عبد الرحمان مبتول، الخبير الدولي في المناجمنت الاستراتيجي لـ “الشعب”:

المقاول الحقيقي من يساهم في تنمية القيمة المضافة والحذر من “رأسمالية متوحشة”

حاوره: سعيد بن عياد

يدعو الأستاذ الجامعي والخبير الدولي عبد الرحمان مبتول إلى تدعيم مكانة القطاع الوطني الخاص المنتج في المنظومة الاقتصادية وضرورة إشراكه في الديناميكية من أجل إنشاء الثروة. لكنه يحذّر من السقوط في الرأسمالية المتوحشة. وبعد تسجيله ضعف تنظيم القطاع الخاص لتشتت صفوفه، يؤكد مبتول في هذا الحوار على الانتقال إلى نمط جديد في التعامل مع المؤسسة الاقتصادية بعيدا عن التمييز التقليدي بين العمومية منها والخاصة، وأن الواقع يفرض التوجه إلى استقلالية المسير الاقتصادي الاحترافي من أجل تحرير المبادرة وتثمين الكفاءات الوطنية بما فيها تلك المتواجدة بالخارج. وفيما يلي نص الحوار:  

الشعب - يتوفّر القطاع الوطني الخاص على قدرات لكنها مبعثرة في ظلّ جدل عميق حول الدور الذي يجب أن يلعبه في الساحة الاقتصادية، بنظرة الخبير الاقتصادي، كيف تشخّص واقع هذا القطاع؟
 عبد الرحمان مبتول: لا ينبغي أن نكون طوباويين، ففي كافة بلدان العالم بما فيها المحور الشيوعي سابقا يقيم كبار رجال العمال علاقات مع رجالات السياسة في السلطة أو في المعارضة، وعلى رجال السياسة الحفاظ على المصلحة الوطنية وتفادي الخلط بين المصالح العامة والمصالح الخاصة وهي مهمة صعبة كما تؤكّده جملة فضائح مالية سواء في بلدان متقدمة أو في بلدان ناشئة. مع تأسيس الجمعية الجزائرية للتنمية واقتصاد السوق سنة 1992، حرصنا منذ البداية على التوفيق بين الفعالية الاقتصادية وعدالة اجتماعية عميقة مع المساواة بين المتعامل العمومي ونظيره الخاص وضرورة تفادي شيطنة القطاع المحلي والدولي الذي ينشئ الثروة.
 وبعد 20 سنة من التعبير عن أفكاري يسعدني أن أرى تلك الأفكار تتجسّد وينقلها رئيس منتدى رؤساء المؤسسات. أعتقد أن الوطنية الحقيقية تقاس بالقدرة على إنشاء القيمة المضافة داخليا وإن المقاول الحقيقي من يساهم في القيمة المضافة الداخلية للبلاد. وحسب دراسة أعدتها مؤسسة “نيو وورلد هيث” فإن الجزائر عرفت سنة 2012 وجود 35 ملياردير و4100 مليونير. ويمكن أن يرتفع هذا العدد إلى 5600 في سنة 2020، غير أن الرهان يكمن بين سنتي 2015 /2020، في أن يحوّل هؤلاء من نساء ورجال أموالهم وثرواتهم إلى رأسمال منتج وأن يتم تحويل الثروة الافتراضية للمحروقات إلى ثروة حقيقية ضمن القيم الدولية.
 في هذا الإطار يمكن للقطاع الوطني الخاص أن يساهم في إنشاء القيمة المضافة الداخلية بفضل تنظيم محكم ومستقل في اتخاذ المواقف كشريك للسلطات العمومية. وإن كنت أشعر بالارتياح ببروز مقاولين جزائريين لديهم ديناميكية، إلا أنني أتأسّف لغياب توحيد للمنظمات أرباب العمل الخاصة وسبب ذلك غالبا ما يرجع لمصالح ضيّقة وحب الزعامة. وبدون مبالغة هناك 8 منظمات يمكن أن تحقّق عناصر قوتها مكسبا للقطاع الوطني الخاص لو تلتف حول برنامج واحد.
 كيف تنظر إلى مستقبل منتدى رؤساء المؤسسات كشريك وطني بقيادته الجديدة، من حيث تجميع الطاقات الموجودة وتنشيط الاستثمار؟
