إلى معدل 7 ملايين سنتيم بالعاصمة وضواحيها، والسبب لا يكمن فقط في جانب الجودة وإنما يشمل المضاربة التي لا تزال تلقي بظلالها على سوق الغنم خاصة في مواعيد يصل فيها الطلب إلى الذروة مثل عيد الأضحى في كل سنة.
 تلعب عوامل أخرى دورها في الإخلال بالعرض والطلب مثل الأفراح التي تصنع صيفيات المجتمع الجزائري والقدوم المكثف لأفراد الجالية المقيمة بالخارج والسياح إلى جانب  رفع  وتيرة عمل الفنادق والمطاعم مما يؤثر على سعر اللحوم الحمراء خاصة. ويعكس هذا وجود سوق مربحة تشجع  الاستثمار فيها بمشاريع كبرى ومندمجة ينطلق من تربية المواشي إلى زراعة العلف وكذا بناء مصانع للتحويل وفقا لمؤشرات السوق المحلية والخارجية التي تراهن على المنتجات الفلاحية والحيوانية النقية من الإضافات أو ما يعرف “بيو”.
 في هذا الإطار كان لكبش العيد مفعوله في الساحة من خلال انتعاش خدمات تختفي طيلة السنة على غرار الحدادة لسن السكاكين وأدوات تقطيع اللحم وتأجير محلات حتى داخل الأحياء الحضرية في قلب العاصمة مرورا برواج خدمات الحراسة والنقل بالمركبات الصغيرة وبيع العلف وغيرها من الأعمال المرتبطة بالسوق بما في ذلك البحث عن زبائن خاصة من أصحاب المال.
 اظهر العيد مرة أخرى أن المسافة قريبة بين الشباب من سكان المدن ونظرائهم من سكان الريف بعد أن جمعهم كبش العيد، مما يؤكد قابلية الإنسان في المدينة لممارسة الفلاحة بدليل تعاطيهم مع المواشي بإتقان لفنيات التكفل بالماشية والتعامل معها وكذا بيعها مقابل تحقيق مداخيل تفوق التوقعات. ويتأكد مجددا الدور الكبير للفلاحة في توفير فرص عمل وتأمين دخل مالي لو يبادر الشباب في المدن بالتوجه للعمل في الهضاب العليا والجنوب ضمن مشاريع استثمارية في كل النشاطات الفلاحية من تربية الأغنام والأبقار والزراعة المختلفة.
غير أن بناء هذا التوجه يتطلب مرافقة مدروسة من الجهات المعنية بالاستثمار الفلاحي وتربية الحيوانات ضمن إستراتيجية استثمارية جوارية ترتكز على معادلة اقتصادية ترمي إلى تحقيق أرباح تصب في خانة النمو خارج المحروقات الذي يمثل حجر الزاوية في النموذج الاقتصادي الجديد الجاري ضبط معالمه وفقا للحقائق على الأرض.
 تعتبر المواشي ثروة اقتصادية حقيقية يمكن أن تساهم في تنمية الموارد الفلاحية وتنشيط الصناعة التحويلية للحوم والجلود ومشتقات الأغنام مثل الصوف، لو تنخرط كل الجهات المعنية بالنمو في ديناميكية تأسيس أرضية متكاملة خاصة على مستوى المناطق السهبية وكل الجهات التي توفر عوامل نجاح مؤسسات من هذا النوع، خاصة وان أعمال التهريب تراجعت بعد أن دخلت الجهات المكلفة بحماية الاقتصاد الوطني المعركة.
 يتذكر الكثير كيف أن الجزائر استوردت الأغنام من الأرجنتين مما يؤكد أهمية هذا الفرع من النشاط في تنمية إيرادات الدول التي تفطنت مبكرا لهذا التحدي وأقامت مزارع في شكل محميات شاسعة للمواشي تدار بنظام تسيير عصري من كافة الجوانب إلى درجة أن هناك بلدان معينة تصنف من أول المصدرين للحوم المختلفة، بينما يمكن للجزائر أن تصبح كذلك لو ترسم إستراتيجية حول هذا الخيار ذي الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17796

العدد 17796

الأربعاء 14 نوفمبر 2018
العدد 17795

العدد 17795

الثلاثاء 13 نوفمبر 2018
العدد 17794

العدد 17794

الإثنين 12 نوفمبر 2018
العدد 17793

العدد 17793

الأحد 11 نوفمبر 2018