التمويل غـــير التقليـدي للاقتصــاد خيـار ظـرفي ومتحكـّم فيـــه

مرحلـة الفعاليـــة بحشـد المــوارد وتوسيـــــع نطـاق المبـادرة وتكييــف الخيارات

سعيد بن عياد

 إصلاح منظومة الجباية باعتماد آليات تشجع على دفع الضريبة
 تحقيق التوازنات المالية وتأمين عدم اللجـوء إلى الاستدانة الخارجية


يحدث في مسيرة أكثر من بلد أن يواجه أزمة مالية كما هو الحال بالنسبة للجزائر دون الاستسلام لتداعياتها، بل غالبا ما يكون التعامل معها بإرادة صلبة وفقا لرؤية واضحة المعالم تجعل من المخاطرة خيارا لا مناص منه لأدراك التوازنات الاقتصادية والمالية وتأمين عدم اللجوء إلى الاستدانة الخارجية بعد أن تخلصت منها البلاد.ضمن هذا التوجه يندرج اللجوء إلى اعتماد التمويل غير التقليدي للاقتصاد كخيار حتمي ولكنه ظرفي ومتحكم فيه من حيث حجم الكتلة النقدية التي تطبع والمدة الزمنية المحددة لاستعمالها وبالأخص الأهداف المسطرة لها، بمعنى تدقيق القطاعات والبرامج التي تستفيد من هذا التمويل.

 تحمل المؤشرات المالية الراهنة (توقع تراجع احتياطي العملة الصعبة إلى 97 مليار بنهاية السنة الجارية استنادا لتصريح وزير المالية) مخاطر على النمو الذي يبقى طوق النجاة الأول من مأزق توقف الاقتصاد وإصابته بالشلل في وقت بلغت فيه الجزائر مرحلة اللارجوع على طريق بناء النموذج الجديد وفقا لخيار (حتمي أو إرادي) اقتصاد السوق الاجتماعي بكافة ركائزه المتعلقة بالشفافية والمنافسة النزيهة وحرية المبادرة ضمن إطار القانون.
ولم يكن بالإمكان البقاء تحت وطأة ثقل التداعيات السلبية للصدمة المالية الخارجية دون اللجوء إلى اعتماد بدائل ولو ظرفية مثل التمويل غير التقليدي(طباعة النقود) لضخ نفس جديد في دواليب الخزينة لتنعكس إيجابا على المنظومة الاقتصادية ومؤسساتها. وبقدر ما هو مسار يمكن ان يقلل من تداعيات انهيار إيرادات النفط وانكماش احتياطي الصرف لو يتم التحكم في دواليبه جيدا، فانه يحمل مخاطر أيضا مثل ارتفاع التضخم الذي يشكل آفة الاقتصاد.
لذلك لا يعتبر الخيار الحتمي والظرفي (وفقا لتقدير الحكومة) منهجا ثابتا إنما هو تكتيك يستعمل كأداة  ظرفية في أجل 5 سنوات لتوفير السيولة النقدية بالعملة الوطنية مقابل تنشيط مسار التوفير الداخلي واقتصاد النفقات قدر الإمكان (ترشيد الاستيراد وتقليص الأعباء بالعملة الصعبة) وتحقيق أهداف النجاعة من خلال إنشاء الثروة لتعويض الفارق المغطى بطباعة النقود.
وبموجب هذه التوجهات ذات الطابع الانتقالي (من خلال إدراج المادة 45 مكرر بتعديل قانون النقد والقرض) يقوم بنك الجزائر بشراء سندات مالية من الخزينة التي بحوزتها آو تصدرها مستقبلا لتغطية حاجيات تمويل الدين الداخلي العمومي(سندات القرض الوطني للتنمية الصادرة في 2016 وشراء الدين البنكي لسونلغاز وتعويض فارق أسعار الوقود وتحلية المياه لسوناطراك) وتمويل الصندوق الوطني للاستثمار.
وحتى لا تخرج العملية عن إطارها وتأمين تجسيدها وفقا للأهداف المحددة ذات الطابع الاقتصادي والمتصلة بالنمو تؤسس لجنة للمراقبة والمتابعة تنصب على مستوى وزارة المالية تسهر على تسليط الأضواء على توظيف موارد التمويل غير التقليدي من اجل توجيهها إلى الأهداف التي يراهن عليها في إنعاش النمو مثل المشاريع الإنتاجية في الفلاحة والتنمية الريفية وتمويل مشاريع ترتبط بالتنمية البشرية مثل التربية والصحة.
غير أن خبراء مثل الدكتور عبد الرحمان مبتول أشار إلى أن لجنة بهذا المستوى لا ينبغي أن تكون تحت وصاية الجهاز التنفيذي إنما موقعها الملائم أن تكون تابعة إلى رئاسة الجمهورية ا والى البرلمان وان تكون مشكلة من خبراء وليس من موظفين لتامين استقلاليتها في التشخيص والمراقبة كما أكد عليه الخبير تفاديا لأي انزلاق نقدي ومالي محتمل قد يؤدي إلى ما لا يمكن تحمله.
وتقدر الحاجة للسيولة وفقا لتقديرات الحكومة كما أعلنه الوزير الأول أمام البرلمان بحوالي 20 مليار دولار في السنة، الأمر الذي يستوجب مواجهته بما هو متاح حاليا مثل اللجوء إلى