 أما بالنسبة لمنتدى رؤساء المؤسسات، فإنه يضم حوالي 499 مؤسسة وتغطي من 18 إلى 22 قطاعا اقتصاديا وتمثل كلها رقم أعمال يقدر بما يعادل حوالي 14 مليار دولار. وتشغل هذه المؤسسات حوالي 105000 عامل. يجب التوضيح أن المنتدى ليس منظمة نقابية، ولكن هذا التنظيم تأسّس في الأصل ليكون بالأخص قوة اقتراح ويندرج في سياق إنعاش وتقوية المؤسسات الجزائرية في إطار تنافسي بعيدا تماما عن توزيع سلبي للثروة البترولية. وأتمنى أن يبقى المنتدى بهذه الهوية، في ظلّ ضرورة توجه الجزائر إلى اقتصاد يقوم على التشاركية والمواطنة، في مواجهة رأسمالية متوحّشة أطلقت العنان لأنانيتها ولا توجد في أي مكان. لذلك يجب إحداث تحول متحكم فيه نحو اقتصاد سوق تنافسي يجمع بين الأعباء الاجتماعية والأعباء الخاصة بفضل الدور الاستراتيجي للدولة الضابطة، المنشغلة والحريصة فقط على المصالح العليا للجزائر. ولا يمكنني سوى أن أنضم إلى المقترحات الأخيرة لرئيس المنتدى الذي أبان عن واقعية بحرصه على الحوار الاقتصادي والاجتماعي ووضع كافة المتعاملين على نفس الدرجة من الأهمية مع التوجه إلى محيط تنافسي بعيد كلية عن أي احتكار سواء كان عموميا أو خاصا وكذا الترخيص للقطاع الوطني الخاص بالاستثمار في الخارج.
وحتى إذا كنت مبادرة بنك الجزائر من خلال المنشور الأخير قامت بخطوة أولى وهي غير كافية فإنه ينبغي الذهاب لإنشاء صندوق سيادي يمول بـ 15 ـ 20 بالمائة من احتياطاتنا من الصرف لشراء حصص مساهمات في فروع تعاني فيها الجزائر من استيراد منتوجاتها والدفع بجاليتنا للمساهمة في التقويم الوطني ورفع بعض المعوقات مثل قاعدة 49 / 51 عن قطاعات غير إستراتيجية وإبقائها في قطاعات يجب تحديدها بدقة وفتح بعض القطاعات التجارية (نقل- صناعة - فلاحة - خدمات)، أمام القطاع الوطني الخاص، والفتح الجزئي لرأسمال بعض البنوك العمومية والتحضير من الآن إلى موعد صفر رسوم في أفق 2020 بموجب عقد الشراكة الموقع مع الاتحاد الأوروبي في 1 سبتمبر 2005. والاستفادة جيدا من التجربة الروسية والسعودية من أجل اكتساب عناصر تساعد على خوض مسار للتفاوض بشكل جيد حول الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية (تمثل 85 بالمائة، من السكان و97 بالمائة، من التجارة عالميا). ولا يمكن بلوغ هذه الأهداف إلاّ بفضل نمط تسيير عصري (مناجمنت استراتيجي) يراهن على المورد البشري والمؤسسات المنشئة للثروة مهما كان طابعها القانوني، بعيدا عن المؤسسة ذات التنظيم العائلي التي تجاوزها الزمن، ويكون هذا برفع عراقيل يفرزها المحيط من بيروقراطية خانقة تحيل على حوكمة جيدة تسود خلال الانتقال. إلى جانب تجديد النظام المالي ليصبح شريكا حقيقيا ومعالجة مسألة العقار وانسجام بين المؤسسة والنظام التعليمي على كافة المستويات.
 ما هي آفاق تنمية القطاع الوطني الخاص ضمن الديناميكية التنموية، وكيف يمكنه المساهمة فيها كشريك يدرك للرهانات والتحديات التي تواجهها البلاد؟
 إن أي تنظيم أو قوانين تكون ذات فعالية قليلة في غياب رؤية إستراتيجية شاملة ويفسر هذا أن المقاولين الخواص في مواجهة المنافسة الأجنبية (عدد كبير من الخواص ينشطون في الاستيراد) التي لم يحضّروا لها، لديهم فروع استيراد من أجل تحقيق توازن حساباتهم الإجمالية. ويكفي زيارة عدد من المناطق الصناعية القديمة (الشرق- الوسط ـ الغرب أو منطقة غرداية) لمعاينة تحوّل عدد من المصانع القديمة إلى مساحات للتخزين، مما يفسّر تراجع النسيج الإنتاجي. والمبررات الأساسية في ذلك تتمثل في معوقات المحيط، مثل البيروقراطية بـ50 بالمائة، نظام مالي يسير إداريا (أكثر من 90 بالمائة، من القروض الممنوحة قادمة من بنوك عمومية)، نظام تربوي اجتماعي غير ملائم وأخيرا المشكل الشائك للعقار. ويضاف لكل هذا حذر من القطاع الخاص المحلي والدولي. بينما الديناميكية الحقيقية للمؤسسة عمومية كانت أو خاصة  تكمن في تمتعها باستقلالية اتخاذ القرار في مواجهة معوقات داخلية ودولية وهي تعمل في ظلّ عولمة تتميز بالتقلبات وغير موثوقة واستعجاليه اتخاذ القرارات في الوقت الحقيقي والصحيح. وحسب الديوان الوطني للإحصائيات توجد هيمنة للقطاع التجاري (أكثر من 83 بالمائة، من النسيج الاقتصادي العام، القطاع الصناعي لا يمثل سوى 5 بالمائة، من الناتج الداخلي الخام وحوالي 95 بالمائة، من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تهيمن عليها الشخص الطبيعي بـ95 بالمائة، فيما الشخص المعنوي أي المؤسسة لا يتعدى 5 بالمائة. وتظهر هذه النتائج أن الاقتصاد يرتكز أساسا على وحدات مصغرة قليلة التحكم في التسيير العصري “مناجمنت استراتيجي”، ذلك أن القطاع الخاص ينجز 80 بالمائة، من القيمة المضافة خارج المحروقات ما يمثل 3/2 من إجمالي الصادرات مقابل 97 / 98 بالمائة، لفائدة شركة سوناطراك، علما أن حصته في الاستثمار لا تمثل الكثير وتفيد بعض المصادر نسبة 2 بالمائة فقط من مجموع الاستثمارات.
 إن أكبر الثروات لا توجد حتما في الفضاء الحقيقي ولكنها في الفضاء الموازي خاصة القطاعات التجارية مع وسطاء موازين بنسب استنزافية. وحسب ديبوراه هارولد أستاذة أمريكية في العلوم السياسية بجامعة فيلادلفيا ومتخصصة في الشأن الجزائري، فإنها توصلت في ضوء معطيات صادرة عن بنك الجزائر إلى أن الاقتصاد الموازي يستحوذ على 50 بالمائة من الكتلة النقدية المتداولة التي تعادل 62,5 مليار دولار. وهذه المعطيات مدوّنة في وثيقة لوزارة التجارة مؤرخة في 18 فيفري 2013 وتفيد وجود 12000 شركة خفية تتداول ما يعادل حوالي 51 مليار اورو، أي ما يعادل 66 مليار دولار، وهو رقم اكبر بأربع مرات من جميع المؤسسات الكبرى لمنتدى رؤساء المؤسسات مجتمعة. ويراقب هذا الفضاء الموازي في ارض الواقع 65 بالمائة من فروع المواد الأساسية من فواكه وخضرن سوق السمك، اللحوم الحمراء والبيضاء وعبر عمليات استيراد موازية للنسيج والجلود. لكن لا ينبغي الخطأ في اتجاه الإستراتيجية ذلك انه لدينا العديد من المقاولين الذين ينشطون في الموازي ويتمتعون بديناميكية وينبغي إدماجها في السوق المنظمة ليس بإجراءات إدارية تسلطية ولكن باللجوء إلى ميكانيزمات اقتصادية للضبط.
وبصورة عامة إن دور القطاع الخاص المنشئ للثروة يحتاج إلى تصحيح النظرة إليه وعدم تشبيه مقاوليه مغالطة باللصوص على غرار المقاولين العموميين، بينما اغلبهم نزهاء، مما يفرض رفع التجريم عن التسيير. إن القطاع الوطني المنتج العام والخاص بحاجة إلى مزيد من الاستقلالية ومساحة للحرية، دون أن يعني هذا إطلاقا التوجه إلى رأسمالية متوحشة. وأملي أن تكون الأفكار التي قدمها الرئيس الجديد لمنتدى رؤساء المؤسسات عاملا لإدماج مئات المقاولين الجزائريين الذين اثبتوا نجاحهم في الخارج والذين يمنهم أن يتحولوا إلى جسر بين لخارج وسط الفضاءات الاورومتوسطية والإفريقية، مع تشجيع نقل التكنولوجيات وطرق العصرية للتسيير( مناجمنت) وذلك بفضل الشراكة مناصفة والتوطين بالشراكة مع مستثمرين أجانب وبالتالي مواصلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الجزائر.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18121

العدد18121

الثلاثاء 10 ديسمبر 2019
العدد18120

العدد18120

الإثنين 09 ديسمبر 2019
العدد18119

العدد18119

الأحد 08 ديسمبر 2019
العدد18118

العدد18118

السبت 07 ديسمبر 2019