المديونية الداخلية أو الدين لعام ( وهو الأموال التي تقترضها الحكومة لمواجهة ظرف طارئ صعب بسبب عدم كفاية الإيرادات لتغطية النفقات) الذي لم يصل- كما أشار إليه- إلى 20 بالمائة من الناتج الداخلي الخام، لكن مع الحرص على عدم الغرق فيه.
ومع ذلك هناك بالمقابل مؤشرات على قلتها محدوديتها يمكن الاستثمار فيها مثل التحسن الأخير لأسعار النفط وتقلص العجز في الميزان التجاري واهتمام المستثمرين الأجانب بالسوق الجزائرية علت غرار زيارة بعثة من الولايات المتحدة الأمريكية في الأسبوع الأول من أكتوبر الجاري والتي يمكن تفعيلها لتحفيز الاستثمار الأجنبي المباشر خاصة من دول حوض المتوسط مثل اسبانيا.
بالموازاة ينتظر عمل كبير على صعيد إصلاح المنظومة الجبائية باعتماد معادلة متوازنة وموضوعية من شانها أن تشجع على دفع الضريبة بدل التهرب منها وهو ما ينبغي للخبراء أن يسهموا في صياغته أكثر من السقوط في ظاهرة التشخيص ومعاينة المؤشرات في حين تقتضي المسؤولية الوطنية والأخلاقية السعي لوضع المعالم الكبرى لتجاوز المرحلة بأقل الأضرار  من منطلق اعتبار الاستقرار والمكاسب المحققة قاسما مشتركا للمجموعة الوطنية مع السهر على تصحيح الاختلالات التي تعرقل مسار النمو، بانخراط كافة الشركاء في ديناميكية تجاوز الأزمة بروح بناءة والمبادرة في الاتجاه الصحيح.
وبالرغم من وطأة الأزمة الناجمة عن نقص السيولة بالنظر للمدى الواسع للتطلعات المشروعة في التنمية والرفاهية، فان تجاوز المرحلة على ما فيها من صعوبات في متناول المنظومة الاقتصادية الجزائرية بكافة شركائها من خلال الانخراط في النموذج الجديد للنمو القائم على إرساء اقتصاد متنوع ونتاجي حقيقي يستوعب كافة المؤسسات الجزائرية والرأسمال الأجنبي يقود إلى انجاز هدف إنتاج الثروة والتصدير إلى الأسواق الخارجية ومواكبة تحولات الاقتصاد العالمي من بوابة التحول الطاقوي.
ولا تزال أوراق قوية في المتناول يمكن الرهان عليها لتجاوز المنعرج على غرار تنشيط قطاعات الفلاحة والسياحة والخدمات باعتبارها من محركات النمو التي تتوفر على عناصر الانتعاش بأقل كلفة، وهي مجالات مفتوحة للمؤسسات والرأسمال الوطني والأجنبي للاستثمار فيها ضمن معايير التنافسية والجودة بكافة الضمانات القانونية التي تجعل السوق الجزائرية أكثر تنافسية وجذابة، شريطة أن يقدم المتعامل المحلي المثال الأول في ذلك بمضاعفة العمل والتواجد في الساحة للرفع من وتيرة المشاريع.
وفي هذا الإطار، ينبغي تفادي السقوط في سلبيات الجدل بين التأييد والرفض، وإنما الانتقال بسرعة إلى مرحلة الفعالية لتدارك الموقف الذي يتطلب حشد الموارد المحلية المتاحة وتوسيع نطاق المبادرة وتكييف الخيارات وفقا لمتطلبات الظرف والحذر من الترويج للإحباط عن طريق الإشاعة لضرب استقرار السوق كما حصل بالنسبة لسوق العملة الموازية حيث التهبت أسعار الصرف.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17753

العدد 17753

الإثنين 24 سبتمبر 2018
العدد 17752

العدد 17752

الأحد 23 سبتمبر 2018
العدد 17751

العدد 17751

السبت 22 سبتمبر 2018
العدد 17750

العدد 17750

الجمعة 21 سبتمبر 2018